|
إن كان لا بد من الاعتذار
الموقع الأصلي:
الاعتذار ليست من خصالنا على امتداد الوطن العربي من البحر للبحر ومن الحاجز للحاجز، وان كنا نميل احيانا للاعتراف اننا اخطأنا، ولكننا لا نعتذر، فالاعتذار احساس مليء بالمذلة والهوان وقص الشنب والنظر ابعد من انوفنا وهو ما يزغلل عيوننا ولا نعد نقوى على الوقوف لنتهالك في مطارحنا كالجثة المنتهية الصلاحية. لا نقول ابدا اسف، ولا يكون لدينا ابدا النوايا تحت اي ظرف للتقدم بالاعتذار عن اي مما فعلناه.
فنحن لن نعتذر ابدا لوطن مذبوح ومهشم تملؤه العذابات من جميع الاصناف والالوان الرمادية، لن نتعذر لتركنا له وحيدا بلا شكل او طعم او هوية، شتتنا اراضيه واضعنا مياهه ولوثنا هواءه واسقطنا حصونة وسلمنا ابطاله وقتلنا انبياءه، لن نعتذر له عن هجرتنا وتشردنا، لن نعتذر له عن احساسة بالغربة عنا. لن نعتذر له لاننا لم نف بوعدنا بان يكون له علم وحدود وشعب ونشيد وطني ووحدة اللغة والتاريخ، وانه سيزهو بنفسه امام اوطان اخرى كبروه بسنين وانه سيكون الفتي اليانع، لن نعتذر له لاننا شطرناه الى نصفين وشطرنا النصفين الى الاف الانصاف ولم نعد نعلم كيف لنا ان نعيد تركيب الاحجية لوحدنا. لن نعتذر ابدا لاطفالنا لاننا افقدناهم طفولتهم مبكرا، اطعمناهم للنيران تحت مسميات هشة لم يفهموا معناها بعد، لن نعتذر لهم لاننا قتلنا منهم ما يكفي لاقامة الف وطن والف مصالحة والف مؤتمر والاف الالاف من بطاقات المعايدة للمناسبات الوطنية التي تحولت لاجازة اكثر منها انتماء. لن نعتذر لهم لاننا شوهنا مستقبلهم وادخلناهم في ظلام حالك لغد لا ندري كيف ستكون معالمه، فنحن لم نصن لهم حاضرهم ولم نصن لهم ماضيهم ولم نصن لهم ذاتهم فكيف لنا ان نضمن لهم مستقبلهم. لن تعتذر لامهاتنا الطيبات الحالمات برؤيتنا يوما سعداء، نحن لقهوتها وزعترها وخبزها ولم نحن لغفوة مقاتل على صدرها لنجهش ببكاء المهزوم ونعتذر عما فعلنا، لن نعتذر لهم لاننا حولناهم لقصيدة فاغنية فدبكة، حولناهم لصور موشحة بالسواد على جدراننا المنهارة من حولنا وفي ذاتنا، طيبتها... حنوها... عيناها البارقتين في حواسنا... دعائها المبكر في صبحات ايامنا المتعاقبة ونحن نكبر.. ياسمينة باب البيت وشجرة اليمون التي احبت، سهرها في مرضنا تمسح عن جبيننا خفافيش الظلام تخبئنا بثنايا جسدها خوفا علينا من نسمة الهواء، لن نعتذر عنها لاننا نسينا ما نسينا وقلنا اننا كبرنا. لن نعتذر لشعرائنا لاننا غنينا كلماتهم صياح ديكة بنشاز قاتل، ولا لادبائنا لاننا ابتعنا كلماتهم كتبا تأكلها الغبار على رفوف مكتباتنا في خلفية صورنا، ولن نعتذر ابدا لمفكرينا لاننا لم نحب يوما الاستماع لصوت اكثر من صياحنا الابله، ولان لسانا يسابق عقلنا بقول احرف ممزوجة بالعهر اليومي الذي احترفنا ابجديته قبل ان نعلم ان هناك ابجدية اخرى تسمى الحياة. تطول قائمة الاعتذار، ويطول بنا نهار اخر، ولكننا لا نعتذر ولن نعتذر عن كل ما فات وما سيكون. ولكنني ساعتذر عن شيء واحد لا غير، ساعتذر من نفسي ان نسيتها في اروقة الضياع وسمحت لها ان تجبرني عن الاعتذار انني ادرك ان هناك في الافق ما يستحق الحياة بدون اعتذار. http://www.miftah.org |