|
ماذا لو لم يستجب نتانياهو لخطة أوباما؟
الموقع الأصلي:
ربّما لم يصل رئيس أميركي الى السلطة خلال العقود الستة الماضية إلا وراوده حلم إنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي، ليس فقط كي يرتاح من كلفته الباهظة بالنسبة للسياسة الأميركية في المنطقة، وإنما أيضا كي يحقق لنفسه مجداً شخصياً لربما يذكره به التاريخ ويعظّمه بين أسلافه.
ومنذ أن وطأت قدماه البيت الأبيض قبل أربعة شهور أبدى الرئيس باراك أوباما استعداداً جدياً للتعاطي مع هذا الصراع من منظور قد يبدو مختلفاً عما طرحه أسلافه، بخاصة في ما يتعلق بإعادة الاعتبار للصراع باعتباره حجر الزاوية في تشكيل تفاعلات المنطقة. الآن ثمة أحاديث وإشارات متواترة حول استعداد الرئيس أوباما لإطلاق خطة للسلام في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من عدم وجود معلومات مؤكدة حول طبيعة هذه الخطة ونطاقها الزمني والمكاني، إلا أن ثمة إشارات كثيرة حول شمولية هذه الخطة سواء لقضايا الصراع، أو لمساراته (الفلسطيني والسوري واللبناني). في حين يذهب البعض أبعد من ذلك الى القول برغبة الرئيس أوباما في إنهاء الصراع من خلال إنجاز مصالحة تاريخية ليس فقط بين العرب وإسرائيل، وإنما بينها وبين العالم الإسلامي. ولا تبدو تصريحات الملك الأردني عبدالله الثاني التي أدلى بها أخيرا لصحيفة «التايمز» البريطانية بعيدة عن ذلك. فقد أشار الملك عبدالله إلى أن الرئيس أوباما قد يعرض على إسرائيل سلاماً شاملاً مع نحو 57 دولة مسلمة من أجل تطبيع العلاقات معها مقابل عودة الحقوق العربية وفي مقدمها إقامة دولة فلسطينية مستقلة. المحك الرئيسي لهذه الخطة هو زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتانياهو للولايات المتحدة، والتي يراها البعض مصيرية في تحديد شكل وطبيعة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية خلال السنوات القليلة المقبلة. والسؤال هو: هل لدى الرئيس أوباما القدرة على إقناع نتانياهو بخطته للحل؟ الإجابة قد تتلخص في أمرين هما: مهارة أوباما في توجيه ضربة استباقية لنتانياهو عبر رفع سقف خطته بحيث يصبح تحقيق حدها الأدنى لاحقاً أمراً إيجابياً، وهنا لن يتم الحديث فقط عن وقف بناء المستوطنات في الضفة الغربية وإزالة الحواجز الأمنية تمهيداً لإقامة الدولة الفلسطينية، وإنما أيضا طرح قضايا اللاجئين والقدس والجولان ضمن أية خطة للحل. وثانيهما، مهارة أوباما في استخدام الورقة النووية في التفاوض مع إسرائيل، سواء في ما يخص إيران من خلال ربط الضغط عليها (الحوار أو الانفتاح عليها) بتليين الموقف الإسرائيلي في ما يخص عملية السلام، أو في ما يخص السلاح النووي الإسرائيلي ذاته، والذي بات، ولأول مرة في تاريخ العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، أمراً مطروحاً للنقاش، وذلك عبر مبدأ إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل الذي لمّح إليه أوباما قبل أسابيع قليلة. وحقيقة الأمر أن الرئيس أوباما يمتلك من الأوراق ما قد يجعله قادراً على اللعب مع إسرائيل ومناورتها بشكل فعّال لتحقيق خطته للسلام، لعل أولها رأس المال المعنوي الذي يتمتع به أوباما ليس فقط داخل بلاده وإنما في المنطقة أيضا.ثانياً أن الرئيس أوباما يتمتع بدعم الكونغرس الأميركي الذي يحوز فيه حزبه الأغلبية ما قد يجعله قادراً على إصدار قرارات جريئة تخص العلاقة مع إسرائيل، وهي فرصة نادراً ما تتكرر. وأخيراً فإن الرئيس أوباما قادر على إقناع المجتمع الدولي وقواه المؤثرة من أجل الدفع باتجاه خطة متماسكة للسلام، وذلك إذا نجح في تسويقها، وهو ما قد يمثل ضغطاً معنوياً قوياً على إسرائيل. ويبقى السؤال: ماذا لو لم يستجب نتانياهو لخطة أوباما؟ هنا يجب البحث في الحدود الدنيا لأي عملية تفاوضية، فغالب الظن أن أية خطة سلام سيطرحها أوباما، إن لم تحقق الأمل المرجو منها لانهاء الصراع، فإنها لن تخلو من فائدتين أساسيتين أولاهما، أنها سوف تعيد الولايات المتحدة إلى قلب الصراع كوسيط، وليس كشريك متماه مع إسرائيل على غرار ما فعله بوش طيلة حكمه. وثانيهما، أنها ستعيد الصراع نفسه إلى قلب التفاعلات فى المنطقة، وذلك بعدما جرفته تداعيات الحرب على غزة، وتشويش العامل الإيراني على مكانته المركزية. في حين قد تبدو الفائدة الأعظم لمثل هذه الخطة في وقف «ثوران» اليمين الإسرائيلي ومواجهة أفكاره العبثية بخصوص التعاطي مع القضية الفلسطينية. ذلك أن ثمة منحى يمينياً متصاعداً يحاول تصفية القضية الفلسطينية وفق الرؤية الإسرائيلية، وهو ما تجسده تصريحات مسؤولين في حكومة نتانياهو، فتارة يتحدثون عن «السلام الاقتصادي»، وتارة أخرى يطرح البعض فكرة «الخيار القبرصي»، أي إقامة مجرد «كيان» ذاتي للفلسطينيين وليس دولة مستقلة كاملة السيادة، وتارة ثالثة يتحدث البعض عن «الخيار العراقي» أي إقامة دولة فلسطينية ولكن تحت إشراف أميركي مباشر. قطعاً من حق البعض أن يشكك في جدوى أية خطة سلام أميركية قد لا تفترض مسبقاً التزام الجانب الإسرائيلي بها، بيد أن الثابت في أسلوب أوباما، على الأقل حتى الآن، أنه يطبّق البراغماتية الأميركية بحذافيرها، وهو لا يشعر بالحرج من الانتقال بسياساته من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من أجل تحقيق هدفه البعيد. لذا فإن أوباما قد لا يحتاج لأيد سحرية أو تحركات ماكرة كي يروّج خطته للسلام، وإنما فقط البراعة في استخدام حصيلته من أوراق اللعب. وهنا قد يلجأ أوباما لخلط هذه الأوراق جميعاً في إطار ما قد يُسمّى بـ «ديبلوماسية المقايضات» وتوظيفها على أكثر من جبهة وفي الوقت ذاته. فمن جهة قد يسعى أوباما إلى مقايضة إسرائيل بـ «الملف الإيراني»، وذلك من أجل تحريك الملف الفلسطيني. وهي مقايضة قد تبدو ناجعة إذا نجح أوباما في «تقليم أظافر» طهران وإنهاء طموحها النووي، أو على الأقل تحويله سلمياً. ومن جهة ثانية، قد يسعى أوباما للمقايضة مع إيران من خلال الاعتراف بوضعها الإقليمي بالإضافة إلى إنهاء القطيعة التاريخية بين واشنطن وطهران، وذلك مقابل تخلي هذه الأخيرة عن الملف الفلسطيني. ومن جهة أخيرة قد يلجأ أوباما لمقايضة سورية من خلال فك ارتباطها بالملفين الإيراني والفلسطيني مقابل إنهاء عزلتها ودمجها فى ديناميكيات المنطقة. عن صحيفة الحياة اللندنية http://www.miftah.org |