الفلسطينيون وخيار التحرير
بقلم: الحسين الزاوي
2009/11/17

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=11033

لم ترتبط القضية الفلسطينية في تاريخها القريب والبعيد بشيء آخر أكثر مما ارتبطت بخيار التحرير الذي أفضى إلى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وتوحيد فصائل المقاومة والنضال الوطني الفلسطيني تحت لواء ومظلة مشتركة تعمل جاهدة على تجسيد تطلعات الشعب الفلسطيني من أجل تحقيق الاستقلال والحرية والسيادة الكاملة على أرضه وأجوائه ومياهه الإقليمية، والآن وبعد مرور سنوات من النضال الوطني السياسي والعسكري وانقضاء أكثر من عقد من الزمن على بداية مسلسل المفاوضات مع الكيان الصهيوني، ما زال خيار التحرير والتحرر يمثل العامل المشترك بين مختلف الفصائل الفلسطينية على اختلاف توجهاتها السياسية، لأن الاختلاف حول أسلوب ووسائل إنجاز مشروع التحرير لم ولن يؤدي إلى التخلي عن الحلم المشترك في تحرير الأرض وهو ما تعيه جيدا “إسرائيل” ومن ورائها مختلف القوى الغربية المساندة لأطروحاتها ومشاريعها الاستيطانية والتوسعية.

ونسمح لأنفسنا الزعم عطفاً على ما سبق، أن الخلافات الفلسطينية تعود في قسم كبير منها إلى الصراع الناجم عن محاولات السيطرة على الشارع الفلسطيني وتسيير مؤسسات السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاقيات أوسلو، كما يعود جانب منها إلى الاختلاف في التصورات المرتبطة بمشروع المجتمع ما بين القوى الوطنية من جهة والقوى الإسلامية من جهة أخرى، ويمكن أن نعزو إلى هذا العنصر الأخير مجمل الخلافات الموجودة بين الدول العربية بشأن القضية الفلسطينية وما انجر عنها من تباينات صارخة بشأن دعم كل دولة عربية لطرف من أطراف المعادلة الفلسطينية على حدة، حتى وإن لم تكن كل الدول العربية الداعمة لقوى المقاومة الإسلامية مؤمنة بالحلول السياسية التي ينادي بها أقطاب الإسلام السياسي. لكن التقارب الحاسم والمؤثر الذي حدث خلال السنوات القليلة الماضية ما بين التيارين القومي والإسلامي أدى إلى توفير دعم حاسم للمشروع الفلسطيني المؤمن بخيار المقاومة من أجل تجسيد أهداف التحرير الوطني الفلسطيني، من منطلق الإيمان الراسخ لدى قطاع واسع من النخب العربية والفلسطينية أن ما أخذ بالقوة لا يمكن أن يسترد إلا بالقوة، خاصة وأن الفرصة التي منحت لخيار المفاوضات لم تسهم إلا في تزايد الاستيطان وتفتيت الأراضي الفلسطينية والمساس بأسس الوحدة الوطنية الفلسطينية. وقد أدى ذلك التقارب إلى تخفيف حدة التعارض الذي كان موجوداً بين التيارين الوطني والإسلامي داخل النسيج السياسي الفلسطيني، نتيجة لقناعة كلا الطرفين أن حسم طبيعة مشروع المجتمع لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الاحتلال الصهيوني، لأن من شأن الصراع المرتبط بمشروع المجتمع أن يفضي إلى التضحية بخيار التحرير وفقدان حلم تأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة.

ولأن خيار التحرير يجب أن يظل الإطار المشترك الذي يجمع بين كل الفلسطينيين على اختلاف قناعاتهم وأطيافهم الإيديولوجية، فإن التطورات الأخيرة على مستوى المشهد السياسي الفلسطيني يجب أن تسهم في ميلاد مقاربة جديدة لاستراتيجية الصراع مع العدو الصهيوني، مقاربة يفترض أن تساعد على إيجاد فصل حاسم بين الجانبين السياسي والعسكري داخل منظمة التحرير الفلسطينية، لأن هيمنة أقطاب العمل السياسي على كل هياكل المنظمة أدى إلى تهميش كبير للكوادر العسكرية القادرة على إحداث نوع من التوازن مابين الخيارات السياسية والبدائل العسكرية الممكنة التي يجسدها مشروع المقاومة المسلحة. صحيح أن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قد آثر بشكل واضح، في مراحل معينة من مسيرته النضالية، أن يدعم المؤسسات المدنية والسياسية داخل منظمة التحرير على حساب التشكيلات العسكرية والقتالية، تخوفاً منه من تكرار التجارب السابقة التي حدثت على مستوى قوى التحرر الوطني في كثير من الدول العربية والإسلامية التي استحوذ فيها العسكريون على السلطة بعد الاستقلال، وهمشوا بشكل واضح الإطارات السياسية، لكن هذا التخوف لم يعد له ما يبرره في المرحلة الراهنة، لأن الإعلان عن تأسيس جيش التحرير الفلسطيني الموحد من شأنه أن يعطي دعماً قوياً لمشروع التحرر الفلسطيني، ومن شأنه كذلك أن يرفع الحرج عن السياسيين الذين سيكون بإمكانهم أن يتفرغوا للشأن السياسي وللمفاوضات بعد أن تكون النخب العسكرية قد حققت القسم الأكبر من أهدافها المتعلقة بالضغط على العدو من أجل الاقتناع الجدي بضرورة التوصل إلى حل حقيقي للصراع. فتبعية ما هو عسكري لما هو سياسي لا يمثل وضعاً صحياً إلا في سياق دولة مستقلة وذات مؤسسات مستقرة ومنتخبة مدعومة من قبل مجتمع مدني نافذ وقوي. لقد حان الوقت من أجل أن يعلن القادة العسكريون الفلسطينيون المؤمنون بضرورة الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني عن ميلاد جيش التحرير الفلسطيني بوصفه الأخ التوأم والشقيق للجناح السياسي للمنظمة، وهو الجيش الذي يجب أن يحمل على عاتقه مهام توفير أفضل الشروط الممكنة للقادة السياسيين من أجل تجسيد خيار التحرير وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة بعيداً عن كل الضغوطات الدولية والإقليمية، وذلك حتى ينتقل العمل الفلسطيني المشترك إلى مرحلة جديدة وحاسمة من الكفاح والنضال، وفق أسس تتجاوز الصراع السياسي العقيم بين مختلف الفصائل،مرحلة من شأنها أن تُوحّد كل الرؤى بصدد خيار التحرير والاستقلال.

الخليج الاماراتية

http://www.miftah.org