ماذا تبقى من المفاوضات؟!
بقلم: د.ناجي صادق شراب
2009/11/26

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=11066

هل وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود؟ أو بعبارة أخرى هل خيار المفاوضات لم يعد مجديا كأحد أهم الخيارات لتسوية صراع مركب ممتد وتتحكم فيه العديد من العوامل الخارجية إقليمية ودولية؟ أم أن المطلوب هو مراجعة تقويمية نقدية للمفاوضات والعمل على تغيير البيئة التفاوضية حتى تتوفر التوازنات المطلوبة لإنجاح المفاوضات في المستقبل؟

وهل نحن بحاجة إلى إنتهاج إستراتيجيات تفاوضية جديدة وقدرة على ما أسميه بالإبداع التفاوضي؟ وأين مسؤولية الأمم المتحدة المباشرة كونها هي المسؤولة عن قيام المشكلة الفلسطينية وكما أقامت دولة إسرائيل عليها أن تقيم أيضا الدولة الفلسطينية؟ وهل فشل الخيار التفاوضي يعني العودة إلى الخيار العسكرى وخيار المقاومة المسلحة؟

وهل الأطراف المعنية مستعدة للتعامل مع كل الخيارات البديلة؟ ولعل السؤال الأهم هل تدرك الولايات المتحدة تحديدا خطورة فشل المفاوضات؟ وماذا يعني العودة الى خيار الحرب المسلحة التي يمكن أن تطال ليس فقط المنطقة بل العديد من المناطق في العالم؟ وان ما تسميه الولايات المتحدة بالحرب على الإرهاب يمكن أن يصبح ظاهرة أقرب إلى العالمية..

قبل التطرق الى محاولة الإجابة على بعض من هذه التساؤلات يجب أن نؤكد على حقيقة لازمت إدارة الصراع العربي الإسرائيلي وهي أن الخيار العسكري لم يحسم الصراع هذا أولا، وثانيا أن أي حرب قادمة إقليمية لن يكتب لها النجاح دون مساهمة ومشاركة عربية بأي شكل؟ فإسرائيل على الرغم من تفوقها عسكريا قد فشلت في تحقيق الأمن والإستقرار والقبول العام لها في المنطقة العربية، وصحيح أنها قد نجحت في فرض أمر واقع على الأرض الفلسطينية، لكنها في الوقت ذاته فشلت في التخلص من الشعب الفلسطيني ولن تستطيع بسبب التحولات الكبيرة في العامل السكاني أن تتعامل مع هذا الشعب إلا من خلال الإعتراف بدولته وحقوقه المشروعة.. هذه الأسئلة وغيرها العديد هي ما نقصده بالحاجة إلى إعادة تقييم العملية التفاوضية.

وهنا لا بد من إبداء بعض الملاحظات: الملاحظة الأولى أن المفاضات تبقى خيارا لا يمكن الغاءه في تسوية النزاعات الدولية وخصوصا المركبة منها كالقضية الفلسطينية. وثاني الملاحظات أن مسيرة المفاوضات قد تمت في لحظة التحول في بنية النظام الدولي وإنهيار نظام القطبية الثنائية بإنهيار الإتحاد السوفيتي وهيمنة الولايات المتحدة على القرار الدولي، وحيث العلاقات الإستراتيجية بينها وبين إسرائيل فكان يفترض منذ البداية أن الولايات المتحدة لن تقوم بدور الوسيط المتوازن فى المفاوضات، بل أن الدور الأمريكي المنحاز لوجهة النظر الإسرائيلية يفسر لنا السبب الأساس في تعثر العملية التفاوضية، وفي الوقت ذاته غياب الدور الدولي القادر على تحقيق التوازن التفاوضي. وثالث الملاحظات بقاء الدور العربي في دور الفاقد للمبادرة والتأثير المباشر في الموقف الأمريكي، هذا إلى جانب تحول العلاقات العربية إلى شكل من أشكال سياسات المحاور والتحالفات المضادة والذي كان يدفع الثمن السياسي فيها هو القضية الفلسطينية. أما الملاحظة الرابعة وقد تشكل الأهم وهي حالة الإنقسام الفلسطيني والتي وصلت إلى مرحلة القتال والتنازع الداخلي بين أهم قوتين رئيستين: "فتح" والتي تتبنى النهج التفاوضي و"حماس" والتي تتبنى نهج المقاومة والتهدئة، فلا يمكن لصاحب قضية وطرف رئيس في الصراع ان يتفاوض وهو في أكثر حالاته ضعفا وإنقساما. وبالمقابل الملاحظة الخامسة وتتعلق بإسرائيل التي يحكمها إئتلاف حكومي يميني متشدد ومتطرف يؤكد عدم إستعداد إسرائيل لتقبل ليس فقط لفكرة التسوية بل وفكرة الدولة الفلسطينية، وهي حكومة إستيطان أكبر من كونها حكومة سلام ..

لقد بقيت هذه المعطيات مصاحبه للعملية التفاوضية دون تغيير مما أصابها بحالة من الضغف وعدم القدرة على البناء الذاتي والتراكمي للمفاوضات على مدار أكثر من ستة عشر عاما من المفاوضات الطويلة وغير المجدية.

هذا وعلى الرغم من أنه قد أتيحت حتى الآن فرصتان للدفع بالعملية السلمية التفاوضية الأولى: فرصة مؤتمر أنابوليس والتي شكل إنعقادها فرصة هامة للدفع بالعملية التفاوضية إلى خطوات هامة وذلك من منظور عدد الدول التي حضرت هذا المؤتمر، ومن منظور أن دولا عربية كالسعودية العربية وسوريا وماليزيا وغيرها من الدول العربية والإسلامية التي حضرت لأول مرة، وكذلك الدلالة السياسية الكبيرة لحضور الأمين العام للجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهذا يعني الرغبة الحقيقية في الوصول إلى صيغة للسلام تقوم على إنسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي تحتلها وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وعلى الرغم من ذلك فقد تبخرت كل الآمال على نجاحه، بل أن كل ما تم التوافق عليه قد ذهب أدراج الرياح بسبب إستمرار إسرائيل في سياسة الإستيطان ومصادرة الأرض الفلسطينية وممارسة سياسة الحصار، وبسبب الموقف الأمريكي للرئيس بوش الذي قد أخذ خطا منحازا لإسرائيل.. ولم تكن الادارة الأمريكية في عهده مستعدة لتحرير نفسها من سياسة الشعارات وإيهام العرب والفلسطينيين بأن حل الدولتين قادم.

ومما زاد الأمورتعقيدا حالة الإنقسام الفلسطيني ما بين غزة والضفة الغربية، هذا إلى جانب إنشغال وإنهماك الدول العربية في قضاياها الداخلية، وتزاحم الأجندة الأمريكية بقضايا غير القضية الفلسطينية كالعراق والملف النووي الإيراني، كل هذا جعل خيار أنابوليس مصيره الفشل كما في الخيارات السابقة، ولعل المشكلة الرئيسة أن المفاوضات التي تمت منذ أنابوليس تمت في ظل نفس السياقات السابقة دون تعديل أو تغيير أو تبدل في مواقف الأطراف التفاوضية، ولذلك كان حتما ان نصل إلى هذه النتيجة وتقزيم العملية التفاوضية في اوراق قليلة كإطار عام للتسوية تسعى إلى الوصول إليه الولايات المتحدة حتى يمكن البناء علية سياسيا في المستقبل.

والفرصة الثانية التي قد جددت الآمال بالدفع في المفاوضات وطريق التسوية تغير الإدارة الأمريكية ووصول الرئيس أوباما الذي إستهل إدارته ورئاسته مباشرة بخطابين سياسيين تاريخيين هامين في أنقرة والقاهرة أكد فيهما على حل الدولتين وعزمه على إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وتسوية القضية الفلسطينية، لكن مصداقية هذه الإدارة سقطت مع أول إختبار لها في علاقتها بإسرائيل وخصوصا في فيما يتعلق بوقف الإستيطان حتى يمكن أن يصبح حل الدولتين قابلا للتحقيق. وعلى الرغم من إهتمام الإدارة الأمريكية الجدي وتعيينها لممثل خاص لها في المنطقة والزيارات العديدة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية، لكن وكما يبدو وضعت هذا الإدارة نفسها في إطار اللوبي الصهيوني، ومع ذلك ما زال هناك ولو بصيص أمل صغير في أن تتحرك الإدارة الأمريكية في اتجاه التسوية السياسية. وهذه الفرصة إذا ما ضاعت فأعتقد أن المنطقة ذاهبة الى خيار الحرب الإقليمية الشاملة.

ويبقى إذا اريد للمفاوضات أن تحقق النتائج المطلوبة منها أن تعيد الولايات المتحدة تقييمها لكل المفاوضات وتجنب السلبيات السابقة، وعدم الإنقطاع في المراحل التفاوضية، بل لا بد من البناء على كل مرحلة تفاوضية، مع القدرة على فرض الإلتزامات التي يتطلبها نجاح المفاوضات وخصوصا من قبل الجانب الإسرائيلي. وفي الوقت ذاته لا بد من تفعيل دور القوى الدولية الأخرى كدول الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وغيرها من الدول.

والمهم على المستوى الفلسطيني الذي يحتاج إلى مراجعة كاملة، وأن وصول الفاوضات الى طريق مسدود لا يعني هزيمة لطرف لحساب الطرف الآخر، بل على العكس تبقى المفاضات أحد أهم الخيارات في يد المفاوض الفلسطينيين، لكن المطلوب توفير البيئة السياسية الداخلية الداعمة والمساندة، مع الإحتفاظ بحق المقاومة الداعمة للمفاوض الفلسطيني، وعليه إدراك أن بناء نظام ديمقراطي يشكل أحد الخيارات الهامة كخيار المقاومة وذلك بانهاء الإنقسام السياسي القائم، وبدلا من الذهاب في سياسة التفاوض الأحادي الذي لن يحقق أي من الأهداف الفلسطينية، وليدرك الفلسطينيون ان المفاوضات عملية كلية غير قابله للتجزئة، وأن هناك خيارات كثيرة يمكن تفعيلها، المهم توفر الإرادة الفلسطينية الصادقة. ولا يقل أهمية في هذا ضمان الدعم والتأييد الدولي للمفاوض الفلسطيني، وهناك خيار إحياء القرارات والمرجعيات الدولية، وتفعيل المبادرة العربية وتنشيطها وهذا يتطلب دورا عربيا فاعلا ومؤثرا دوليا.

وأخيرا علينا أن ندرك أن القضية الفلسطينية جزء من منظومة القوى الإقليمية والدولية وبقدر توظيف عناصر القوة لصالح الموقف الفلسطيني بقدر الوصول إلى مفاوضات ناجحة وملزمة على الجانب الإسرائيلي، فالمفاوضات في النهاية هي عملية توظيف ناجحة لعناصر القوة والتي لا نملك كل عناصرها.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com

http://www.miftah.org