غول الاستيطان يبتلع القضية الفلسطينية
بقلم: بشير عبدالفتاح
2009/9/24

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10856

بنجاحه في امتصاص حماس إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لاحياء عملية السلام في الشرق الأوسط توخيا لإقامة الدولة الفلسطينية‏,‏ ثم مباغتته برد قاس يجهض مشاريعه ويلغم الطريق أمام خطته المرتقبة في هذا المضمار‏,‏ يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قد قطع شوطا واسعا في تنفيذ مخططه الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر اختزالها في جدل عقيم ومنهك للعرب والعجم حول ملف الاستيطان بعد تجميد ما سواه من قضايا الوضع النهائي‏.‏

ففي خطابه بجامعة بار إيلان في حزيران الماضي وبعد أيام من خطاب أوباما الذي ألقاه بجامعة القاهرة وطرح فيه تصوره المبدئي لمستقبل السلام في المنطقة‏,‏ أعلن نتانياهو استعداده للموافقة على إقامة دولة فلسطينية حدد معالمها في مجرد كانتونات سكنية منفصلة تربطها طرقات يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي على أن تبقى منزوعة السلاح وبغير سيادة على حدودها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية كما لا تتمتع حكومتها بحق إبرام المعاهدات العسكرية مع الدول الأخرى‏,‏ وذلك بعد حصول تل أبيب على ضمانات تفي بشروطها‏.‏

حملت الشروط الإسرائيلية المجحفة تطورا مثيرا بعد إذ جعلت من الاستيطان بيت القصيد وغولا يبتلع القضية الفلسطينية‏,‏ فلقد أبى نتانياهو إلا أن يمضي قدما في مواصلة البناء بالضفة الغربية والقدس‏,‏ وتمكن من تمييع شرط الرئيس الأمريكي لإعادة إطلاق المفاوضات والمتمثل في الوقف التام والفوري للبناء‏,‏ بتحويله إلى وقف وهمي يتزيا برداء جزئي مؤقت ومرتهن بشروط ثلاثة‏:‏ أصر في أولها على إتمام المشروع الذي يتضمن إقامة‏2500‏ وحدة سكنية جديدة وتطوير البنى التحتية بمستوطنات الضفة الغربية والذي كانت الحكومة الإسرائيلية قد خصصت له قروضا بقيمة‏250‏ مليون دولار في مشروع موازنتها لعامي‏2009‏ و‏2010‏ وطالب في ثانيها بإخراج القدس من تفاهمات تعليق الاستيطان بما يتيح له مواصلة البناء في أحيائها الاستيطانية‏,‏ أما ثالثها‏:‏ فتجلى في السماح له ببناء مئات إضافية من الوحدات السكنية في المستوطنات قبل التوصل إلى اتفاق مع الأمريكيين على تعليق البناء‏.‏ وهو الشرط الذي لم ينتظر نتانياهو الرد عليه إذ شرع بتنفيذه في تحد سافر لواشنطن وللمجتمع الدولي‏,‏ حينما طرح على حكومته خطة لبناء‏600‏ وحدة سكنية في المستوطنات الجديدة بالضفة الغربية‏,‏ سارع وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك في اليوم التالي بإصدار تصريح ببناء نحو‏455‏ وحدة سكنية منها على الفور‏,‏ مدعيا أن ذلك يتم بالتنسيق مع واشنطن‏.‏

كذلك عمد نتانياهو إلى التحايل لمواصلة الاستيطان بأشكال متعددة من خلال تسريع وتيرته قبل الاضطرار إلى الالتزام بتجميده مؤقتا وجزئيا في إطار خطة أوباما المرتقبة‏,‏ التي ستقضي بتعليق البناء في مستوطنات الضفة الغربية لتسعة أشهر لقاء قيام دول عربية مثل قطر وسلطنة عمان وتونس والمغرب باتخاذ خطوات على طريق التطبيع مع الدولة العبرية‏، حيث استعاض عن ذلك التجميد الجزئي والمؤقت بالتوسع في إصدار التصاريح لبناء أكبر عدد ممكن من المستوطنات قبيل الإعلان عن خطة أوباما‏..‏

ورغم أن نسبة التكاثر الطبيعي لليهود في إسرائيل لا تتعدى‏1,6%‏ إلا أن حكومتها تستخدمها كمبرر لمصادرة الأراضي الفلسطينية وتوسيع المستوطنات بذريعة ما يسمى النمو الطبيعي لسكانها بينما هي تسعى» لتوفير مساكن للمهاجرين الجدد حتى وصلت مساحة البناء الاستيطاني إلى‏142‏ مليون م‏2‏ وكلها محاولات ترمي إلى إحداث تغييرات ديمجرافية تحول عمليا دون قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة كما تكرس لبقاء القدس عاصمة موحدة لإسرائيل‏.‏

وهكذا تتحول المعادلة الراسخة للتسوية من الأرض مقابل السلام إلى السلام مقابل الوقف المؤقت والجزئي للاستيطان ففي وقت بدت يد أوباما مغلولة عن إلزام إسرائيل بأي أسس موضوعية لاستئناف العملية التفاوضية فيما يذعن العرب للضغوط ولا يتورعون عن تقديم المزيد من المكافآت المجانية لإسرائيل عبر القبول بإجراءات تطبيعية لقاء وقف وهمي للاستيطان‏,‏ جاءت مساعي نتانياهو في هذا الصدد متناغمة ومتلاقية مع محاولات وزير خارجيته اليميني المتطرف ليبرمان لطمس القضية ووأد الحقوق الفلسطينية والعمل على إدارة الصراع بدلا من تسويته ثم تأهيلهم للعيش من دون حل شامل لذلك الصراع مثلما هو الحال في صراعات عديدة حول العالم‏,‏ اضطرت أطرافها إلى التعايش في ظلها بعد أن أضناها البحث عن سلام هم أبعد ما يكونون عن إدراكه‏.‏

صحيفة الاهرام المصرية

http://www.miftah.org