نتنياهو وخطوط التماس القادمة
بقلم: عريب الرنتاوي
2009/3/23

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10308

تذهب بعض التقديرات والتكهنات للقول بأن أزمة في العلاقات ستنشب قريبا بين إدارة أوباما الديمقراطية وحكومة نتنياهو اليمينية ، والسبب وفقا لأصحاب هذه "النبوءات" يكمن في حجم الفجوة التي تباعد ما بين الجانبين حيال معظم ملفات الشرق الأوسط وازماته.

من وجهة نظرنا ، تشكو هذه التحليلات من نقص شديد في المجالات التالية:

أولا: أن الخلاف والتباين بين واشنطن وتل أبيب أمر ممكن ومرجح ، وبتفاوت بين ملف وآخر ، أزمة وأخرى ، بيد أنه ليس من نوع الخلافات القابلة للتحول إلى أزمات تنتج قطعا وقطيعة ، بل وليس بالضرورة أن يصل إلى هذا الحد ، وليس مؤكدا ، وهذا هو الأهم ، أن يكون بمقدور أوباما حتى وإن هو رغب ، في تحويل الخلاف الأمريكي الإسرائيلي إلى أزمة في العلاقات الثنائية ، لكل الأسباب التي نعرف وتعرفون.

ثانيا: أن القضية الفلسطينية وصراع العرب والفلسطينيين مع إسرائيل ، ليسا في صدارة أولويات إدارة أوباما ، وهو وإن أبدى اهتماما مبكرا بهذه المسألة ، فإنما فعل ذلك تحت ضغط "المذبحة" في قطاع غزة ، وهو وبفرض صدق نواياه وصفاء سريرته ، سيتعامل براغماتيا مع قضية عمرها يناهز المائة عاما ، وسيدير ظهره لها ، إذا ما شعر أن فرص التقدم على دروب حلها ، تبدو صعبة للغاية ، وإذا ما أيقن أن من الأفضل لإدارته صرف جهودها في قضايا قابلة للحل والتسوية.

ثالثا: أن الإدارة الأمريكية ، ومن خلفها (أو من أمامها) إسرائيل ، ليستا "مضغوطتين" لحل الأزمة الفلسطينية والتوجه لإنهاء الاحتلال للأرض العربية ، فطالما أن بمقدور الولايات المتحدة الجمع بين انحيازها لإسرائيل وصداقتها للأنظمة العربية ، طالما أن بمقدور أن إسرائيل أن تحتفظ بالأرض والسلام والاحتلال غير المكلف ، فلماذا تقتلان وتصطدمان إحداهما مع الأخرى.

رابعا: من بين مختلف القضايا المتأزمة في المنطقة ، يبدو الملف الإيراني وحده ، قابل لكي يكون مادة "شد وجذب" بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما ، فالاخيرة فتحت صفحة جديدة على ما يبدو ، أو هي بصدد فتحها مع إيران ، تقوم على الحوار والاحتواء والدبلوماسية ، بدل الإقصاء والنبذ واللجوء إلى القوة أو التلويح باستخدامها ، فيما نتنياهو - ليبرمان وحكومتهما الجديدة التي قد يشاطرهما فيها إيهود باراك ، ترى أن البرنامج النووي الإيراني خط أحمر ، لن يسمح لطهران باجتياز عتبته ، فإن أمكن منعها بالطرق الدبلوماسية والعقوبات ، كان به ، وإن تعذر ذلك فاللجوء إلى خيار الحرب والحلول العسكرية سيكون أمرا لا مناص منه ، كل ذلك في إطار زمني لا يتعدى ربيع أو صيف العام المقبل.

في هذا الملف ، وفي هذا الملف بالذات ، يبدو الخلاف الأمريكي - الإسرائيلي أمرا ممكنا ، فالولايات المتحدة ليست بوارد ، ولا هي قادرة إن أرادت ، على شن حرب ثالثة في المنطقة ، وضد إيران هذه المرة ، أولا: لأن الشعب الأمريكي كره الحرب بعد هزيمتين متتاليتين في العراق وأفغانستان ، وثانيا: لإن إيران ليست لقمة سائغة في فم الولايات المتحدة ، والحرب عليها ستكون أعلى كلفة وأشد ضررا من حربي أمريكا السابقتين ، وثالثا: لأن الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة التي تضرب الولايات المتحدة تجعل خيار شن حرب جديدة بمثابة التوطئة لإعلان إفلاس الامبراطورية الأمريكية وانهيارها.

أما إسرائيل ، فإنها تنظر لـ"القنبلة الشيعية" بوصفها خطرا وجوديا على إسرائيليا ، وكذا الأمر بالنسبة لبرنامج طهران الصاروخي والفضائي ، وهي عازمة ، لفظيا على الأقل ، على منع هذا الخطر من التفاقم ، بل وتبدي في عهد نتنياهو استعدادا للتصرف بانفراد في قرار الحرب والسلام ، بعد إعطاء أوباما مهلة زمنية لاختبار استراتيجية الجديدة حيال طهران.

مقابل إسرائيل والولايات المتحدة ، تبدو قضية البرنامج النووي الإيراني ودور إيران الإقليمي ، قضايا حياة أو موت بالنسبة لنظام الجمهورية الإسلامية ، وتبدي طهران صلابة منقطعة النظير في مواجهة السياسة الأمريكية بوجهيها الخشن زمن جورج بوش وإدارة المحافظين الجدد ، والناعم زمن أوباما والإدارة الديمقراطية ، ولذلك يصعب على واشنطن أن تدير ظهرها لإيران ، أو أن تقلب لها ظهر المجن ، كما يصعب عليها أن ترضي تل أبيب على حساب طهران ، كما اعتادت أن تفعل عربيا وفلسطينيا ، وسيصعب على إسرائيل أن تدع طهران تفلت بكل مقدراتها العسكرية والتسليحية من دون أن تقوى على تحريك ساكن ، ما يعني أن هذا الملف ، سيكون خط التماس الأهم ، إن لم يكن الوحيد بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو.

وإلى أن يظهر على مسرح المنطقة ، زعماء فلسطينيون وعرب يقوون على القول لواشنطن ما قاله آية الله علي خامنئي بالأمس لباراك أوباما: تغيير حتى نتغير ، فلن تكون هناك أزمات بين أمريكا وإسرائيل حيال أي من القضايا العربية ، فنحن قوم يسهل إرضاؤهم والضغط عليهم وتجاهل حقوقهم ، وجلبنا إلى بيت الطاعة لم يعد أمرا صعبا بعد أن بات السلام ، وليس استرداد الحقوق ، هو خيارنا الاستراتيجي (الساذج) الوحيد.

عن صحيفة الدستور الأردنية

http://www.miftah.org