|
حصار غزة والشأن الفلسطيني
الموقع الأصلي:
مهما يكن الألم، الذي يشعر به المرء تجاه الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة، ويرزح تحت كابوس الاحتلال في الضفة، ويتعرض للاضطهاد وللإذلال في الشتات، فيجب أن يضع في اعتباره، أن هذا هو الوضع الطبيعي. الطبيعي؟ نعم. إن الشعب الفلسطيني يتعرض للإبادة، منذ 1948، تاريخ قيام إسرائيل. فالعسكرية الإسرائيلية وجدت في فلسطين بديلاً للفلسطينيين، ومعنى ذلك ببساطة "إزالة" الفلسطينيين من أجل الحلول محلهم.
الآن ليس منتظراً من الإدارة الإسرائيلية أن توفر لغزة المواد الضرورية للحياة، حتى ولو لم يطلق أحد أي قذيفة نحو المستوطنات الإسرائيلية. وليس منتظراً من العسكرية الإسرائيلية أن تترك فلسطينيي الخليل أو نابلس، أو أي جزء آخر في الضفة ليعيشوا بسلام. للمستعمرين الإسرائيليين خير الأرض، وأغزر المياه وأعذبها، وأي موقع يريدونه، بيتاً، أو حياً، أو أرضاً زراعية، وللفلسطينيين ما لا يستطيع المستعمرون أخذه اليوم. هذا الحال يقره، وأقره، المجتمع الدولي منذ 1948: "أرض الميعاد" هي لإسرائيل، وقد تمتد «أرض الميعاد» حسب التوراة لتشمل كل المنطقة العربية. "أرض الميعاد" تعتمد الأسطورة لا يهم. يدعم هذه الأسطورة القوة العظمى الأولى في العالم، المقودة بالإدارة الأمريكية. وهذه حولت الأسطورة إلى واقع، تعاني منه شعوب المنطقة، لا الشعب الفلسطيني وحده. وهذا الحال الأليم لا يغيره سوى النضال، ولكن يجب أن تخرج هذه الكلمة من الصيغ المبتذلة التي مرت بها لتتحول إلى خيار جدي، يخرج المنطقة من الكابوس الاستعماري، الذي ترزح تحته. وجود العسكرية الإسرائيلية مرهون بالإدارة الأمريكية، ولو تستطيع إسرائيل يوماً، أن تخرج من تحت سيطرة تلك الإدارة، لتعيش في سلام مع شعوب المنطقة، فإن الإدارة الأمريكية تحتل إسرائيل حينئذ بين يوم وليلة، ودون أية مبررات. لذا مطلوب من إسرائيل الدولة أن تبقى تحت سيطرة العسكرية الإسرائيلية، وتحرم على الإسرائيليين أن يعيشوا بسلام مع شعوب المنطقة. والنضال ضد العسكرية الإسرائيلية هو في نفس الوقت نضال ضد مخططات الإدارة الأمريكية في المنطقة، وضد هيمنتها. ولذا كان كلام الإدارات العربية منذ 1948 ضد إسرائيل دون المخططات الأمريكية هو لغو، ولغو خطير، تسبب باحتلال أراض عربية واسعة. أيضاً محاولة الوصول إلى تفاهم مع الإدارة الإسرائيلية، إلى حلول وسط واقعية، تصطدم مع الإدارة الأمريكية، ولا تسمح هذه بنجاحها من دون أن تكون "الحلول" داخلة في مخططاتها. مثلاً، السلام مع مصر أدى إلى تقييد يد الإدارة المصرية، لدرجة، أنها لا تستطيع واقعياً أن تفتح معبر رفح؛ و"سلام" أوسلو أدى إلى إلزام قيادة م. ت. ف. (منظمة التحرير الفلسطينية) بمهمة حفظ أمن إسرائيل، وإلى شلل القيادة ممثلاً بعجزها الداخل شبه التام. حتى بالنسبة لتنقل أعضائها، وبحاجتها لحماية الإدارة الإسرائيلية من أجل مجرد وجودها، فالرئيس المرحوم ياسر عرفات، توفي سجيناً، والسلطة الفلسطينية الحالية لا تستطيع شيئاً، لا من أجل غزة، التي تباد ببطء، ولا من أجل الخليل أو نابلس أو القدس أو الحواجز. والأمر يتفاقم بالنسبة للفلسطينيين وبالنسبة لشعوب المنطقة. كتبت هاآرتس (10/12/2008) تحت عنوان "رؤيا فايغلين: ضم المناطق وانسحاب من الأمم المتحدة": "وإذا سار كل شيء على ما يرام، فذات يوم سيحتل موشيه فايغلين الحكم، وهو لن يضيع وقتاً: في غضون مائة يوم سينقل ثورته إلى مسارات عملية". بداية سيدعو حكومته إلى الصلاة في الحرم، وبعد ذلك فوراً سيأمر بانسحاب إسرائيل من الأمم المتحدة، و"إغلاق السفارات في ألمانيا وفي دول لا سامية واستبدالها بمكتب مصالح فقط"(...) "بعد ذلك سيتفرغ فايغلين لمعالجة الفلسطينيين وسيأمر بالوقف التام للدفاع بوسائل المعيشة إلى سلطة الإرهاب في م. ت. ف.، المال، البضائع، المياه، الكهرباء، الاتصالات، وسيتخذ خطاً متصلباً: كل هجوم على إسرائيل سيجر احتلال المنطقة، التي بارد سكانها إلى العنف، طرد سكانها وتصفية البنى التحتية فيها". الخ (انتهى الاقتباس). قد لا يصل فايغلين إلى الحكم، ولكن العسكرية الإسرائيلية هي دوماً في الحكم، وهي تطبق عملياً نفس البرامج المذكورة أعلاه. ومن أجل الدفاع عن إسرائيل قامت الإدارة الأمريكية باحتلال العراق. البترول العراقي لم يكن هو المشكلة فشركات البترول الأمريكية تلتهم البترول العربي، كان بيد النظام العراقي السابق، أو بيد غيره، ومن أجل نفس الهدف توجه الإدارة الأمريكية ضربتها ضد إيران وضد سوريا وضد المقاومة اللبنانية. لحماية إسرائيل اندلعت حرب 2006 الوقائية بإيعاز أمريكي، وقد تنشب حروب أخرى. إسرائيل والبترول هما كلمة السر في أحداث الشرق الأوسط. وبما أن البترول في حرز حريز، تبقى إسرائيل وحدها كلمة السر. ومع تفاقم الأوضاع سواء بالنسبة للفلسطينيين أم بالنسبة لشعوب المنطقة يزداد التضليل الإعلامي والطائفي لإبعاد الشعوب عن النضال الجدي. كان النضال في المستعمرات السابقة بعد الحرب العالمية الثانية هو في سبيل الاستقلال؛ وبعد الاستقلال أصبح المفروض بالنضال أن يتجه نحو التحرر الاقتصادي، الذي لا معنى للاستقلال من دونه. ومع الأسف استطاع الاستعمار الدولي أن يحرف التوجه الذي كان في التسعينات من القرن الماضي نحو التحرر الاقتصادي، وأن يحوله إلى استجداء للاستثمارات، أي إلى المطالبة بالنير الاقتصادي الذي رعاه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ورعته الطائفية الممولة أمريكياً. الآن النضال صار أهم بكثير، فهو ببساطة من أجل الحياة، لأن شعوباً عديدة، وشعوب المنطقة بالذات مهددة بالإبادة. إنها مهددة بالمصير الفلسطيني، وبالمصير العراقي، وبالمصير الأفغاني. والنضال لا يمكن اختراعه، ولا يمكن أن يوجد من العدم، فلا بد من أن يعتمد على ما هو موجود، أي على القوى السياسية القائمة، وطنية كانت أم تقدمية. م. ت. ف. تأتي في المقدمة للنضال من أجل أهدافها النظرية، حق تقرير المصير، إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، عودة اللاجئين، إلخ. والأهداف المذكورة تبقى نظرية إذا لم تتحول م. ت. ف. إلى تنظيم مناضل. ومن أهم النقاط بالنسبة لـ م. ت. ف. هي أولاً، أن تعيد وجودها على الساحة الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. لقد فقدت من أيام أوسلو صفة التمثيل للشعب الفلسطيني، وأصبح دورها إلى درجة كبيرة هامشياً، ثانياً، أن توحد الفصائل الفلسطينية الداخلة فيها حول استراتيجية نضالية موحدة تلتزم بها الأطراف؛ ثالثاً أن تعيد تدريجياً تحالفاتها العربية والدولية. الأحزاب السياسية الوطنية والتقدمية على الساحة العربية مطلوب منها أن تتحد أيضاً حول استراتيجية نضالية موجهة أولاً ضد موجة الليبرالية الجديدة، التي تعم العالم بشكل غير مسبوق، ثانياً ضد الموجة الطائفية، التي تؤلف النخر الاستعماري الخطير في جسد الشرق الأوسط؛ ثالثاً نحو محاربة الوجود الاستعماري في المنطقة، ممثلاً بمرتكزات النهب الاقتصادي، وبالاحتلال، وبالعربدة الإسرائيلية والأمريكية في لبنان والمنطقة؛ رابعاً العمل على إيجاد رابط وتحالفات دولية تساعد على القيام بالمهمات المذكورة أعلاه. هناك بين فترة وأخرى مؤتمرات ومنتديات تعقد حول أهداف وطنية، فلسطينية أو عربية، وهي مفيدة طبعاً، ويتمنى المرء أن تتعدد، ولكنها عابرة، وغالباً ما تنتهي دون أثر، ولو صدر عنها تصريح أو بيان. والمطلوب من الأحزاب السياسية أن تجتمع وتتبادل الأفكار والمعلومات، لا من أجل إصدار بيان، وينتهي الأمر، وإنما من أجل الاتفاق تدريجياً على برامج عمل يتقيد بها الأطراف. والتشكيلات الطائفية المناضلة وطنياً، والتي أثبتت وجودها في الساحة النضالية لا يمكن تجاوزها. ومن الضروري أن تشترك الأحزاب السياسية الأخرى ولكن على أساس غير طائفي، فالأساس الطائفي لا يتفق لا مع وحدة وتلاحم المجتمع، ولا مع جدية النضال وسلامة أهدافه. أيضاً م. ت. ف. لا تستطيع تجاوز التشكيلات الطائفية المناضلة، ولكن لا تستطيع إلا أن تتجاوز الطروحات في شق الصف الفلسطيني، وفي أسلوب النضال، الذي من المفروض أن يكون له بعد استراتيجي. لا تستطيع لا م. ت. ف. ولا التشكيلات الفلسطينية الطائفية أن تنقذ الشعب الفلسطيني من آلامه، ما لم يكن نضالهما بعيد الأفق ومتصلاً بنضال المنطقة من جهة، وبالنضال العالمي من جهة أخرى. أما العراق، فمشكلته شديدة التعقيد، وانفجاراته الطائفية ستعود عليه بأخطار كبيرة، ولو رحل المحتل، ما لم يستطيع الشعب العراقي تجاوزها من الآن، أيضاً بتوحيد قواه المناضلة حول إستراتيجية مضادة للاستعمار، لا للاحتلال فقط. لقد أصبح النضال ضرورياً في كل مكان، لا من أجل أهداف سياسية فقط، وإنما أيضاً من أجل حياة الشعوب، من أجل حماية الشعب نفسه لا ضد العدوان والاحتلال فقط، بل ضد الإبادة، الإبادة التي ترى نماذج منها في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان، وأيضاً في مناطق عديدة أفريقية وغير افريقية. http://www.miftah.org |