الانتخابات الفلسطينية .. بين السياسة و «القداسة»
بقلم: عريب الرنتاوي
2009/9/15

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10839

نصت الورقة المصرية للمصالحة الفلسطينية على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية المتزامنة في النصف الأول من عام 2010 ، وهو ما رفضته فتح وبعض الفصائل والأوساط في السلطة والمنظمة ، باعتباره خرقا للنظام الأساسي ـ الدستور الفلسطيني ، معتبرة أن موعد الخامس والعشرين من كانون الثاني ـ يناير المقبل ، هو "موعد مقدس" لإجراء هذه الانتخابات ولا تراجع عنه.

والحقيقة أن من يصر على إجراء الانتخابات في "الموعد المقدس" لا يريد حوارا ولا مصالحة وطنيين ، ذلك أن الوقت الذي يفصلنا عن هذه الاستحقاق ، بالكاد يكفي للشروع في تنفيذ اتفاق المصالحة وبناء بعض المداميك في جدار الثقة المنهارة بين الجانبين ، هذا إذا افترضنا أن الاتفاق سيوقع في موعده المقرر بعد العيد ، وهو أمر لم يثبت بعد.

والغريب أن الذين يتحدثون عن "قداسة المواعيد" وبكل هذا الحماس الظاهر ، لم يظهروا غيرة مشابهة على مواعيد واستحقاقات "مقدسة" أخرى ، سبق وأن انتهكت بفظاظة ، تارة على أيديهم وأخرى على يد الاحتلال الإسرائيلي ، فاية ازداوجية في "معايير القداسة" تلك التي تميّز أحاديث وتصريحات الأخوة والأعزاء في "بعض" فتح والسلطة والمنظمة.

أول انتخابات فلسطينية جرت في ظل السلطة ، كانت في العام 1996 ، ومنذ ذلك التاريخ ، لم يتقيد أحد بـ"موعد مقدس" للانتخابات ، فجرت الانتخابات الرئاسية في 2005 بعد رحيل الزعيم ياسر عرفات ، والانتخابات التشريعية بعدها بعام كامل في 2006 ، أي بعد عشر سنوات من الانتخابات التي سبقتها ، من دون أن يستحضر أحد "القداسة" عند الحديث عن المواعيد المضروبة والمهدورة لإجراء الانتخابات.

أما حكاية التقيد بالدستور ، فتلكم "ذريعة أقبح من ذنب" ، فكم من القرارات التي اتخذت والمؤسسات التي تشكلت شكلت بحد ذاتها ، ضربة موجعة للدستور والقانون والنظام ، هل التمديد للرئيس عباس إجراء دستوري ، وهل نص الدستور الفلسطيني على أن تمضي حكومات تصريف الأعمال ثلاث سنوات في الحكم ، وهل أجاز الدستور للحكومة أن تتطاول على صلاحية المنظمة والرئاسة وتعلن خطة "بناء الدولة في عامين" ، وهل يجيز الدستور تعطيل المجلس التشريعي ومنع أعضائه من مزاولة مهامهم أو حتى الوصول إلى مكاتبهم ، إلى غير ما هنالك من تعديات على الدستور والقانون والنظام.

دعونا نتحدث بلغة السياسة بعيدا القداسة ، وعن النوايا والاهداف المستترة خلف "الغيرة المفاجئة على الدستور" ، فالدعوة لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في موعدها المحدد بعد عدة أشهر ، يراد بها أخذ حماس على حين غرة ، وهي في أضعف حالاتها في الضفة والقطاع ، لتقرير نتائج الانتخابات مقدما وسلفا ، ويراد لهذا الاستحقاق أن يسبق المصالحة ورفع الحصار وتبادل الأسرى وفتح المعابر والشروع في إعادة الإعمار ، فالانتخابات إن سبقت جميع هذه الاستحقاقات ، ستكون نتائجها محسومة سلفا ، أما أن جاءت بعدها وتتويجا ، فليس من المؤكد أن تكون النتائج في صالح فتح تماما ، وإن كان من المؤكد أن حماس لن تعاون الحصول على "غالبيتها المطلقة" في المجلس.

والدعوة لتأجيل الانتخابات من طرف الأخوة في حماس ، يراد بها تحسين شروط مشاركة في حماس وفرص فوزها في الانتخابات عند إجرائها ، حيث ينعقد رهان الحركة على أن تحل بعضا من الملفات العالقة التي أشرنا إليها ، قبل دعوة الناخبين الفلسطينيين للتوجه إلى صناديق الاقتراع على أمل أن تكون فرص الحركة وحظوظها أفضل قليلا مما هي عليه الآن ، أو فيما إذا جرت الانتخابات في موعدها المقرر من جانب واحد في الخامس والعشرين من كانون الثاني ـ يناير المقبل ، وكلما كانت فترة التأجيل أطول ، كلما كان ذلك أفضل من وجهة نظر حماس التي سبق لها وأن جنحت للأخذ بفكرة التمديد للمجلس والرئاسة لعامين اثنين إبان مارثون حوارات القاهرة.

إذن ، نحن أمام صراع سياسي يتغطى بلبوس القداسة و"الثقافة الدستورية الحقوقية" ، نحن أمام تنافس فصائلي يستحضر كل ما في الجعبة من أدوات وأوراق من أجل تحقيق أغراضه في تعظيم مصلحة هذا الفصيل وإضعاف الآخر أو استئصاله إن أمكن.

http://www.miftah.org