هل من مصلحة إسرائيل قيام دولة فلسطينية؟!
بقلم: د.ناجي صادق شراب
2009/5/4

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10434

على الرغم من أن قيام دولة فلسطينية بات مصلحة مشتركة من قبل جميع الأطراف المباشرة بعملية السلام وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، لأن قيام هذه الدولة يجمع ما بين منهج إدارة المشكلة ومنهج حل المشكلة، بمعنى أن قيام هذه الدولة قد يوفر إطارا لحل المشاكل ألأخرى كقضية اللاجئين على وجه الخصوص، لكن الخلاف يدور حول ماهية هذه الدولة، وحدودها وصلاحياتها وسلطاتها، وتحالفاتها، هي دولة على الورق أكثر منها على أرض الواقع، ما زالت مجرد رؤية سياسية تحتاج إلى ترجمة جغرافية وسياسية وقانونية.

والسؤال الذي نطرحه هل لإسرائيل مصلحة في قيام دولة فلسطينية؟ ومناسبة السؤال ما تطرحه الحكومة اليمينية فى إسرائيل عن سلام اقتصادي، وعدم إعتراف نيتنياهو بحل الدولتين. والإجابة على السؤال تأتي بنعم ولا في آن واحد..!! لماذا نعم؟ ولماذا لا؟

نعم للدولة الفلسطينية..

الدولة الفلسطينية في الفهم الإسرائيلي أشبه بالجسم البشرى بدون أرجل أو أيد، أو حتى أعضاء تمنحه الحياة، مجرد جسم وظيفته فقط التنفس والغذاء بوسائل صناعية تتحكم فيه إسرائيل.. جسم غير قادر على الحركة والنماء والامتداد، وغير قادر على ممارسة وظائفه حتى الطبيعية.. هي دولة بالمعنى الشكلي اللفظي، دولة مجزأة داخل حدود غير متكاملة جغرافيا، وظيفتها فقط توفير إطار مكاني حياتي لعدد من السكان باتو يشكلون تهديدا مباشرا لإسرائيل، ومن غير المجدي أو عدم القدرة على ترحيلهم أو حتى تحمل مسؤوليتهم، لذلك من المصلحة البحث عن كيان وسلطة لرعايتهم، وليس مهما أن يطلق على هذا الكيان إسم دولة وسلطة، وحكومة ومنح أصحابها ألقابا سياسية كرئيس ورئيس حكومة ووزير، فهذه مسائل داخلية.. من هذا المنظور الواسع للدولة الفلسطينية لإسرائيل مصلحة في قيام دولة فلسطينية تريد من وراء قيامها تسوية أو على أقل تقدير إيجاد حلول المشاكل غير القابلة للحل من وجهة نظرها مثل عودة اللاجئين الفلسطينيين وإن لم يكن كلهم إلى داخل حدود هذه الدولة، وعبر هذه الدولة يمكن لإسرائيل أن تنفذ وتتغلغل إلى قلب النظام الإقليمي العربي للتحكم في مساراته وتوجهاته.

ولتطبع علاقاتها مع كل إن لم يكن معظم الدول العربية ومنها إلى العالم الإسلامي. وبذلك تكتسب الشرعية الإقليمية ليس فقط كدولة ولكن كدولة متحكمة ورائدة في قلب هذا النظام الذي قد تقوده إلى النظام الشرق أوسطى الكبير، وبذلك قد تحقق إسرائيل في المدى البعيد رؤيتها للسلام الإمبراطوري، وخطورة هذا أنه قد يأتي عبر تحالفات جديدة مع دول الجوار الجغرافي.

إذن خيار الدولة الفلسطينية قد يحقق لإسرائيل مكاسب كبيرة ، وفى الوقت ذاته هى لن تخسر شيئا ملموسا، لأن هذه الدول ستقام في المناطق السكانية وداخل حدود أقل بكثير من عشرين في المائة من مساحة فلسطين أي بخسارة حوالي خمسة وعشرين من المساحة التي خصصت لقيام الدولة الفلسطينية حسب قرار 181 الشهير للأمم المتحدة والتي بموجبه قامت إسرائيل كدولة. وتذهب هذه الرؤية أبعد من ذلك فإسرائيل تدرك أن هذه الدولة قد تكون غير قادرة على البقاء والاستمرار إلا من خلال احتضان كيانات سياسية أكبر لها، مثل مصر والأردن وحتى إسرائيل اقتصاديا، وبالتالي تكون إسرائيل قد حققت خيار نعم ولا.

خيار لا للدولة الفلسطينية..

الخيار الثاني وهو ليس لإسرائيل مصلحة مباشرة في قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتكاملة كبقية الدول الأخرى. وهذا الخيار لا يتعارض مع الخيار الأول كما قد يبدو للوهلة الأولى. فخيار اللادولة هو الخيار الإستراتيجي لإسرائيل وهذا ما عبرت عنه تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية نيتنياهو ووزير خارجيته من إصرار على يهودية الدولة العبرية، لأن قيام دولة فلسطينية حقيقة سيشكل عائقا أما قيام إسرائيل بدور الدولة القوية والقائدة والمتحكمة في محيطها الإقليمي. وستشكل عائقا أمام امتداد إسرائيل الإقليمي، وليس من مصلحتها قيام دولة لا تضمن أن تقيم علاقات تحالف متعارضة وعدائية لها، ومن يضمن أن تشكل هذه الدولة نموذجا لدولة وحكم إسلامي وخصوصا مع تنامي التيارات الإسلامية المتشددة، داخلها؟!

وليس من مصلحة إسرائيل في الاتجاه المقابل قيام دولة بنظام ديمقراطي متقدم، لأن من شأن ذلك أن يدحض مقولة أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة الديمقراطية وسط عالم من التخلف والاستبداد السياسي. ومن شأن ذلك أن يسقط عن هذه الدولة مقولات الإرهاب والعنف التي تلصق بالشعب الفلسطيني. وأن يحول إسرائيل على دولة صغيرة يمكن استيعابها في المحيط العربي والإسلامي الخارجي بل وداخل إسرائيل لو أخذنا في الاعتبار تنامي السكان الفلسطينيين. مما قد ينعكس على هوية إسرائيل كدولة، ومهما توفرت لديها عناصر القوة التي لن تجدي نفعا مع العنصر البشرى إلا في حالة واحدة وهي إبادته بالكامل. لهذه الأسباب والمعطيات ليس من مصلحة إسرائيل قيام دولة فلسطينية بالمعنى السياسي والقانوني والسيادي للدول.

خيار نعم ولا..

وهذا هو الخيار الحتمي أمام إسرائيل وهو أنه لا بد من قيام دولة فلسطينية، فلم يعد بمقدور إسرائيل أن تحول دون قيام هذه الدولة لأنها أصبحت حقيقة بشرية وحقيقة دولية وباتت تشكل مصلحة قومية حتى للولايات المتحدة كما جاء على لسان المبعوث الأمريكي للسلام جورج ميتشل.

ولذلك تحاول إسرائيل أن تسبق قيام هذه الدولة وتفرض واقعا على الأرض يحول دون تكامل هذه الدولة أو تحولها إلى دولة قوية قابله للنماء، وما تضعه من شروط على قيام هذه الدولة كنزعها من السلاح، وعدم السماح لها أن تدخل في تحالفات دولية معادية أو معارضة لمصالح إسرائيل. ويبقى أن نتساءل أخيرا إذا كان قيام الدولة يشكل مصلحة مشتركه لجميع الأطراف المعنية بالسلام. فماذا عن مصلحة الفلسطينيين هل لهم مصلحة في قيام دولتهم؟ يبقى هذا السؤال مثارا للجدل. وهو ما سنحاول أن نجيب عليه في مقالة قادمة.

عن شبكة أمين

http://www.miftah.org