|
خطة أمريكية جديده للسلام وماذا بعد؟!
الموقع الأصلي:
يدور الحديث مجددا مع كل إدارة أمريكية جديدة عن خطة سلام جديدة تنهي الصراع العربي الإسرائيلي، وهذه المرة تبدو هناك جدية في بلورة رؤية أو خطة جديدة وإن لم تتضح من معالمها إلا تكبير حجم الجائزة التي ستحصل عليها إسرائيل بإعتراف سبع وخمسين دولة إسلامية.
ومع ذلك لا يبدو في الأفق أن خيارات السلام ممكنة بشكل كبير في عهد الرئيس أوباما رغم جديته ومصداقيته، وعلى الرغم من مؤشرات التغيير الإيجابي التى أبدتها إدارته منذ الأيام الأولى لها على خلاف الإدارات السابقة التي كانت تخصص إهتمامها بملف السلام في الشهور الأخيرة من إدارتها، وخصوصا إدارة الرئيس بوش التي أوصلت عملية السلام لآفاق مسدودة، رغم توافر فرص نجاح أكبر وتحديات ومعيقات أقل مقارنة بالتحديات والأولويات الكثيرة على أجندة الرئيس أوباما. ومع ذلك أبدت الإدارة الجديدة مبادرات وخطوات أكثر جدية وصدقية، ومن هذه المؤشرات إهتمامها بملف السلام منذ الشهور الأولى لحكمها، وتعيين منسق جديد للسلام، جورج ميتشل، وهو سياسي أمريكي صاحب خبرة في شؤون المنطقة ولعب دورا هاما في نزاع إيرلندا الشمالية، وتأكيدات الرئيس أوباما نفسه على جدية حل الدولتين، وإتصالاته الشخصية المبكرة بحكام المنطقة، وزيارته للمنطقة وخصوصا زيارته لتركيا وخطابه أمام برلمانها والذي أكد فيه على حل الدولتين وتكرر ذلك مرتين، وتأكيده على إحترام الإسلام ودور المسلمين في الحضارة الإنسانية، وزيارته المرتقبه لمصر أوائل الشهر القادم وهي زيارة قد تحمل دلالات سياسية هامه في التأكيد على دور مصر وخصوصا في عملية السلام، وردا على الحوار الأمريكي الإيراني المتوقع و الذي قد يأتي على حساب هذا الدور. ومؤشرات الإنفتاح على سورية والتوقف عن مصطلح الحرب العالمية على الإرهاب، والتأكيد على أن قيام دولة فلسطينية يشكل مصلحة أمريكية. هذه المؤشرات الإيجابية لا تنفي حجم التحديات والمعوقات التي قد تعترض جدية الرئيس الأمريكي، وبعض هذه التحديات خاص بالسياسة الأمريكية الداخلية ذاتها، فما زال الوقت مبكرا للحكم على فعالية وقدرة الرئيس على ترجمة أقواله إلى سياسات فاعلة ومؤثرة وخصوصا على إسرائيل، وثانيا حجم الملفات وتعددها التي تواجه هذه الإدارة وخصوصا الأزمة المالية التي تهدد مستقبل النظام ألرأسمالي برمته.. وأضيف إليها إنفلونزا الخنازير، إلى جانب المسائل الإقتصادية الداخلية والوعود التي وعد بها الناخب الأمريكي، وثالثا الرئيس الأمريكي ورغم أنه يشكل محور ومركز صنع القرار وله من الصلاحيات والسلطات ما يجعل منه قوة سياسية فاعلة ومؤثرة، لكنه يعمل في إطار نظام سياسي تحكمه سلطة المؤسسات مثل الكونغرس بمجلسيه ونظام الكوابح والجوامح الذي يحكم آلية صنع القرار إلى جانب تأثير قوى الضغط وأبرزها اللوبي الصهيوني. وهناك تحديات على مستوى طرفي الصراع الفلسطيني والإسرائيلي، إسرائيل تحكمها حكومة يمينية متشددة ترفض حتى الآن حل الدولتين، ومستمرة في عملية الإستيطان وتهويد القدس، وتتحدث عن سلام إقتصادي وتعطي أولوية للبعد الأمني الذي من شأنه أن تجب كل إستحقاقات السلام من جانب إسرائيل ـ وفي المقابل الوضع الفلسطيني في أسوا حالاته، حالة من الإنقسام السياسي والتنازع على الشرعية الفلسطينية، ورفض من قبل "حماس" للخيار التفاوضي.. وهذا من شأنه أن يضعف من قدرة المفاوض الفلسطيني. وعلى الجانب العربي حالة من الإستقطاب العربية وإنقسام دوله ما بين دول إعتدال ودول ممانعة، مما قد ينعكس سلبا على فعالية المبادرة العربية وإمكانية التعامل معها دوليا. وهناك الملف النووي الإيراني بكل تعقيداته، وما يرتبط به من تغير في موازين القوى الذي تعارضه إسرائيل وتعطيه أولوية على غيره من الملفات بما فيها ملف السلام. وهناك الدور الأوروبي الضعيف وغير القابل للقيام بدور مستقل عن الدور الأمريكي. وإنشغال بقية دول العالم المعنية مثل روسيا والصين واليابان بقضاياها الداخلية. ولعل من أكثر التحديات والمعضلات التي تواجه الرئيس أوباما عدم توفر رؤية حقيقية للسلام، وعدم قدرتها على التحرر من منهج إدارة حل المشكلة لصالح منهج حل المشكلة الذي يحصر دورها في إطار الدور والرؤية الإسرائيلية.. والمعضلة هنا أنه في الوقت الذي تلعب فيه إسرائيل دور الدولة بالوكالة في الحرب نيابة عن الولايات المتحدة، تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دور الدولة بالوكالة في العملية السلمية بالنسبة لإسرائيل. وحتى في حال التوصل إلى هذه الرؤية أو الخطة الجديدة يبقى التساؤل إلى أي مدى يمكن أن تكون الخطة متوازنة وتكتسب المصداقية السياسية؟ وإلى أي مدى ستخاطب حتى الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية المشروعة، وقادرة على ترجمة الدولة الفلسطينية إلى واقع سياسي وجغرافي وإقتصادى حقيقي؟ وفي السياق ذاته إذا كانت الولايات المتحدة حريصة فعلا على الدفع بملف السلام إلى الأمام، فلا بد أن تدفع في إتجاه المصالحة العربية والفلسطينية على وجه الخصوص، وأن تتعامل بإيجابية مع أي حكومة وطنية فلسطنية تشارك فيها حركة "حماس" طالما أن هذه الحكومة تكون ملتزمة بالتفاوض، والإحتكام أخيرا إلى الإستفتاء الشعبي وعليه من الضرورى رفع الشروط المفروضة على مثل هذه حكومة إذا كانت الولايات المتحدة حريصة على تحقيق تسوية سياسية تعيد لها صدقيتها السياسية التي فقدتها بسبب سياستها المنحازة وغير المتوزنة. هذه التحديات تحتاج إلى جدية من الرئيس أوباما بصفة خاصة وإلى ممارسة دوره الحقيقي كرئيس له سلطة ونفوذ حقيقيين. ولا أريد أن اكون متشائما، فلا شك أننا امام نموذج جديد من الرؤساء الأمريكيين يعيدنا إلى نمط الرئيس الإيجابي، ولديه القدرة والرغبة والحرص على إستعادة الصدقية للسياسة الأمريكية، وبوابة هذه الصدقية واقصرها هو ملف السلام وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي والقيام بدور الراعي الفعلي والمتوازن لعملية السلام.. وحتى لا نغرق في التفاؤل، فالإدارة الأمريكية الجديدة لن تستطيع أن تقوم بهذا الدور لوحدها، وتحتاج وخصوصا من الجانب الفلسطيني الأكثر تضررا من ضياع هذه الفرصة أن يعيد بناء نظامه السياسي وينهي الإنقسام السياسي، حتى يكون قادرا على التعامل مع هذا الحراك السياسي الجديد. وأن نفوت الفرصة على إسرائيل بأن ننزع من يدها كل الذرائع رغم أنها لا تحتاج إلى ذرائع لكي تفشل أي مبادرة سياسية للسلام. على الفلسطينيين أن يلعبوا دورا رئيسا في هذه العملية وإلإ سيجدون أنفسهم خارج اللعبة السياسية كلها. عن شبكة أمين http://www.miftah.org |