مصالحة ثقافية أم مصالحة سياسية
بقلم: عماد عبد الحميد الفالوجي
2009/10/22

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10947

المصالحة الوطنية مصطلح فضفاض يحمل في طياته الكثير من المعاني التي يجب أن تعكس في ذاتها كسلوك وهذا السلوك يجب أن يسلكه عقل وفهم وهذا لايتأتى إلا بالنجاح في إيجاد ثقافة تحدد وتحكم هذا السلوك , ولا شك أن هناك حالة من الانهيار الثقافي العام التي تسود مجتمعنا الفلسطيني بشكل خاص – وإن كان الانهيار الثقافي ظاهرة عامة أصابت حتى المجتمعات العربية والاسلامية وأضحى الجميع يعترف بوجود أزمة ثقافية لازالت تعزز وتكرس ذاتها وبالتالي نشأ عن هذه الأزمة ازمة سلوك, مما أدى إلى حالة من الاشتباك السياسي وكانت النتيجة متوقعة في ظل هذه الفوضى من انعدام الوزن الفكري والثقافي أن يحدث الانقسام نتيجة لذلك , لأن الانهيار الثقافي نتيجة طبيعية ومرتبط بالانهيار السياسي , والانهيار الثقافي يزيد من حدة الانهيار السياسي , ولايمكن معالجة الحالة الثقافية المتأزمة في ظل حالة من الفشل العام والفوضى الفكرية اللامنهجية الضاربة جذورها في المجتمع.

ومن هنا وضمن الحديث عن المصالحة الوطنية بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني الرئيسية , فهل نبدأ بالمصالحة الثقافية أم بالمصالحة السياسية , وحتى نحاول بشكل دقيق الإجابة لابد من البحت في أصل الأزمة وجذورها وأبعادها , ولابد بداية من الاقرار في بعض الثوابت الأساسية ومنها : أن الخلاف الحاصل بين الفصائل الفلسطينية نابع من طبيعة ثقافة هذه الفصائل وخلفياتها ووجهاتها الفكرية , ومن هنا لابد من التأكيد أن أصل الخلاف في كينونة الفصائل هو خلاف ثقافي , وهذا الخلاف ينبغي أن يكون إيجابي وعامل فكري أساسي في تطور الفكر الفلسطيني , وهذا الخلاف يجب أن يقود إلى حوار عميق يقود إلى نهضة ثقافية وفكرية وليس إلى عداء .

والقضية الأخرى أن كافة الفصائل الفلسطينية تأسست في خدمة القضية الفلسطينية والعمل على تحقيق حقوق وأهداف شعبنا وإن اتلفت الوسائل والرؤى فلابد من احترام هذا الفعل النظامي الفلسطيني على مدار العقود من الزمن وهذا الفعل بمجموعه وضع القضية الفلسطينية على سلم اهتمامات المجتمع الدولي ونقلها إلى مستوى قضية أرض وشعب له حقوق سياية وليس مجرد قضية انسانية.

والقضية الثالثة حق كل فصيل في اثبات قدرته والسعي لنيل ثقة الشعب والوصول إلى كرسي القيادة عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في القانون الأساسي الذي يعتبر بمثابه الدستور الذي نحتكم إليه في كافة القضايا الخلافية .

ولكن عندما يحدث خلل في تلك الثوابت ونيلها , تبرز ثقافة شاذة وهي ثقافة التعصب الأعمى للفصيل حتى لو كان على خطأ ظاهر للعيان وينحدر هذا الفكر لمستوى عدم القدرة على تحمل الفكر الآخر المخالف وتبدأ سلسلة الاتهامات والتشكيك وانعدام الثقة وتتطوع إلى درجة الاقتتال والانقسام الحاد وعدم القدرة على التعايش مع الفكر المخالف ومن هنا نعتقد بأن المصالحة الحقيقية لابد أن تبدأ أولا بالاصلاح الثقافي , وهذه مهمة المثقفين والمفكرين الذين عليهم أن يتحركوا بالسرعة القصوى ولا يتركوا الساحة للقادة السياسيين أو العسكريين ليقودوا المجتمع , لأننا لللأسف الشديد أمام قيادة سياسية أو عسكرية في أغلب الأحيان غير مثقفة بالثقافة العامة التي نقصدها , ولكنهم قد يمتلكون ثقافة محدودة ناقصة ونقصد هنا الثقافة الحزبية الضيقة وما أخطرها على المجتمع.

وثانياً : الاصلاح السياسي هو نتيجة طبيعية لمدى نجاح المثقفين في ايجاد حراك ثقافي عام داخل المجتمع يكون قادة وكوادر الفصائل والشخصيات الفاعلة في المجتمع جزءاً منه.

لأن العمل السياسي في حقيقته هو نتاج وعي وحوار داخل المجتمع , فإذا تتطور الوعي المجتمعي وقادنا إلى حوار شامل في كافة المسائل سيؤدي ذلك بالتأكيد إلى ايجاد خطة شاملة في كافة مناحي الحياة التعليمية والاعلامية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية, وسينشط المجنمع المدني ومنظمات حقوق الانسان , وسنكون أقرب إلى تعزيز دولة القانون , والقضاء على الفوضى وتحقيق النظام والعدل في كافة مناحي الحياة , وهذا سيقودنا بالضرورة إلى تحقيق مجتمع متماسك قوي قادر على جعل خلافاته مصدر قوة وليس ضعفاً ويسير نحو تحقيق أهدافه بخطوات ثابتة وواثقة من النصر والتمكين

http://www.miftah.org