مبادرة عربية جديدة أم محسّنة؟
بقلم: جميل مطر
2009/6/15

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10568

«أوباما له ما يريد». كانت هذه العبارة أول ما خطر على ذهني عندما فاجأني خبر صادر عن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ينبئ عن قرب انعقاد اجتماع استثنائي لوزراء الخارجية العرب، وأن الوزراء سيناقشون خطاب الرئيس أوباما. الخطاب يستحق المناقشة، لا شك في هذا، ولا شك أيضاً أن واجب كل وزير خارجية في دولة إسلامية وعربية قراءة الخطاب مرات وليس مرة واحدة وتحليله واستخلاص ما يستحق الاستخلاص.

ولكنّني أشك في أن قراءة خطب الزعماء الأجانب ورسائلهم تقليد في ديبلوماسية المؤتمرات استقر أو صار قاعدة وأسلوباً في الديبلوماسية المعاصرة.

وأعلم يقيناً أن الخطاب الذي ألقاه السيد باراك أوباما في مؤتمر قمة دول الأميركتين في ترينيداد توباغو لم يجتمع من أجل قراءته ومناقشته وزراء خارجية أربع وثلاثين دولة أو ما يزيد.

وأعلم أيضاً أن وزراء خارجية حلف الأطلسي لم يجتمعوا في مؤتمر استثنائي لقراءة ومناقشة خطاب أوباما الذي ألقاه في مؤتمر قمة دول الحلف. وفي الحالتين، كما في حالتنا، تعمّدت الصحافة الأميركية الإشارة إلى أن خطاب قمة الأميركتين كان في الحقيقة رسالة من أوباما إلى شعوب أميركا اللاتينية يعترف فيها ببعض أخطاء السياسة الخارجية الأميركية ويطلب تعاطف هذه الشعوب مع الولايات المتحدة التي تنوي انتهاج سياسة خارجية مختلفة عن تلك التي انتهجتها إدارة الرئيس بوش.

وتعمدت أيضاً الإشارة إلى أن خطاب قمة الأطلسي كان في الأصل رسالة إلى أوروبا، غربها وشرقها، طالباً مساندة أكبر في المجهود الحربي في أفغانستان والمجهود الديبلوماسي مع إيران. وفي الحالتين، وليس كما في حالتنا، لم تنعقد دورة استثنائية لمجلس وزراء منظمة الدول الأميركية أو لمجلس وزراء حلف الأطلسي لمناقشة الخطابين - الرسالتين وإعداد ردّين مناسبين عليهما.

أفهم أن يتقرر اعتبار خطاب أو رسالة ما من زعيم دولة نزل ضيفاً على مؤتمر وثيقة من الوثائق تكريماً للضيف أو توثيقاً للمناسبة، أما أن تنعقد دورة استثنائية لمجلس وزراء الخارجية العرب لقراءة خطاب رئيس دولة ليست عضواً في الجامعة ومناقشته، فهذا بلا شك، ليس حدثاً عادياً في العمل السياسي الدولي، ويجب أن نعتبره تطوراً سياسياً جديراً بالاهتمام وأن ننظر إليه بشيء من الحرص ونتعامل مع نتائجه بكثير من الحذر وندقق فيها لنفهم مغزاها وعواقبها.

تشير معلومات يجري تداولها في أوساط إعلامية وديبلوماسية في القاهرة وعمّان إلى أن مسؤولين كباراً في الحكومة الأميركية وديبلوماسيين أوروبيين أبلغوا قيادات سياسية عربية أن «واشنطن - أوباما» تطلب تعديلات جوهرية في «منهج الديبلوماسية العربية» وتغييراً في «أشكال» التعامل مع قضية فلسطين خصوصاً والصراع العربي - الإسرائيلي عموماً. أبلغوهم أيضاً أن واشنطن - بعد رحلة أوباما تستحق أن تتلقى رداً إيجابياً وعملياً من العرب مجتمعين يسبق مساعيه لاستخلاص قرار من حكومة بنيامين نتانياهو بوقف بناء مستوطنات جديدة.

بمعنى آخر تطلب واشنطن تنازلاً مسبقاً من جانب العرب يصدر في إعلان جماعي شديد الوضوح، يقول لإسرائيل وللرأي العام الأميركي، وأهم من هذا وذاك، يقول للرأي العام العربي إن الحكومات العربية مستعدة للسماح بنوع أو بدرجة من استخدام الأجواء العربية وتسهيلات جوية أخرى للطيران المدني الإسرائيلي، ومستعدة لتبادل تجاري أوسع مع الشركات الإسرائيلية، ومستعدة لمعاقبة الإعلاميين والناشطين من المواطنين العرب الذين «يخاصمون» إسرائيل.

يسود اعتقاد في بعض هذه الأوساط بأن السيد بيرنز مساعد السيدة هيلاري كلينتون قضى في القاهرة وقتاً إضافياً حتى يطمئن إلى أن قرارات مهمة ستصدر وإجراءات سيجري اتخاذها للاستعداد لصياغة ردّ عربي جماعي على جزء من خطاب أوباما وردّ فيه النص الخاص بوقف الاستيطان.

يعرف جهابذة العمل الديبلوماسي العربي أن التقاليد في الديبلوماسية العربية تجعل الوصول إلى رأي عربي جماعي وليس فقط صياغة ردّ عربي جماعي أمراً بالغ الصعوبة. جرت محاولات كثيرة على امتداد العقود الستة الماضية لصياغة موقف أو ردّ جماعي وفشل غالبها. حاول حكام عرب بصفتهم الشخصية وفشلوا.

ويعرف كل من مارس الديبلوماسية العربية أو اقترب منها عن تقليد آخر في العمل السياسي العربي يقضي بأن لا تجتمع الدول العربية إذا شعرت أن المطلوب من اجتماعها تمرير قرار أو رأي موحد فيه قدر من الحسم أو الحزم. حدثت استثناءات ظلت إلى يومنا هذا نادرة. يعرف البعض من تجاربه أنه ما أن يقترح أحد أو جهة ما فكرة عقد اجتماع عربي لاتخاذ قرار أو صنع مبادرة بهدف إدخال تغيير مهم، وليس بالضرورة جوهرياً، على سياسة قائمة، إلا وتدخلت دول ليست قليلة العدد لطلب تأجيل الاجتماع أو إلغائه. وإذا لم يوجد مفر من انعقاده، سيحضر هذا العدد ولكن بنية إحباط الاجتماع وإثارة شغب يجعل تمرير التغيير أمراً شاقاً للغاية.

الأمثلة متعددة، أقربها إلى الذهن وليس أقربها في الزمن، ما حدث عندما طرحت الحكومة السعودية ما عرف وقتها بمبادرة ولي العهد السعودي آنذاك الأمير فهد بن عبدالعزيز على جدول أعمال القمة العربية التي عقدت في مدينة فاس المغربية في العام 1981. إذ قاومت دول قليلة العدد طرح الموضوع وتأجلت القمة بسبب المناورات التي قامت بها وفود الدول التي اعترضت على المبادرة، وبعضها لم يفصح عن أسباب اعتراضه رغم استماتته في بذل جهود لعدم عرضها أو مناقشتها. وفي العام التالي اجتمعت القمة، وهي القمة التي اشتهرت باسم القمة العربية المستأنفة، سميت هكذا لأن المملكتين المغربية والسعودية رفضتا الاعتراف بفشل القمة السابقة التي عقدت قبل عام.

اخترت قمة فاس المستأنفة مثالاً لأن ظروفها تشبه إلى حد لا بأس به الظروف المحيطة بالاجتماع الذي دعا إلى انعقاده عمرو موسى بعد غد في مقر الأمانة العامة للجامعة. نذكر أنه في أعقاب فشل قمة فاس الأولى التي كان منوطاً بها تمرير الصياغة الأولى لمبادرة الأمير فهد أعلنت واشنطن أنها بصدد صياغة مبادرة «أميركية» لتسوية الصراع العربي - الإسرائيلي.

وساد دوائر الفكر السياسي في العالم العربي الاقتناع بأن أميركا أرادت بهذا الإعلان تشجيع الدول العربية «المعتدلة» على قيادة الجامعة العربية نحو هدف تأكيد نية الدول العربية تحقيق السلام في الشرق الأوسط بعد أن كان الشك قد تمكن من عواصم الغرب في هذه النية في أعقاب الموقف الذي اتخذته قمة بغداد رداً على توقيع اتفاقية الصلح المصرية الإسرائيلية. كان المطلوب أميركياً في ذلك الوقت أن لا «تبرد» جهود الرئيس السادات ونتائجها فتفقد عملية الصلح مع إسرائيل قوة الدفع التي فجّرها الرئيس المصري.

حدثت تطورات أخرى لا تقل أهمية عن مبادرة حكومة الجمهوريين، في مقدمها غزو إسرائيل لبنان في صيف 1982، ولمن لا يذكر تفاصيل الغزو يجب أن يعرف أن ردّ الفعل العربي للغزو كان سيئاً إلى الحد الذي جعل الدول العربية المعترضة على تأكيد نيّات الصلح العربية تجاه إسرئيل تبدو ضعيفة الحجة. وقع الغزو الإسرائيلي على لبنان وأعلنت واشنطن عن مبادرتها وعلى الفور حصلت «مبادرة المملكة العربية السعودية» على موافقة الدول العربية في القمة المستأنفة في خريف العام 1982.

الآن مطروح علينا سيناريو لا يختلف كثيراً عما حدث في بدايات عقد الثمانينات. لدينا مبادرة عربية منذ سبعة أعوام سعت الدول العربية لإقناع أميركا بقبولها والاعتراف بأنها مساهمة ثمينة من جانب العرب مجتمعين في مسيرة السلام. لم تقبلها إسرائيل، ولذلك لم تقتنع أميركا بها أو على الأقل لم تعلن اقتناعها، رغم أنه كان يمكن لها أن تقدم اقتناعها كنية طيبة على استعدادها أن تكون وسيطاً أميناً بين طرفي الصراع. لم تفعل. وكسبت كراهية أشد من جانب الشعوب العربية والإسلامية بينما رحبت بها حكومات الدول العربية.

كانت إسرائيل وأميركا، وبمساندة الاتحاد الأوروبي التابع غير الفاعل، جازمتين في أن المبادرة بصياغتها الأولى غير كافية للبناء فوقها، بينما اقتنعت الدول العربية أن هذه المبادرة تمثل الحد الأدنى الذي لا يتجاسر نظام حكم عربي على النزول تحته، وكلفت الأمين العام للجامعة العربية بالعمل على «تثبيت» هذا الاقتناع في أوساط الإعلام والرأي العام العربي والعالمي وعواصم العالم الغربي. ولا جدال في أن الأمين العام نجح في نقل هذه النية العربية على أفضل وجه وبدقة متناهية ولكن أيضا برتوش «شعبوية» وبقي يردّد في كل مناسبة أن العرب لن يدخلوا تغييراً على مبادرتهم ولن يوافقوا على تبني أي درجة من درجات التطبيع مع العدو الإسرائيلي قبل أن ينفذ الشروط التي حددتها المبادرة.

وكما وقعت غزوة لبنان في 1982، وقعت غزوة لبنان في صيف 2006 ودمار كبير، ووقعت غزوة غزة أواخر 2008وأوائل 2009 ومذابح وحشية كثيرة. وانقسم العرب مرة أخرى، وكان الصوت الأعلى المتردد في تأييد مقاومة تلك الغزوات هو صوت قوى الاعتدال فلعلّها شعرت بأن هذه الغزوات ستمثل في النهاية عنصر ضغط عليها لإدخال تغيير على المبادرة.

وستؤدي إلى إحراج كل دول الاعتدال أمام الرأي العام العربي. وخلال غزوة غزة جاء إلى الحكم في أميركا شخص كان لقدومه وقع في السياسة الدولية كوقع انفجار البركان. ولم تمض شهور قليلة إلا وكان الرئيس الأميركي الجديد في القاهرة محمولاً على انفعالات وعواطف وخيالات كبطل الأسطورة، تتغنى باسمه شعوب المنطقة وفي صدارتها مثقفوها ومفكروها والمسؤولون عن آلاتها الإعلامية، وتحاكى الناس بسيرتي حياة باراك اوباما وحياة زوجته ميشيل أوباما.

جاء وتكلّم ورحل مخلّفاً وراءه الانطباع لدى عرب كثيرين أنه صار لهم زعيم جديد وأن هذا الزعيم الجديد لديه أفكار محددة عن مستقبل فلسطين أرضاً وشعباً، وأنه عازم على وضع هذه الأفكار موضع التنفيذ. ولكن لكي يضع هذه الأفكار موضع التنفيذ ينتظر من الحكومات العربية مساعدته عن طريق اصدار اعلان تفهمه إسرائيل كتنازل عربي جديد، وتفهمه الشعوب العربية عربوناً لإعجابها بالرجل الأسمر الذي نصّب نفسه أو نصّبته أجهزة الإعلام زعيماً جديداً للأمة العربية - الإسلامية.

عن صحيفة الحياة اللندنية

http://www.miftah.org