|
الصراع على الدستورية والشرعية..!!
الموقع الأصلي:
بدلاً من أن تتضافر الجهود والامكانات الفسطينية المحدودة لمواجهة انهاء الاحتلال كهدف أعلى، وبدلا من أن يركز الخطاب السياسي والاعلامي الفلسطيني لكشف الوجه الحقيقي للاحتلال، وما تقوم به اسرائيل من تهويد للقدس التي تشهد تصادمات ودفاعا من أهلها لحمايتها، وكشف سياسات الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري، ورفض اسرائيل للسلام، وبدلا من تركيز الجهد على تقرير جولدستون الذى أقمنا الدنيا وأقعدناها على تأجيله، وكدنا ان نفقد انفسنا وقضيتنا، وبدلا من التفكير الهادئ المتزن والواقعي بعيدا عن المهاترات السياسية التي نعيش أحلك فصولها لإعادة بناء النظام والمنظومة الفلسطينية كلها على أسس ثابتة من الشراكة السياسية والتوافق الوطني، والتأسيس لمؤسسات أكثر ديمومة وبقاء من الأشخاص، للننهي ظاهرة الشخصانية التي ترسخت في سياستنا، بدلا من كل ذلك يدخل الفلسطينيون في حلبة جديدة من الصراع والتنازع حول الشرعية الدستورية والسياسية وذلك في أعقاب اصدار الرئيس محمود عباس المرسوم الرئاسي باجراء الإنتخابات الرئاسية والتشريعية في موعدها الدستوري وهو الخامس والعشرين من يناير القادم..
وهنا دخلت الحالة السياسية الفلسطينية في ترديد نفس التهم حول شرعية ابومازن، وحقه في اصدار المرسوم، وبات الكل يدعي التمسك بالشرعية الدستورية نفسها التي تهدف الانتخابات القادمة الى تأكيدها وتجديدها، والكل في حاجة الى تجديد شرعيته. وهنا وبعيدا عن لغة الاتهامات وبعيدا عن الجدل السياسي العقيم فلآ بد من التسليم بعدد من الحقائق: أولها وبعيدا عن أن أبو مازن شرعي أوغير شرعي وهذه مسألة قد حسمت من بعد الخامس من يناير الماضي، أنه هو الوحيد الذي من حقه دستوريا اصدار هذا المرسوم، ثانيا أنه بحلول الخامس والعشرين من يناير القادم كل المؤسسات السياسية الفلسطينية، رئاسة أم حكومة أم سلطة تشريعية، ستفقد شرعيتها السياسية وسيدخل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة من الفراغ الشرعي واللآدستوري بخلاف الحالة الحاضرة التي تتسم بالتنازع على الشرعية، ثالثا المرسوم من منظور دستوري بحت هو تأكيد على الالتزام بمبدأ سمو الدستور، ولا خلاف أعتقد على احترام الدستور من قبل الجميع، لأنه لا أحد يمكنه أن يرفض الشرعية الدستورية التي يحتمي بها الآن، وفي هذا السياق والمعنى لا خلاف على اصدار المرسوم الرئاسي باجراء الانتخابات بعيدا عن شرعي أو غير شرعي أو دستوري أو غير دستوري. رابعا هل يمكن اجراء الانتخابات في ظل الانقسام؟ نعم يمكن ذلك، لكن يبقى السؤال المهم هل ستحقق الانتخابات أهدافها ووظيفتها؟ الملاحظة الخامسة والتي ينبغي التركيز عليها، وهي أن الانتخابات تجري في ظل بيئة سياسية مستقرة هادئة توافقية توفر أسباب النجاح للانتخابات، والأمر الآخر المتعلق بالانتخابات أن الانتخابات ليست هي الديمقراطية، انما هي وسيلة واجراء لتأكيد الممارسة الديمقراطية ووسيلة لحل الخلافات وحسمها بطريقة سلمية بالاحتكام للارادة الشعبية التي تمنح الشرعية لمن يحكم.. والسؤال ثانية هل ستحقق الانتخابات الفلسطينية القادمة هذه الوظيفة؟ أم أنها قد تعمق من الانقسام؟ والخطورة ليست في ذلك، الخطورة وفي حال نجاح الانتخابات واجرائها في الضفة الغربية مع تمثيل محدود لغزة عبر وسائل متنوعة ومتعدة من المشاركة في التصويت، فهذا لا يعني أن الخلافات الفلسطينية قد تنتهي بل على العكس سندخل في خيارات وسيناريوهات كارثية في التعامل الفلسطيني، ما بين جزء سيتمسك بالشرعية وجزء آخر لم يعد يملك هذه الشرعية، ومن شأن هذه التجزئة والخلاف ان تؤدي الى ضياع حقيقي للقضية الفلسطينية وعندها قد نرى أكثر من سلطة وحكومة ومنظمة تحرير، بل أن الشعب نفسه قد يضطر لحمل أكثر من هوية.. هذا السيناريو وعلى الرغم من الاستحقاق الدستوري للانتخابات سيكون ثمنه السياسي عاليا، والكل سيدفع هذا الثمن، وقد يدفع أبناء الشعب الفلسطيني في غزة الثمن بمفردهم. وماذا لو لم تنجح الانتخابات في حال تنظيمها لأكثر من سبب؟ وما الحل؟! الحل واضح أن أصدار هذا المرسوم يمكن احتوائه بسهولة بالاتفاق على ورقة المصالحة الفلسطينية واجراء الانتخابات فىي موعدها الجديد، وهنا نكون قد حققنا أكثر من هدف: الأول الاحترام للدستور، وثانيا تحقيق المصالحة، وثالثا اجراء انتخابات حقيقة قد تمهد للتغيير الذي ينشده الجميع. فالذي يحسم مسألة الشرعية وغير الشرعية هي الانتخابات، ولذلك أعتقد أننا نعمق من هوة الخلافات بالتمسك بان الرئيس شرعي أوغير شرعي، والسؤال هنا كيف يكون لنا رئيس شرعي؟ المهم في الموضوع أننا نريد هذه الشرعية وتأكيدها وتعميقها حتى تشكل اطارا للحركة السياسية في المستقبل. أما أن نبقى ندور في نفس الدائرة من التصادم والتنازع حول الشرعية فهذا سيقود الى هاوية لن ينقذنا منها أحد، والمقاربة والتفاضل بين السيناريوهات المختلفة والمحتملة لما قد يترتب على الاستمرار في تنفيذ المرسوم الرئاسي دون مصالحة، هنا كل الخيارات على صعيد كل طرف ستكون خيارات كارثية وسيئة، ونتيجتها النهائية هي الخسارة حتى على مستوى القوتين المتنازعتين "حماس" و"فتح"، ولذلك من حقنا التساؤل عن طبيعة هذه الخيارات والتداعيات التى يمكن أن تترتب عليها، وهو ما يحتاج منا ألى مقالة خاصة. أما ما ينبغي التأكيد عليه أن خيار المصالحة واجراء الانتخابات واحترام الدستورية هو الخيار الأمثل والأكثر قبولا، وهو الخيار الذي يشكل مخرجا وحفظا لماء الوجه للجميع، لكن هذا الخيار وحتى نضمن له الديمومة والاستمرارية يحتاج الى أسس توافقية يتم الالتزام بها يقوم عليها النظام السياسي من منطلق أن النظام السياسي هو في النهاية ملك للشعب الفلسطيني، وليس ملكا لتنظيم أو حزب واحد.. وفي هذا السياق فإن التوقيع على اتفاق المصالحة أو الورقة الفلسطينية المصرية هو الخطوة الأولى في عملية البناء والتغيير. نعم نحن في حاجة الى التغيير، وإلى إصلاح المنظومة السياسية الفلسطينية بكل مكوناتها، وعناصرها وحتى أشخاصها، وهذا يتم من خلال الانتخابات والمصالحة، ومن هنا المخرج الوحيد والحتمي هو خيار المصالحة، وليس القول أنا والطوفان ومن معي، والكل يغرق في هذه السفينة الفلسطينية، والسبب فقط هو التعنت السياسي وعدم قراءة النتائج بطريقة صحيحة.. إن الحل لا يتم بخطاب حماسي أو انفعالي هنا أو هناك، ولا بتوجيه التهم أو حتى التشكيك في شرعية أو دستورية الكل في حاجة ماسة لها لتجديد شرعيته وتأكيدها، ولعل المسألة المهمة في هذه المرحلة ليس القول هذا شرعي وهذا غير شرعي، بقدر الحاجة الى اعادة البناء السياسي او اعادة صياغة الشرعية السياسية الواحدة والموحدة وتفويت كل الفرص على كل من يريد الانقسام وتصفية القضية الفلسطينية، وتصفيتها فى أطر اقليمية ودولية.. وتبقى كلمة واحدة وسط هذا الضباب السياسي، وهوأن لا "حماس" ولا "فتح" تستطيع بناء النموذج الخاص بها منفردة وبعيدا عن الخيار الفلسطيني الذي أساسه المصالحة والتوافق والبحث عن ذاتنا ومصلحتنا الوطنية وليس البحث عن مصالح الآخرين. * استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com http://www.miftah.org |