أنيس.. الذي لا غُش فيه
بقلم: عدلي صادق
2009/12/29

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=11167

غيّب الموت أنيس صايغ، أحد بُناة وعينا الوطني والقومي. انطفأت شمعة هذا الألمعي الفلسطيني النبيل، ليتوارى عن عالم الوطن وعالم القلم ـ حسب وصفه للحياة الدنيا ـ وانطوت سيرة واحد من فرسان القضايا الكبرى، إذ توقف خفقان تلك الذاكرة المتقدة، لواحد من آخر الشهود الأحياء الأمناء، الذين عايشوا خِصب التنوع والثراء الثقافييْن، في المجتمع الفلسطني قبل النكبة.

غادر أنيس دنيانا، تاركاً وصاياه. هو صاحب الصولات البحثية والمعرفية الكبرى، في الكتابة التاريخية، التي انعقد لخلاصاتها ونتائجها، من المهابة، ما لا ينعقد للأحكام القضائية، من حيث كونها حقائق، لا يخالفها اجتهاد أو كلام. ولمناسبة فقدان أنيس صايغ، نستذكر سيرة رجل، هو الأب الذي لم يخلفه إبن، للموسوعة الفلسطينية، وهو عميد الباحثين العرب، ونجم العمل المعجمي ورئيس تحرير الإصدارات الوطنية والقومية الحصيفة: شؤون فلسطينينة، المستقبل العربي، شؤون عربية! إن من يعرف تاريخ الراحل، يستذكر في يوم رحيله، كيف نجا من الموت بأعجوبة، عندما قاوم جسده، مفعول المتفجرة التي دُست له في طرد بريدي (تموز 1972). فلم تمض عشرون دقيقة على الانفجار، حتى أعلنت إذاعة العدو عن مقتل أنيس صايغ، الذي وصفته بالشخص الذي يدرب الفدائيين في أوروبا، لكي لا تقول إنها استهدفت عقلاً فلسطينياً منظماً يعرف مساره، ورجلاً يقف على عمل مركز الأبحاث، الذي سد النقص المهول، في معرفة النخب العربية ومؤسساتها بالعدو، واقتدت به أقطار عربية، بعد هزيمة 1967 وبات يجسد الذاكرة الفلسطينية!

* * *

في العام 2006 عندما صدرت مذكرات أنيس، حرصت على اقتنائها ومطالعتها على الرغم من صعوبة الأحوال العامة والخاصة. ولم أتوقع أن تكون تجربة الرجل بهذا الغنى الإنساني، أو أن تشتمل على ذلك القدر من البهاء والمناقبية والمفارقات البديعة. فالرجل، ولد لأسرة بروتستانتية، في موضع فلسطيني مهم من جغرافيا الإنجيل، وهو طبريا. لكن أباه عبد الله الصايغ، القس الإنجيلي، بذل حياته يقاوم جماعة شهود يهوة، المحدثة، لما يُعتقد حول ارتباطها بالصهيونية. وكانت البيئة الأسرية، التي نشأ فيها أنيس وإخوته، مولعة بالقراءة، وأظهر والده حرصاً على تعليم أبنائه النظام حتى عند تناول الطعام، وظل يغرس فيهم الدقة في كل شيء، ويؤصل احترام الوقت والمواعيد، ومحبة طبريا التي رآها أنيس، حتى اللحظة الأخيرة من حياته، فردوساً اجتاحه الأشرار وتنازل عنه السماسرة. كان أنيس يصف طبريا ويسرد تاريخها، ويروي ذكرياته فيها قائلاً: إنها سيدة المدائن وعميدة الأمصار، ومآل الأحلام والتطلعات. لم يتخلّ عنها ولم يستبدل بها بيروت إلا مرغماً. بل ظل أنيس ينسب نفسه الى تلك الحاضرة الصغيرة، على امتداد زمن الهجرة الذي استطال لنحو نصف القرن فيقول "طبراني لا غشّ فيه"!!

ولعل واحدة من مفارقات الأسرة وجذورها، هي التي جعلت أنيس يردد بأن جده المتحدر من أصول سورية وأمه الأردنية السلطية وأبوه الفلسطيني يشهدون جميعاً على وحدة الشعب في هذه المنطقة، وأن هؤلاء ظلوا يصفعون "سايكس- بيكو" في كل لحظة. وفي مسار الحياة ونمو الوعي القومي، كانت لأنيس حياة دراسية حافلة، من أبلغ علاماتها، أن الشاب البروتستانتي، الذي سافر الى بريطانيا لكي يدرس في كمبريدج ثم يصبح مدرساً فيها؛ لم يتأثر بمناخ البلد الذي يعتنق سكانه المذهب نفسه، فعاد الى الوطن العربي أشد انتماءً لأمته، وأعمق قناعة بقضية بلاده، ولم يحدث له ما حديث لكثيرين، جرفتهم النجاحات في الغرب، فتحولوا حتى عن المدركات الأولى لقضاياهم. وبالطبع، انخرط أنيس في ميدان البحوث التاريخية المعمقة، متمسكاً بتقاليد بحثية باتت تشكل مدرسة مميزة في الشكل وفي المنهج!

* * *

كان لأنيس صايغ، في مذكراته، استعراض خاص وحميم، لتجاربه مع المدن، وقد استفدت أنا شخصياً من الروح التي كتب بها، عندما ذهب الى وصف المدن التي زارها أو أمضى فيها يوماً أو شهراً أو سنة، وبخاصة عندما حرص على مداعبة قارئه، ببعض الطرائف المحببة. ولم ينس، في أحاديث السفر، التعرض للعراقيل التي يواجهها الفلسطيني في المطارات، لا سيما عندما يكون من أهل الرأي.

والحق إن انحدار الموقف السياسي العربي، المتعلق بالقضية الفلسطينية، أصاب انيس في السنوات العشرين الأخيرة، بحال من التصوف الوطني، الذي جعله يعود مثلما بدأ شاباً، متطيراً من الخيانات ومن التفريط ورافضاً لأي حل وسط أو تهاون. ففي ذلك السياق، عارض اتفاقات أوسلو، ومع تلاشي البصر واعتلال الصحة، بات الرجل أشد إصراراً على تأدية رسالته، فقاوم فكرة التقاعد، وركز على الفارق بينه وبين التقاعس، وعاش أيامه الأخيرة، متمسكاً بمفاهيم العزة والكرامة، ممنياً النفس، بأن تكون للتاريخ دورته، لكي تأتي الأمور في سياق الأمنيات: وحدة قومية، لم تفارق أحلامة، ورسوخ وطني لا تفتر قناعته بالحاجة اليه، ولم تتعارض ولم تُضعف نزوعه القومي، وانتماء لفلسطين يغذيه إحساس دائم، بأنها ستنتصر في النهاية، ومهما انحدرت الأحوال.

طوبى لأنيس صايغ، الذي لا غُش فيه. نما وعيه على حب وطنه الجميل، وعاش حياته يبني وعياً وطنياً وقومياً نوعياً عميقاً وشفافاً، وقضى دون أن يتخلى عن أمنيات يراها ممكنة، إن لم تكن قريبة!

* كاتب فلسطيني من قطاع غزة. - adlisadeq57@yahoo.com

http://www.miftah.org