عاصمة الثقافة العربية .. وأزقة التقاتل الفلسطيني
بقلم: نبيل حاوي
2009/3/24

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10314

قد يكون من قبيل الصدفة البحتة وقوع التفجير الدموي في عاصمة الجنوب اللبناني، فيما العاصمة بيروت تحتضن اجتماع وزراء الداخلية العرب، والبند الرئيسي على جدول الاعمال هو مواجهة الارهاب والتخريب، والعمل لتنسيق الجهود الامنية في هذه الظروف الدقيقة والحرجة.

وقد يكون من قبيل الصدفة، ايضا، حصول عملية الاغتيال في صيدا في ظل احتفالات فلسطين بــ «القدس عاصمة للثقافة العربية»، التي تحولت الى صدام مع المحتل الاسرائيلي المعادي للثقافة، وللتراث الفلسطيني والمقدسات والقيم والتاريخ والحضارة.

ولكن.. يحار المراقبون في تفسير هذا الحرص على تحويل المخيمات الفلسطينية في لبنان الى بؤر للعنف الدموي الذي يدفع ثمنه اللاجئون الطامحون الى العودة الى ارضهم المحتلة او المغتصبة. والوعود التي سبق ان اعطيت بتسهيل المعالجات الامنية بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، تضيع او تتحول الى كلام في الهواء، تاركة مكانها لتصفيات جسدية حينا، وطروحات فئوية او متقوقعة احيانا.

خلاف على منظمة التحرير ودورها وامكان اعادة بنائها في ضوء الحوار المتعثر في القاهرة؟ ربما.. ولكن حتى في الضفة الغربية وقطاع غزة استطاع الوسطاء التوصل الى صيغ ــ ولو مؤقتة وهشة ــ لحقن الدماء بانتظار التوصل الى صيغة متكاملة تشمل «حكومة الوحدة»، وإيجاد صيغة تنسيق مؤقتة ريثما تتم اعادة بناء منظمة التحرير.

غير ان الاحتكام الى السلاح في حل «خلافات الفصائل» قد يكون واجهة لما هو اكثر خطورة، واشد هولا. ففي ظل الخيارات الاقليمية المتداخلة، والانفتاح الاميركي المشروط على ايران، والمصالحات العربية الحذرة، والحوارات السورية مع اوروبا والولايات المتحدة، في ظروف كهذه ليس مستبعدا العودة الى تكريس لبنان بصفته ساحة لتصفية الحسابات، او للتأثير في المفاوضات، او لتمرير هذا او ذاك من الخطط والمشاريع القديمة ــ الجديدة.

وبالعودة الى القدس والثقافة، لا يسع المرء الا ان يوجه التحية الى الذين لم يضيعوا البوصلة، بغض النظر عن حجم المصاعب، وبخاصة الى الذين تصدّوا للمحتل الاسرائيلي، كبارا وصغارا، نساء ورجالا، من اجل اسماع العالم صوت التراث الفلسطيني الرافض للاندحار أو للانزواء تحت اكوام الخراب.. اولئك الذين ادركوا ويدركون ان آلاف الشهداء ومئات الآلاف من الجرحى والاسرى والمطاردين والمشردين لم يقدموا كل هذه التضحيات من اجل مطامح فردية أو فئوية، او حسابات ملتبسة تضيع معها ثقافة شعب راسخ في التاريخ العربي وفي ثقافة العرب. ونأمل ألا تتحول أنظار العالم عما يجري في عاصمة الثقافة ــ المحاصرة ــ لتنتقل إلى أزقة «اللاثقافة» التي يحاصر فيها الاخ اخاه، ويبرز فيها العروبي الزائف على حساب العربي الاصيل.

عن صحيفة القبس الكويتية

http://www.miftah.org