أوباما وسقف التوقعات!
بقلم: عصام بكر
2010/1/25

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=11240

لم يكن غريباً ان يعلن الرئيس الاميركي باراك اوباما عشية الذكرى السنوية لوصوله لسدة الحكم في الولايات المتحدة عن المزيد من التراجعات في المواقف التي كان اعلنها قبل نحو العام بعد توليه مقاليد السلطة في البيت الأبيض، وتحديداً الفشل المتواصل للسياسة الخارجية للولايات المتحدة وبشكل خاص تجاه ملف الشرق الأوسط.

الاعتراف الذي جاء على لسان اوباما في مقابلة صحفية نشرتها مجلة "تايم" الأميركية يشير بوضوح الى المأزق الذي وصلت اليه جهود انقاذ عملية السلام المتحضرة بفعل سياسة الاستيطان وهدم المنازل واستمرار عمليات البناء في القدس الشرقية والجدار العنصري، حيث ان هذه العملية باتت تحتاج الى (معجزة) حقيقية لإنقاذها من موت محقق .

فعملية السلام المتوقفة او المتعثرة بلغة دبلوماسية منذ ما يقارب العام والتي تسير على رجل واحدة منذ ما يزيد عن 15 عاماً في احسن احوالها لم تشهد طوال تلك الفترة اي اختراق حقيقي يفضي في نهاية المطاف الى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية التي تدخل في متاهات جديدة تضيف تعقيدات اكثر عمقاً كلما لاحت في الأفق أية مبادرات او محاولات لإيجاد الحل المنشود طوال الستين عاماً الماضية، وكلما اقترب الفرقاء من بشائر ايجاد الحل (التاريخي) شهدنا جولات من الصراع الدامي وحلقات من التوتر بفعل استمرار العدوان على الأرض بكل مستوياته ومعه استمرار التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني كمحطة مفصلية تقود الى الحل العادل او يجعل الصراع مفتوحاً على كل الخيارات مجدداً.

الرئيس اوباما يقول في تلك المقابلة ان علينا ان نخفض سقف التوقعات وهو الذي اعلن في القاهرة في حزيران الماضي عن برنامج لقي الاستحسان والتهليل ووصف بالتاريخي حينها عندما دعى واعتبر ان الاستيطان غير شرعي وان للفلسطينيين حقوقاً كأي شعب على وجه الأرض ، بين حزيران القاهرة 2009 والتصريح الاخير لاوبوما اصبحت الصورة اكثر وضوحاً ربما من وجهة نظر اوباما الذي كان حينها متحمساً وحديث العهد ولم يكن يعرف تفاصيل العلاقة مع اللوبي الصهيوني واسرائيل ذاتها ، عاد هذه المرة ليسجل تراجعاً جديداً يضاف الى سلسلة من المواقف التي كان من ابرزها المناورات والأفكار لاستئناف المفاوضات دون (شروط) حسب تعبير وزيرة الخارجية الاميركية واعتبار ما يتفق عليه الطرفان في مفاوضات (ثنائية) هو صورة الحل لهذا الصراع المزمن الذي يسبب (الصداع) للمنطقة والعالم أجمع.

الموقف الأميركي بات واضحاً بتوجيه المزيد من الضغط على القيادة الفلسطينية للرضوخ للاملاءات ولشروط المفاوضات في ظل الاستيطان ، والقدس خارج الصراع (ومناطق) امنية على طول حدود نهر الاردن ، واللاجئين من المحرمات التي لا يجوز الحديث فيها بالرغم من الحديث بمفردات مرضية او تستهوي اذان البعض كالحديث عن دولة فلسطينية (قابلة للعيش) او عن حق الفلسطينيين ان يعيشوا في دولة وتنمية الاقتصاد وتحسين شروط المعيشة .

الادارة الاميركية قالت كلمتها في الوقت الذي وصل ميتشل مبعوثها للشرق الاوسط في جولته المكوكية التي تحمل الرقم (22) ضمن جولته (لتذليل) الصعوبات التي من شأنها اعاقة استئناف عملية السلام ، ميتشل الذي رسم ابتسامات تعكس في واقع الامر مرارة الفشل الذريع امام الكاميرات وعدسات التلفزة وهو يعرف ان كل المحاولات تصطدم دوماً بالجدار الاسرائيلي الذي يرفض القيام بأي خطوة ملموسة وجدية للوصول الى توازن حقيقي يعيد لعملية السلام توازنها ويفتح الفرصة لاستمرارها ، وميتشل جاء المنطقة لممارسة المزيد من الضغط على ابو مازن والقيادة الفلسطينية للعودة الى الطاولة او انتظار عواقب القرار الفلسطيني برفض استئناف المفاوضات الا بوقف شامل للاستيطان وتحديد مرجعية لهذه المفاوضات.

وبالعودة الى توقعات اوباما العالية التي خفض من سقفها في مقابلته الصحفية فكأن الادارة الاميركية باتت تدرك الآن ان استئناف المفاوضات يتطلب خطوات جريئة وبحسب اوباما موقفاً اسرائيلياً (جسوراً) وبصرف النظر عن المصطلح فإن هذا الموقف الجسور ليس بمقدور ادارة اوباما او أية ادارة اخرى قادمة الحصول عليه مهما كان شكل وطبيعة الحكومة التي تمس بمقاليد الحكم في اسرائيل وبالتالي من المستحيل الحصول عليها في عهد حكومة يمين ويمين متطرف على رأسها نتنياهو وليبرمان وغلاة اليمين والاستيطان .

ان تصريحات اوباما جاءت لتؤكد من جديد ومع وجود ميتشيل في المنطقة وفشل مهمته في زحزحة اسرائيل عن مواقفها المتعنتة ان الموقف الاميركي المنحاز لاسرائيل هو سيد المواقف وان الادارة تتبنى بالكامل موقف اسرائيل الساعية لإطالة أمد احتلالها وليس انهاءه ووضع ترتيبات لإنهاء هذا الاحتلال ،وان اعتراف اوباما بفشل جهود ادارته يعني بوضوح ان الحلول في التفاصيل والجزئيات والبحث الحقيقي عن صيغ (ارضائية) لم ولن تتكلل بالنجاح لانها ببساطة تسعى الى تجميل صورة الاحتلال واعطاء اوصاف مع بقاء المضمون والصعوبات على الارض ، والاعتراف بفشل جهود السلام جاء بعد اعتراف كافة الاطراف بأن المسيرة السياسية منذ مدريد وحتى الآن لم تحقق الأهداف المرجوة منها وبالتالي فإن المخرج الحقيقي هو بالتحرك الفلسطيني على اساس استمرار ذات الموقف المتمسك بعدم العودة الى مفاوضات الا بعد وقف كامل وشامل للاستيطان وتحديد مرجعية واضحة اساسها قرارات الشرعية الدولية ، والتحرك نحو المجتمع الدولي لعقد مؤتمر دولي جديد للسلام لوضع قرارات الشرعية الدولية موضع التضبيق وليس التفاوض والعمل مع الاطراف ذات العلاقة وبالتشاور مع العرب لإنهاء الالتزامات المترتبة على السلطة (تحت الاحتلال) تدريجياً وبما يمكن الشعب الفلسطيني من أخذ خطوات جدية ومن بينها الاعلان عن حدود الدولة الفلسطينية، والتقدم في مسار المصالحة الداخلية لإنهاء الانقسام الداخلي.

فاوباما الذي ارتد تماماً عن بعض التصريحات (المتفائلة) اعلن هذه المرة صراحة عاد ليتحدث عن (عمى بصر) التحركات في اخراج المنطقة من دوامة الشلل القاتل الذي يحمل في طياته توقعات وخيبات امل طويلة جراء سياسة الانحياز (الأعمى) للادارات الاميركية ورضوخها دوماً لرغبات اللوبي الصهيوني ، قد تحمل توقعات تخالف توقعات ادارة اوباما نفسها سواء المتغيرات الاقليمية او الدولية وليس سراً ان نقول ان ملف ايران النووي قد يكون احداها.

لكن الأساس يقضي بالنسبة لنا كشعب تحت الاحتلال ان الرهان على اي تغير في مواقف امريكا بات مستبعداً وان الخيارات هي بين ايدينا نحن وعلينا ان نبني استراتيجيتنا الجديدة على أساس استمرار التمسك بثوابت شعبنا وبناء جبهة المقاومة الشعبية الموحدة واسماع صوتنا عالياً لكل الذين راهنوا ويراهنوا على امكانية كسر ارادة شعبنا ، وثنيه عن مواصلة مشواره في سبيل تحقيق أهدافه الوطنية.

فبينما قالت الادارة الاميركية كلمتها نحن نقول ان الشعب الفلسطيني جاهز تماماً. لتوقيع اتفاق المصالحة التاريخية لإنهاء الصراع المزمن والدامي في المنطقة بعد الاعتراف بالحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني للعيش في دولة كاملة السيادة على جميع الاراضي التي احتلت في عدوان 1967 ، وحقه المكفول بممارسة كل أشكال الكفاح التي كفلتها قرارات الامم المتحدة وقوة الشرعية الدولية سيمارسه دفاعاً عن كرامته الوطنية مهما بلغت درجة الانحياز وموازين القوى الدولية لغير صالح قضيته الوطنية في الوقت الحالي.

http://www.miftah.org