من هنا نبدأ
بقلم: عدلي صادق
2010/1/30

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=11257

كلام د. محمود الزهار للصحفيين في غزة، بخصوص المصالحة، مُرحب به، حتى وإن كان السياق يتعلق بتوجه محدد، يتوخى ترميم العلاقة مع مصر، على قاعدة التفهم الحمساوي لضرورات المصالحة.

ونؤكد هنا، بأن تردي العلاقة بين مصر وأيٍ من مكونات الخارطة السياسية، كـ"حماس" أو غيرها، يضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، ويعرضنا كشعب وقضية، الى هجمات شرائح اجتماعية وسياسية عربية نافذة، تنتهر واقع التردي، لكي تنال من شعبنا ومن عدالة القضية التي ننافح عنها. فلا فائدة لـ"فتح" من تفاقم أزمة العلاقة بين "حماس" والحكومة المصرية، وبالتالي فإن "فتح" ليست معنية بتوتير هذه العلاقة. ما نحن معنيون به، هو إظهار استنكاف "حماس" عن التوقيع على الورقة المصرية، لكي تكف عن استنكافها. وإن كان د. الزهار جاداً في قوله بأنه يريد "تحصين" المصالحة، فإن التحصين لا يكون بتخفيف الالتزامات المقررة على الطرفين الفتحاوي والحمساوي، في الورقة المصرية، وإنما بتشديد هذه الالتزامات. وحبذا لو بادرت حماس طوعياً، الى دعم اتفاق المصالحة، بعد التوقيع عليه والانخراط في تنفيذه؛ بالأفعال التي من شأنها أن تحقق التحصين المنشود، ليس للمصالحة وحسب، وإنما كذلك للبُنية الاجتماعية الفلسطينية، وللورقة السياسية الوطنية، ولحق المواطن الفلسطيني في الكرامة، وفي الديموقراطية، وفي السفر كسائر البشر، وفي العدالة على الصعيد الداخلي، وذلك كله تعزيزاً لنضالات هذا الشعب من أجل حقوقه العادلة!

وربما يكون د. الزهار، يريد التعديلات التي من شأنها جعل المصالحة والمؤسسات والقوى المعنية بوحدة الأرض والشعب؛ مجرد عناصر بائسة تستجدي رفع يد البطش عنها. إن عنوان المصالحة الفلسطينية، هو أن تنتفي قدرة أي من طرفي النزاع الداخلي على إكراه الطرف الآخر والزج به في السجن إذا ما تداعت المسائل. وهذا ما لم تتضمنه الورقة المصرية بالتفصيل وتركته للنوايا وللتطورات الإيجابية على طريق المصالحة التي يريدها الأشقاء المصريون. وربما تصح الاستفادة من المستجد الحمساوي في غزة، أي من الموقف من المقاومة غير المحسوبة، لكي يتحقق التوافق على التعامل في شطري الوطن، بمنطق أمني واحد، يسنده القانون، مع الممارسات الفردية تحت عناوين المقاومة، على أن لا يكون هناك بطش بالمقاومين، ثم أن تتنتفي وضعية الإكراه في الضفة وغزة، التي تطاول الأجسام التنظيمية والسياسية والاجتماعية. هذا كله، لا يكون بغير وضوح المواقف وبغير حسم المسائل الخلافية، المتعلقة بالمفاهيم وبحقوق الدم، وبالحقوق المادية والأدبية للناس، من خلال قضاء يتكيء الى إرادة سياسية وطنية جماعية، لا تأخذها في قول الحق ولا في الانحياز اليه، لومة لائم!

رب قائل، إن "حماس" أدركت عمق المأزق الذي أدخلتنا فيه وانحشرت هي نفسها بين جنباته وباتت تعاني منه وتحس بالحرج، وبخاصة أزمة الفجوة المتسعة بالضرورة، بين الخطاب الأيديولوجي عن المقاومة والموقف منها، اليوم وغداً وبعد غد طالما أن أقطار الأمة في غير اتجاه المقاومة. إن هذه الفجوة صنعتها في كل مرة كوارث كبرى، لأن العقل واللسان العربييْن ـ ناهيك عن الفلسطينيْن ـ لا يجرؤان على التسليم الصريح بموضوعية هذه الفجوة. إن كارثة حزيران 67 هي التي صنعت الفجوة الأولى، عندما قيل في الخرطوم، في آب من السنة نفسها، أن الهدف بات إزالة آثار العدوان وليس إزالة قاعدة العدوان. ولم يكن الراحلون الكبار الذين قرروا ذلك، قرروه عن كراهية أو عن عدم قناعة بالأمنيات القصوى. إنها المسؤولية عند المواجهة الفعلية لنتائج أي حرب. وفي كل مرة كان الذين لم يقاتلوا ولا ينوون أن يقاتلوا ـ حسب تعبير عبد الناصر ـ هم الذين يزاودون!

إن موقف "حماس" الميداني اليوم، هو أقرب من أي وقت مضى، للمشاركة في بناء استراتيجية وطنية، تقف بصلابة ضد الأمرين معا: الرقاعة السياسية والانزلاق الى مناخات العدو، والمزاودة التي من شأنها الدفع في اتجاه تضييع الممكن تحصيله، من خلال وحدة القوى السياسية المقاومة، بجريرة التمسك اللفظي بالحقوق المستحيلة، التي لن نتقدم في اتجاهها بغير عملية تاريخية على الأرض، بقوى شعبنا الحضارية والخلاقة. وحين تتوافق الأطياف الفلسطينية، على المفاهيم العامة لطبيعة النضال الوطني في هذه المرحلة، يصبح في وسعنا القول: من هنا نبدأ!

* كاتب فلسطيني من قطاع غزة. - adlisadeq57@yahoo.com

http://www.miftah.org