الغطرسة الإسرائيلية والمصير العربي
بقلم: د. فوزي الأسمر
2009/3/10

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10271

نشر الكاتب الصحفي أوري أفنيري مقالا في صحيفة "يديعوت أحرونوت" (4/3/2009) يحمل العنوان التالي: "هل يفهم الإسرائيليون لغة القوة فقط؟" ومجرد إثارة مثل هذا الموضوع في الصحافة العبرية، له أبعاد كثيرة في تحليل الواقع النفسي الإسرائيلي اليوم.

ولست هنا في مجال محاورة أفنيري لما جاء في مقاله، والذي يحمل الكثير من الواقع الذي تعيشه القيادة الإسرائيلية، خصوصا الأسلوب المتغطرس التي تستخدمه في التعامل مع العرب بشكل عام ومع الفلسطينيين بشكل خاص. ومع ذلك أريد أن أشطب علامة السؤال وأقول أن إسرائيل في الواقع لا تفهم إلا لغة القوة. هــذه المــقولة التي كانت محور الفلسفة الصهيونية حيث قالت دائــمــا بــأن "العرب لا يفهمون إلا لغة القوة".

وبقيت هذه المقولة سارية المفعول حتى حرب 1973 عندما فهم الإسرائيليون أن غطرستهم على الشاطئ الشرقي لقنال السويس والتي ظهرت جليا في بناء ما سمي بـ "خط بارليف"، وفي فرض الشروط المهينة لمصر، إذا إرادت القاهرة إسترجاع أراضيها التي إحتلت بالقوة، والتي قررت الشرعية الدولية بإعادتها لن تنفعها. وكانت النتيجة تحطيم "خط بارليف " وعبور القنال بالقوة وإسترجاع السيطرة على مقومات الحدود المصرية.

وعندما عاد عرفات ومجموعته إلى الأراضي الفلسطينية في أعقاب إتفاقيات أوسلو، مارست إسرائيل عليه كل أنواع الضغوط المذلة، وامتنعت عن منحه أي "إنتصار" سياسي يقدمه لشعبه كي يزيد من شعبيته ويستطيع الوصول إلى حل مقبول على الفلسطينيين، رغم كل التنازلات التي قدمها لها، وأصرت على خضوع السلطة الفلسطينية لمطالبها، وكانت النتيجة محاصرة عرفات ومن ثم قتله كما ورد في وسائل الإعلام.

هذا الموقف الإسرائيلي أدى إلى فقدان الشعب الفلسطيني ثقته بالسلطة وبحوارها مع إسرائيل. وفي آخر إنتخابات جرت هناك صوتت أغلبية الشعب الفلسطيني لحركة "حماس" الشيء الذي أثار غضب قيادة السلطة الفلسطينية وإسرائيل. وتجمعت قوى المقاومة في غزة وأرسلت إشارات لإسرائيل تقول أنها لن تقبل بالمذلة والحصار والتجويع ولن تركع أمام الطغيان الصهيوني.

وكان العدوان على غزة والذي تحول إلى حرب ضارية، رغم التفوق النوعي لسلاح الجو الإسرائيلي، ورغم العدد الكبير من الضحايا من قتلى وجرحى فلسطينيين ورغم تدمير البنية التحتية الفلسطينية وآلاف الأبنية المختلفة بما فيها المدارس والمساجد وغيرها. ومع ذلك إنتصرت المقاومة الفلسطينية حتى بإعتراف كبار الإستراتيجيين الإسرائيليين.

فقد فشلت إسرائيل في تحقيق أي من أهدافها، وفي مقدمتها إطلاق سراح الجندي الأسير شليط (بدون أن تطلق سراح أسرى فلسطينيين)، ودون أن تنجح في وقف القصف الصاروخي على مدنها ومستعمراتها، وبدون وضع حد لإستمرار وصول الإمدادات العسكرية للمقاومة الفلسطينية. فقد نشرت صحيفة "معاريف" (6/3/2009) خبرا عن تقرير للمخابرات الإسرائيلية، تبين من خلاله أنه في شهر شباط/ فبراير الماضي أي بعد توقف القتال، أطلقت المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة في تجاه إسرائيل 23 صاروخا، و32 قذيفة هاون.

وغطرسة إسرائيل هي التي دفعتها إلى عدم الوصول إلى حل لقضية الأسرى اللبنانيين والذين كان جزء منهم قد إختطفتهم. وفهمت المقاومة اللبنانية أن الحكومات العربية لن تحرك ساكنا بالنسبة لموضوع الأسرى (ولا تزال كذلك حتي اليوم رغم وجود أكثر من عشرة آلاف أسير في السجون الإسرائيلية). فتحركت المقاومة اللبنانية، وكان نتيجة تحركها حربا مدمرة لجنوب لبنان، ولكنها أسفرت عن إنتصار المقاومة اللبنانية، ودحرالعدوان الإسرائيلي عسكريا، وإحداث دمار كبير في مدن ومستعمرات في الشمال الإسرائيلي، ولأول مرة يحدث ذلك منذ قيام هذه الدولة. وبعد هذه الحرب أطلقت إسرائيل سراح الآسرى اللبنانيين من أحياء وأموات، مقابل جثث ثلاثة من جنودها. وتبين أن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة.

فمنذ قيامها وهي ترفض كل مشروع سلام عربي كان أو فلسطيني، ولا حاجة لتعدادها جميعا. ورفضت أيضا كل القرارات الدولية المتعلقة بحل القضية الفلسطينية، وإرجاع الأراضي العربية المحتلة مقابل السلام.

وكان آخر هذه المبادرات المبادرة العربية التي وافقت عليها كل الدول العربية وبعض الدول الإسلامية، هذه المبادرة الداعية إلى حل القضية الفلسطينية حلا عادلا مقابل السلام الشامل مع كل الدول العربية.

ولكن إسرائيل رفضت كل المبادرات بما فيها المبادرة العربية، وهي تحاول الآن تمييع هذه المبادرة بالمطالبة بإدخال تعديلات عليها. ولكن العرب، حسب ما قاله الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في لقائه مع الصحفين العرب في واشنطن (25/2/2009) لن يقبلوا إدخال أي تعديل على المبادرة العربية فإما تقبلها إسرائيل كما هي أو ترفضها. وقال أيضا أن هذه المبادرة تشكل الحد الأدنى الذي يقبل فيه العرب أي سلام مع إسرائيل.

ومن ناحيتها لم تقم إسرائيل بتقديم أية مبادرة سلام لا للعرب ولا للفلسطينيين. ويبدو أنها تشجعت السير في هذا الإتجاه، بعد زيارة أنور السادات إلى الكنيست، معتقدة أن هذا هو الحل المطلوب من جميع القادة العرب. ورغم هذه الزيارة إلا أن إسرائيل فشلت في إقامة سلام مع الشعب المصري، ولا حتى مع الشعب الأردني.

واقتنع الشعب العربي أن إسرائيل لا تفهم لغة السلام، بل لغة القوة ولهذا السبب وقف الشعب العربي وبعض الشعوب الأخرى إلى جانب المقاومة اللبنانية والفلسطينية في حربهما ضدّ إسرائيل، وقال الرئيس السوري بشّار الأسد في اعقاب حرب لبنان، أن المقاومة تؤدي للسلام.

هناك أسباب كثيرة تمنع قادة إسرائيل من إتخاذ المبادرات السلمية. العامل الأول هو الخوف من السلام نفسه، فرغم أنها مستعدة للوصول إلى سلام مع الدول العربية ولكن حسب شروطها، إلا أن السلام مع الفلسطينيين هو من نوع آخر. فهي تطالب الشعب الفلسطيني بالتنازل عن حقوقه كشعب وعن تطلعاته القومية، لأن مثل هذه التطلعات تتناقض مع أساس وجود الدولة الصهيونية. وطبعا هذا أمر مستحيل.

فصعوبة إسرائيل في إتخاذ قرار حاسم بموضوع السلام، يعود إلى عُقدة الأقلية المغروسة في صميم تفكيرها. فرغم أنها دولة مستقلة وذات سيادة، ومعترف بها دوليا، و تتمتع بقوة عسكرية ضاربة، ويعتبرجيشها من أقوى الجيوش في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنها لا تزال تعيش بعقلية ونفسية الأقلية، وهذا عائق نفسي مهم يجب أن تتخلص منه إذا أرادت أن تعيش في منطقة الشرق الأوسط.

فإذن لغة القوة هي اللغة التي تفهمها إسرائيل، وقد عرفت الآن ذلك في أعقاب فشلها في كل الحروب التي جاءت بعد حرب 1973. بل إنها فهمت أن الشعوب العربية لن تسمح لها الإستمرار في عربدتها، وفي محاولاتها المستمرة منع الشعب الفلسطيني من الحصول على حقوقه وفي مقدمة ذلك حقه في تقرير مصيره.

عن شبكة أمين

http://www.miftah.org