الإدارة الأمريكية.. واللعب في الوقت الضائع
بقلم: د. رياض الأسطل
2009/11/4

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10993

تأتي التحركات الأمريكية الأخيرة في الشرق الأوسط ( ثنائي ميتشل كلينتون )، في إطار السعي الأمريكي الدائب لترتيب الأوراق الأمريكية في المنطقة تمهيداً لتنفيذ خطة أو إستراتيجية ما تبيتها الإدارة الأمريكية للمنطقة برمتها على وجه العموم، ولإيران وبعض الدول والقوى الأخرى على وجه الخصوص.

فالإدارة الأمريكية تسعى لضمان تأييد عربي لأي تحرك ضد إيران، وهي تسعى لدفع العرب للتطبيع مع إسرائيل مقابل ثمن بخس هو التجميد الجزئي للاستيطان. ومن هنا يمكن القول إن الإدارة الأمريكية الراهنة ـ شأنها شأن الإدارات السابقة ـ تتساوق في مجمل مواقفها مع شريكها بل حليفها الإستراتيجي (إسرائيل )في منطقة الشرق الأوسط، كما يمكن القول إن السياستين: الأمريكية والإسرائيلية تقومان على مبدأ إدارة الصراع وليس حله، وأنهما تعملان على إطالة أمد هذا الصراع وتهدئة الروع العربي، من خلال خداع العرب بسيرورة زائفة لمفاوضات مائعة ليس لها مرجعيات محددة، ولا تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، بل تدير ظهرها لتلك القرارات، وعلى نحو فاضح.

وفي هذا الإطار تأتي زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية الراهنة ـ ومبعوثها الخاص ميتشل ـ لمنطقة الشرق الأوسط. وهنا لا بد من التذكير بأن جورج ميتشل قام بثماني جولات مكوكية سابقة ـ تخللتها زيارة سابقة قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية نفسها، واجتماع قمة ثلاثي جمع أوباما ونتنياهو والرئيس عباس ـ من أجل جمع الطرفين: الفلسطيني والإسرائيلي على طاولة المفاوضات. وقد بات واضحاً أن كل هذه الجهود تسير في طريق مسدود. وأن الإدارة الأمريكية تلعب ـ مجرد لعب ـ في الوقت الضائع، وذلك لعدم التفات الإدارة الأمريكية إلى أبجديات الصراع بعين الإنصاف، ولعدم استعدادها لتحدي إرادة الطرف المعتدي، ولعدم أخذها بالأدوات اللازمة للقيام بمثل هذا العمل الكبير!.

فقد تكون نوايا إدارة أوباما في إدارة محادثات فلسطينية إسرائيلية جادة وصادقة، وتهدف إلى حل مشكلة الشرق الأوسط على أساس إقامة دولتين، وتفكيك بقية القضايا العالقة بين الطرفين!. وأنا أشك في ذلك وقد يكون ثنائي (كلينتون ـ ميتشل) جاداً، في مساعيه، وفنياً في إدارة جولاته المكوكية، وغير المكوكية. ولكن صدق النوايا والجد والمثابرة وحدهما لا يكفيان، في التعامل مع قضية بالغة التشابك والتعقيد مثل قضية فلسطين والشرق الأوسط. ومن هنا فقد بات من المؤكد أن الإدارة الأمريكية ـ قد وصلت أو على وشك أن تصل إلى طريق مسدود.

ومهما يكن من أمر فإن قناعتنا تزداد يوماً بعد يوم بأن السياسة الأمريكية تقوم على مجرد اللعب في الوقت الفلسطيني الضائع، وأنه قد خانها التوقيت، أكثر من مرة، وبخاصة في الجولة الأخيرة، وأنه قد فاتها، عشر حقائق سياسية رئيسة جعلت من هذه الجولة، ومما سبقها من جهود مجرد محاولات بائسة لتسويق الوهم وتمرير السياسة الإسرائيلية والتفاوض على أساسها، وهو ما لا يمكن أن يقبله العرب والفلسطينيون بأية حال من الأحوال.

والحقائق الغائبة أو المغيبة فسراً من الوجدان الأمريكي هي:

1.أن الإدارة الأمريكية قبلت بالمنطق الإسرائيلي الأعوج، وقنعت بالتقييد الجزئي للاستيطان ـ وعلى أمانة إسرائيل وعهدتها الخاصة ـ وفي الوقت الذي رفضت فيه إسرائيل ـ ولا زالت ترفض ـ وقف الاستيطان أو تجميده على نحو كلي، بل أصدرت عدة قرارات بتوسيع عدة مستوطنات، وببناء نحو 4000 آلاف وحدة استيطانية جديدة، وأصرت على مواصلة الاستيطان في القدس دون أية قيود.

2.أن جولة الخارجية الأمريكية ومحاولات جمع طرفي النزاع على مائدة المفاوضات قد تزامنت مع تصعيد الاعتداءات الإسرائيلية على القدس، ومنعها للمصلين من الوصول إلى الحرم القدسي، وحصارهم للمدينة وللمرابطين داخل الحرم، بل مع تزايد استهداف المتطرفين اليهود للمسجد الأقصى وللمصلين فيه، سواء بمحاولة اقتحام المسجد أو اقتسامه أو المساس بحياة المصلين فيه ومحاولة ارتكاب مجزرة جديدة ضدهم. ومن المؤلم أن كل هذا يتم على مرأى ومسمع الإدارة الأمريكية، دون أن يصدر منها أية ردة فعل لما يحدث من همجية وعدوان على منطقة من أقدس بقاع الأرض وأطهرها.

3. أن تحركات الإدارة الأمريكية تأتي في ظل رفضها لتقرير غولدستون، وفي ظل الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية حول هذا التقرير وما صاحبها من ملاسنات واتهامات وحروب إعلامية. وهو الأمر الذي وضع السلطة في موقف مرتبك، وقيد قدرتها على الحراك السياسي الناجز.

4.أن الحراك الأمريكي يتزامن مع انشغال الفلسطينيين بمحاولات دائبة لترتيب أوضاعهم الداخلية، والتحضير المحفوف بمخاطر جمة لانتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، في مطلع العام القادم.

وهو الأمر الذي يجعل اتخاذ أي قرار سياسي كبير أمراً بالغ الصعوبة ومحفوف بمحاذير لا يجرؤ أحد على إغماض العين عنها، ما لم يكن ذلك القرار في صالح الثوابت الفلسطينية وعلى نحو لا لبس فيه، وإلا فإن من يقدم على ذلك سيجد نفسه أمام منزلق خطير قد يهوي به إلى حضيض الانتخابات المحتملة، بل ربما إلى ما هو أسوأ من ذلك بكثير.

5.أن التحركات الأمريكية تأتي في ظل تصاعد وتيرة أزمة الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني. وهو أمر له انعكاساته على الوضع الفلسطيني العام، وعلى السلطة بوجه خاص التي توجب عليها أن تتلمس طريقها في ظل هذه الأزمة، أكثر مما تفكر في بضاعة (كلينتون ـ ميتشل) الهزيلة، والتي تحمل من التراجع الأمريكي وضعف الموقف أكثر مما تحمل من الرغبة في جمع الطرفين على أسس عادلة ومعقولة!.

ومن المؤلم أن جولة ميتشل قد جاءت دون أن تفكر الإدارة الأمريكية ـ ولو للحظة ـ في حجم الضغوط السياسية التي تمارسها بعض الفصائل الفلسطينية على السلطة الفلسطينية وتتهمها ـ جهاراً نهاراً ـ بالتفريط والتهاون والابتذال والقبول بالدنية في الثوابت الوطنية، بل الأدهى من ذلك أنها تصب الزيت على النار، وتطالب الفلسطينيين بتقديم تنازلات مجانية، وبالدخول في مفاوضات غير محددة الأهداف والمرجعيات.

6 أن الإدارة الأمريكية لم تقم بأية جهود دبلوماسية تعمل باتجاه دفع إسرائيل للعمل على تحسين الأوضاع الفلسطينية السيئة، سواءً في الضفة الغربية أم في غزة.

وفي الوقت الذي تكتفي فيه هيلاري كلينتون بدعوة إسرائيل ـ ومن المغرب وليس من تل أبيب ـ إلى تقديم بعض التسهيلات للفلسطينيين، وبخاصة فيما يتعلق بالتنقل والحركة.. ثمن بخس في مقابل المطالبة بتنازلات فلسطينية مهولة.

7.أن الجولة الأمريكية قد جاءت بقرار أمريكي منفرد، وبناءً على أجندة أمريكية حددتها الخارجية الأمريكية لنفسها، دون أن تصارح الأطراف المعنية بها. ومما يزيد من خطورة هذه النقطة أن الخارجية الأمريكية قد جاءت دون أجندة محددة، ودون عروض جادة، يمكن أن تشكل اختراقاً للطريق المسدود، الذي وصلت إليه مساعي استئناف المفاوضات بسبب تعنت الجانب الإسرائيلي وإصراره على التشديد من شروطه والتقدم بمطالب جديدة تجعل التقدم نحو المفاوضات مستحيلاً. وذلك من قبيل المطالبة المسبقة بيهودية دولة إسرائيل، بكل ما يحمل ذلك من ظلال تثير عشرات الأسئلة والشكوك.

8.أن العلاقات الأمريكية الراهنة مع بعض القوى الإقليمية ليست في وضع يمكن أن يسهل مهمة الدبلوماسية الأمريكية. ومن هنا كان من المؤكد أن مواقف قوى الممانعة الإقليمية والمؤثرة على عدد من التنظيمات والقوى السياسية الفلسطينية سيستمر في رفض أية مفاوضات على أساس ثنائي، وفي رفض دعم الموقف الفلسطيني في حال القبول بالدخول في مفاوضات دون ضمانات كافية. بل قد لا نبالغ إذا قلنا أن هذه القوى على استعداد تام لأن تفتح حرباً إعلامية على السلطة ورموزها، ومنذ اللحظة الأولى، ودون تفكير مسبق، في حالة حدوث شيء من هذا القبيل.

9.أن العروض الأمريكية الخاصة بالمفاوضات تتحرك في فضاء مفتوح. فالمفاوضات المقترحة مرشحة للانعقاد دون شروط مسبقة، ودون مرجعيات محددة، ودون أهداف محددة. وبالتالي يمكن القول إن الإدارة الأمريكية لم تعط نفسها أية فرصة لإنجاح تحركاتها السياسية الراهنة؛ وأنها اعتمدت على مهارتها في الصيد، ولكنها لم تتذكر أنها تبيع سمكاً في بحر إسرائيل اللجي الذي جربه المفاوض الفلسطيني في عشرات الجولات التفاوضية دون أن يخرج منه بشيء سوى رائحة المياه الآسنة من السمك الإسرائيلي الفاسد.

10.أن الإدارة الأمريكية تمارس سياستها بناء على نظرية "اللعب على المكشوف". فهي تطالب الفلسطينيين بتحسين ملفهم على صعيد الضبط الأمني، وتطالب العرب بالتطبيع المبكر مع إسرائيل والقبول بممارسة الضغوط على الفلسطينيين للقبول بالجلوس على مائدة المفاوضات دون تجميد الاستيطان و بلا مرجعيات محددة. في الوقت الذي تعطي فيه إسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة الاستيطان بدعوى دعم الحاجات الأمنية، وتواصل استعداداتها معها لاتخاذ مواقف أكثر عدوانية وتشدداً تجاه المفاعل النووي الإيراني.

وبناءً على ما سبق، يمكننا أن نشير إلى عدد من الملاحظات الهامة، ومنها:

• أن كثرة التحركات الأمريكية غير المدروسة قد أصابتها عدوى تكرار التجارب الفاشلة، فقد أجرى الأمريكيون تسع جولات فاشلة، دون أن يقوموا بأدنى مراجعة جادة لأسباب هذا الفشل. وكل ما نخشاه أن تتعود الإدارة الأمريكية على إدمان الفشل، وأن تكون كل تحركاتها مجرد أداة لتمرير سنوات أوباما دون أن تقوم أمريكا بأي شيء لصالح تفكيك أزمة الشرق الأوسط.

• أن إسرائيل تعتبر المستفيد الأكبر من فشل التحركات؛ لأنها تكرس مع كل فشل قدرتها على الاحتفاظ بمواقفها وقدرتها على عدم تقديم أي من الاستحقاقات المطلوبة لاستئناف مفاوضات سلام جادة، وعلى النحو المطلوب. وقد برهنت المواقف الأخيرة أن أمريكا هي التي تبدل مواقفها وليس إسرائيل. وهنا ثمة مؤشر خطير وبالغ التأثير على مستقبل أية مفاوضات فلسطينية إسرائيلية لاحقة؛ لأن التفرد الإسرائيلي بالمفاوض الفلسطيني سيكون سيد الموقف، ولأن الضغط الأمريكي سيكون على الفلسطينيين وليس العكس . ومهما يكن من أمر فإن من المؤكد ـ والحالة هذه ـ ألا تمارس أو ألا تنجح الولايات المتحدة في ممارسة أية ضغوط لاحقة على الجانب الإسرائيلي المتعنت، والذي لا يبدي أية مرونة مبشرة، على طريق تفكيك الأزمة.

• أن على الإدارة الأمريكية ـ إذا أرادت النجاح لمساعيها ـ أن تراجع أجندتها، وتصحح رؤيتها لإدارة الصراع في الشرق الأوسط، وعلى أساس من الحزم ضد التعنت الإسرائيلي، من جهة، والالتفات إلى المطالب والحقوق الفلسطينية العادلة من جهة أخرى. فمن المؤكد أن الموقف الأمريكي أصبح موضع شك فلسطيني وعربي وعلى الإدارة الأمريكية أن تبحث عن سبل ووسائل وإستراتيجيات جديدة للعودة إلى المنطقة برؤية مقنعة ومحددة المعالم، وتسمح بالبدء في مفاوضات جادة للوصول إلى نهاية معلومة هي إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية بحدودها المعروفة.

•أن على الفلسطينيين أن يحسِّنوا مواقعهم التفاوضية بتوحيد صفوفهم وجمع كلمتهم، وإعادة بناء نظامهم السياسي عبر المدخل الديمقراطي النزيه، وفي أسرع وقت ممكن، مع الكف عن الاتهامات الباطلة بالتخوين والرجم بالتبعية وغير ذلك من الصبيانيات السياسية التي تضر ولا تنفع.

•أن على الجانب الفلسطيني أن يثبت على مواقفه العادلة ومطالبه الأساسية متمثلة في خمس نقاط رئيسة، هي: 1. رفض العودة للمفاوضات قبل وقف الاستيطان على نحو تام وبخاصة في مدينة القدس.

2. رفض الدخول في مفاوضات غير محددة المرجعية والهدف النهائي.

3. عدم القبول بالعودة للتفاوض دون شروط مسبقة ومن نقطة الصفر، بناءً على الرغبة الإسرائيلية المتطرفة التي يتبناها بنيامين نتنياهو.

4.عدم الاستعداد ـ وعلى نحو مطلق ـ بالتنازل عن الثواب الوطنية المتفق عليها فلسطينياً وعربياً.

5.الحرص على التحرك من خلال العمق العربي وبتنسيق ودعم كامل منه؛ لأن أية ولادة للمشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن أن تتم بطريقة سليمة إلا على يد القابلة العربية التي تشكل سنداً قومياً وأخلاقياً وسياسياً لكل المطالب الفلسطينية العادلة. وهنا ينبغي أن نحذر من اتجاه البعض للزهد في الرؤية العربية ومحاولة القفز عنها لصالح مشاريع قد تكون مثالية ورائعة ولكنها لا زالت في عالم الغيب، وتحتاج إلى سنوات طويلة، لأنها تستند ـ وباختصار ـ إلى إستراتيجيات صعبة التطبيق في الوقت الراهن. * أكاديمي فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - drriyadh@hotmail.com

http://www.miftah.org