|
قراءة موضوعية في قرار الرئيس
الموقع الأصلي:
حسم الرئيس محمود عباس الجدل الذي تناولته وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية حول قراره بشأن الترشح لرئاسة السلطة الفلسطينية لدورة ثانية فى الانتخابات القادمة وذلك عبر إعلانه الصريح يوم الخميس الماضي عبر خطاب مباشر لشعبه بأنه أبلغ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بقراره في عدم الترشح فى الانتخابات القادمة , وهذا الإعلان أثار ردود فعل متباينة فى أوساط الشعب الفلسطيني بين رافض ومؤيد لقرار الرئيس وبين من يعتبر ذلك مسرحية تستهدف دغدغة مشاعر الفلسطينيين , ولكن لابد من قراءة قرار الرئيس بشكل موضوعي بعيدا عن الانفعالات العاطفية بل يجب قراءة الأبعاد السياسية التي أرادها الرئيس من القرار .
بداية يجب التأكيد أن القرار ليس وليد لحظته وليس رد فعل متعجل لموقف ما تعرض له السيد الرئيس كما تحاول بعض وسائل الإعلام إشاعته , بل هذا القرار سمعه بعض المقربين من الرئيس منذ فترة ليست قصيرة حيث عبر عن تلك الرغبة من منطلق أن الرئيس ليس متمسكا بشده بالمنصب لذاته بل لتحقيق برنامج سياسي يؤمن به ولتجاوز مرحلة خطيرة بعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات , ولابد من التذكير كذلك باقتراح تقدم به الرئيس بعد انتخابه لبعض أعضاء المجلس التشريعي باستحداث منصب نائب الرئيس ولكن تم رفض الاقتراح فى حينه لأن البعض كان يعتقد أن الرئيس فى قرارة نفسه قد يترك الرئاسة لنائبه , وكل من عمل مع الرئيس يدرك أنه صادق مع نفسه ومنسجم تماما مع ذاته وهو يعني دائما ما يقول ولا يعرف لغة التكتيك أو لعبة المناورة ولهذا مواقف وأمثلة كثيرة لدرجة أن البعض يعتبرها من أهم سلبياته فى العمل السياسي العام. ومن هنا فإننا أمام نموذج خاص من الرؤساء فهو أيضا لا يحب الضجيج الإعلامي أو الفعاليات الشعبية الصاخبة وليس من أصحاب الشعارات الكبيرة الصارخة , ولا يحب الأوصاف والألقاب الخاصة مثل القائد والرمز وغير ذلك , ومن هنا يجب تحليل هذا الموقف بشكل موضوعي وعدم تحميل الموقف أكثر مما يحتمل. أولا : لقد اختار الرئيس التوقيت المناسب جدا لإعلان هذا الموقف , واعتباره صفعة قاسية للسياسة الأمريكية وأسلوب الغطرسة التي تعاملت به وزيرة الخارجية الأمريكية بعد لقائها مع الرئيس ومع القيادة الإسرائيلية ثم مع بعض وزراء الخارجية العرب , وكأنه يقول لهم بشكل عملي وليس مجرد استعراض لن تتمكنوا من تحقيق وعدكم للضغط على القيادة الفلسطينية وعليكم الانتظار طويلا. ثانيا : الرئيس لم يتخل عن دوره فى قيادة المشروع الوطني لأنه رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير , وسيبقى المرجع الأعلى للسلطة , وبالتالي ستبقى الأمور فى يده وتحت سيطرته , وهو القائد العام لحركة فتح – كبرى الفصائل الفلسطينية - . ثالثا : الرئيس تحدث أكثر من مرة حول قضية الفصل بين قيادة منظمة التحرير وقيادة السلطة الفلسطينية وعدم التداخل بينهما , وبالتالي إعادة الاعتبار لمؤسسات منظمة التحرير وإعادة دورها باعتبارها المرجعية العليا للسياسة الفلسطينية , ومن هنا يتجدد السؤال حول مستقبل السلطة الفلسطينية . رابعا : القرار رسالة واضحة وصريحة – بأسلوب غير مسبوق - للمجتمع الدولي أن النهج التفاوضي الذي يقوده الرئيس وصل إلى طريق مسدود بعد المواقف السلبية الاستفزازية التي أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية وتفهم بعض القادة العرب لها حول الاستيطان الإسرائيلي ومستقبل العملية السياسية , ومن هنا لابد من البحث بشكل عملي عن أسلوب تفاوضي جديد مع رئيس جديد للسلطة , فى حال تم منح فرصة لتحقيق ذلك . خامسا : وضع المجتمع الدولي بكافة هيئاته أمام مسئولياتهم مباشرة وبشكل جدي للتقدم بمبادرات جادة لإنقاذ عملية السلام بشكل ينسجم مع تطلعات الشعب الفلسطيني وإلزام الكيان الإسرائيلي بالاتفاقيات المعقودة وعندها فقط يمكن للرئيس أن يتراجع عن قراره إذا اقتنع أن ذلك سيحقق مصلحة فلسطينية عليا , وتحقيق السلام فى المنطقة وإلا ستدخل المنطقة فى نفق مظلم من الفوضى العامة . سادسا : رسالة قوية للوضع الداخلي الفلسطيني وأنه جاد فى إجراء الانتخابات فى موعدها , وأنه غير متمسك بالمنصب لذاته كما يعتقد البعض بل هو يتخلى عنه طواعية لكل من يعتقد أنه يملك القدرة لقيادة المشروع الوطني وتحقيق أهداف شعبنا , ورفض شخصنة الخلاف الداخلي الفلسطيني كما حدث فى الآونة الأخيرة من خلال التهجم على شخص الرئيس وليس سياسته . لذلك لابد من قراءة قرار الرئيس بموضوعية أكبر ويبقى السؤال : ماذا لو بقي الرئيس مصرا على موقفه وفشلت الجهود لإقناعه بالعدول عن قراره ؟ هل من السهل على حركة فتح التوافق على البديل كما تم التوافق على الرئيس محمود عباس بعد رحيل الرئيس الشهيد ياسر عرفات ؟ وهل القرار الخطوة العملية الأولى لحل السلطة الفلسطينية إذا فشلت الجهود المصرية فى تحقيق المصالحة الداخلية ؟ رئيس مركز آدم لحوار الحضارات www.imadfalouji.ps http://www.miftah.org |