في التمهيد للحوار الفلسطيني ... لا بد من واقعية
بقلم: راسم المدهون
2009/2/26

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10238

على أبواب انطلاقة الحوار الفلسطيني الشامل من أجل حل الخلافات المزمنة، وردم فجوة الانقسام، يصبح من الأهمية بمكان التوقف طويلاً أمام تجربة العمل الوطني الفلسطيني الماضية، وبالذات خلال السنتين الماضيتين بكل ما فيهما من آلام ومن اقتتال دموي أصاب الكل الوطني بخسائر فادحة ولا يزال، مثلما أصاب القضية الوطنية بالترهل وانعدام الوزن في الساحة الدولية.

من المفيد في وقفة كهذه الإشارة الى الصعوبات الكبرى التي واجهت مسألة التعايش بين القوى السياسية الفلسطينية المختلفة، وبالذات بين حركتي «فتح» و «حماس».

لقد تجلّت الآثار المدمرة لعجز الفصيلين الرئيسين عن التعايش الى ايجاد ازدواجية سياسية راحت تعبّر عن نفسها في بروز مشروعين سياسيين متناقضين، وكان يمكن لهذه الازدواجية أن تظل مقبولة وقابلة للتعايش لو لم تترافق معها ازدواجية السلاح الذي تحوّل الى وسيلة مفضّلة لحسم التناقضات بديلاً من الحوار الذي سرعان ما تقزّم وفقد فاعليته، وتحوّل الى «حوار طرشان» قبل أن ينقطع نهائياً، ويصبح في حاجة الى وجود وسطاء عرب يقومون بالتمهيد الطويل له.

من المهم في مراجعة كهذه ملاحظة أن حالة الاستعصاء والتفجر السياسي والأمني قد حدثت بسبب التداخل غير المنطقي الذي أحدثته الانتخابات التشريعية الأخيرة بالطريقة التي جرت فيها. نعني هنا بالضبط دخول حركة «حماس» المعركة الانتخابية للمجلس التشريعي من خارج النظام السياسي الفلسطيني، أي من دون إعلان واضح وصريح بالموافقة على هذا النظام، واستطراداً من دون الموافقة على «القانون الأساسي» الذي هو الدستور الفلسطيني. تبع ذلك بالطبع وجود حكومة فلسطينية لا تعترف بالنظام الفلسطيني، ولا بالمنظمة التي تنحدر منها منظمة التحرير الفلسطينية بكل ما يعنيه ذلك من تنصّل من الاتفاقات التي وقعتها المنظمة وما ترتبه من التزامات على الطرف الفلسطيني.

هذه الحال الشاذة اوجدت وضعاً سياسياً وقانونياً شاذاً بدوره سعت من خلاله حركة «حماس» الى إجبار الحال الفلسطينية برمتها على التكيف مع «ثوابتها» السياسية، وهو سعي لم يدرك أصحابه أنه يتناقض أساساً مع واقع السلطة الفلسطينية التي نشأت وفقاً وانطلاقاً من اتفاقات أوسلو ومن المصادقة الدولية عليها، ما جعل فرض الحصار على الحكومة الفلسطينية أمراً مفهوماً انطلاقاً من حقيقة أن الدعم المالي والاقتصادي الذي تقدمه الدول المانحة إنما يأتي وفقاً لتوقيع منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاق أوسلو وسعيها لتحقيق تسوية سلمية عبر المفاوضات. وبكلام سياسي، لم يكن ممكناً أن تقبل الدول المانحة أن تتحول الى جمعية خيرية تمنح الشعب الفلسطيني مساعداتها المالية من دون اشتراطات سياسية.

لقد أحدث دخول حركة «حماس» الانتخابات ومن ثمّ الحكومة من دون أن تتكيف مع استحقاقات ذلك الدخول سياسياً أن أصبحت الحكومة في حالة تناقض حاد مع مؤسسة الرئاسة، ولم ينفع لتمويه ذلك الأحاديث المتكررة عن ممانعة الرئاسة لعمل الحكومة الحمساوية، وهي في كل حال لم تكن - إن حدثت - الأساس الذي قوّض عمل تلك الحكومة وأودى بالجميع الى الحصار، فالأساس الواضح لكل ذي عين ترى هو برنامج الحكومة الذي ظل يرفض الموافقة على الاتفاقات التي وقعتها المنظمة، والذي شكّل برفضه عنواناً بارزاً لرفض العالم كله الاعتراف بالحكومة أو التعامل معها.

هنا دخلت الحالة الفلسطينية كلها في حالة الحصار، وهو حصار تسبب في الانكفاء عن معالجة مهمات التكيّف مع الحالة الدولية والتعويض عنه بالاصطدام الداخلي ومحاولة جرّ المجتمع الفلسطيني برمّته لمواجهة الإرادة الدولية مجتمعة.

أعتقد أن الحوار الفلسطيني - الفلسطيني سيظل «حوار طرشان» وبلا جدوى حقيقية إن لم يتمكن من التوصل الى تفاهم سياسي واضح في هذه النقطة بالذات: ليس مطلوباً من حركة «حماس» الموافقة على اتفاقات السلطة والمنظمة، ولكنه مطلوب بالتأكيد من أية حكومة فلسطينية مقبلة، وفي هذا المجال نتذكر جميعاً أن حركة «فتح» التي شكلت العمود الفقري للسلطة الوطنية الفلسطينية لم توافق أبداً على اتفاق أوسلو، ولا على أية اتفاقات نتجت منه، بل إن منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني هي التي وافقت ووقعت تلك الاتفاقات.

نقول ذلك ونحن ندرك أننا لا نستطيع أن نتخيل لحظة أننا نعيش وحدنا في هذا العالم، أو أن نغضّ الطرف عن الأوضاع الدولية السائدة. وفي سياق إدراكنا للحالة العربية والدولية لا يجوز إطلاقاً اعتماد سياسات تقوم على نظرية «الحق والباطل» فالسياسة فن الممكن والممكن الوحيد بالنسبة الى الكفاح الوطني الفلسطيني العادل هو بالتأكيد في السياسات الواقعية التي ترى وتسمع وتعرف موازين القوى وكيفية التعامل معها، ولا تزج الشعب الفلسطيني في مواجهات خطيرة لا يملك أدوات النجاح فيها.

كما أن من المهم إدراك حالة ما بعد زلزال غزة، والخروج نهائياً والى الأبد من إسار منطق المكابرة، فما وقع في غزة أكبر وأشد خطورة من أن تختصره كلمات الحديث الذي لم ينقطع عن النصر، وهو المنطق الذي يقفز عن حقيقة أن النصر والهزيمة يحتاجان بالأساس الى حرب بين طرفين، فيما نعرف أن ما جرى في محرقة غزة كان حرب تدمير إسرائيلية بأدوات التدمير الأميركية الأكثر حداثة. لا يجوز أمام تراجيديا دفع المواطنون الفلسطينيون ثمنها الباهظ من لحمهم وممتلكاتهم وبيوتهم مواصلة المكابرة، فالحالة على النقيض من ذلك تستدعي سياسات واقعية نراها شرطاً ضرورياً لمحاولة تضميد جراحات الشعب، والانطلاق في عملية الإعمار وإعادة بناء ما تهدم، وفي الوقت نفسه هي شرط للتخلص من ربقة الحصار والتمكن من فتح أسوار غزة على العالم الخارجي كي تعود الحياة الطبيعية التي يعيشها البشر الطبيعيون في العالم والتي حرم منها مليون ونصف المليون من مواطني القطاع بسبب السياسات التجريبية التي جعلت الشعب طوال الوقت في خدمة الحزب وليس العكس كما يفترض المنطق العاقل.

من دون الوصول الفلسطيني الجماعي الى حالة نقيضة لهذا كله أعتقد أن الحوار الفلسطيني سيستمر في المراوحة وفي مناقشة جزئيات هامشية وغير ذات صلة ببؤرة الأزمة ومنطلقاتها.

عن صحيفة الحياة اللندنية

http://www.miftah.org