|
ما الجديد في جعبة ميتشل؟!
الموقع الأصلي:
قام جورج ميتشل بجولة جديدة مفاجئة لأنها حدثت رغم نفي الانباء عنها. فما الجديد بجعبته؟ وهل حصل على المطلوب من إسرائيل؟ وما هي فرص جولته الجديدة من النجاح؟
الأنباء والتوقعات أشارت الى أن الحكومة الاسرائيلية لم تغير، وليست مستعدة لتغيير موقفها جوهرياً من مسألتي تجميد الاستيطان في القدس والتفاوض على القضايا الأساسية، بما في ذلك الاتفاق على جدول زمني للمفاوضات. فأقصى ما ذهبت اليه حكومة نتنياهو حتى الآن هو الاستعداد لعدم الاقدام على تنفيذ إجراءات استفزازية، بتجنب الاستيطان بالأحياء العربية من القدس الشرقية، وانما تركيزه في المستوطنات والمناطق غير الآهلة بالسكان. كما استعدت الحكومة الاسرائيلية لتقديم خطوات بناء ثقة بمبادرة منها وليس كتنفيذ لاتفاقات أوحقوق، ولكن على طاولة المفاوضات وليس قبل ذلك. ان هذه الخطوات تتضمن السماح ببناء مدينة فلسطينية، اطلاق سراح بعض الاسرى، ازالة بعض الحواجز والسواتر، تسهيل حركة الفلسطينيين، تحسين الأحوال الاقتصادية، تحويل بعض مناطق من "ج" الى "ب" و"ا"، ومن "ب" الى "ا"، وصولا الى اعادة الأمور الى ما كانت عليه في 28/9/2000، بعد التأكد من قدرات السلطة الفلسطينية الامنية. ووفقا لصحيفة "هآرتس" فإن نتنياهو مستعد لقبول اقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة لكسر الجمود الحالي بالعملية السياسية، شرط عدم التفاوض على القضايا السياسية الآن وانما بعد فترة، اوالتفاوض حولها بدون ابداء اية مرونة، ولكن بعد انتقال المفاوضات غير المباشرة الى مفاوضات مباشرة. فنتنياهو يريد كسب الوقت حتى تستكمل اسرائيل تنفيذ مخططاتها وحتى "ينضج" الجانب الفلسطيني، لقبول الشروط الاسرائيلية للحل النهائي. ما يجعل الحكومة الاسرائيلية قادرة على الصمود في وجه الضغوط الاميركية والدولية أن هناك اجماعا على اللاءات الاسرائيلية. فهناك اجماع اسرائيلي على مسألة استمرار الاستيطان في القدس، وحزبا "كاديما" (حزب المعارضة الرئيسي) و"العمل" (شريك نتنياهو في الائتلاف الحكومي) لا يعترضان على الاستيطان في القدس، وانما على الشكل والتوقيت والاماكن التي يستهدفها، وضرورة الابتعاد عن المناطق الآهلة بالسكان الفلسطينيين، ومراعاة مصالح وكرامة الحليف الأميركي. فحزبا "العمل" و"كاديما" اللذان يراهن عليهما الأميركان وبعض العرب لا يعترضان على ادراج القضايا الاساسية على طاولة المفاوضات، كما يفعل شركاء الليكود من الأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة في الحكومة، ولكنهما يصران على ضرورة التخلي عن حق العودة، وعلى عدم الانسحاب من مناطق واسعة من القدس، فأقصى ما تبدي الاحزاب الأقل تطرفا في اسرائيل الاستعداد لقبوله هو الانسحاب من الاحياء العربية، واقامة ترتيب خاص للبلدة القديمة، مع التمسك بعدم العودة الى حدود 1967، والاصرار على ضم الكتل الاستيطانية، وضمان أمن اسرائيل المستقبلي عبر اقامة حدود آمنة وترتيبات آمنية تضمن لاسرائيل السيطرة الكاملة، ترتيبات مثل أن تكون الدولة الفلسطينية العتيدة منزوعة السلاح ولا يحق لها القيام بأية تحالفات عربية واقليمية ودولية يمكن أن تعتبرها اسرائيل معادية لها. ان ما يساعد أيضا الحكومة الاسرائيلية على الصمود في موقفها وعدم تلبية أهم المطالب الاميركية أن واشنطن رغم خلافها معها، تصر كل يوم على تأكيد حرصها على التحالف الاستراتيجي مع اسرائيل وتوفير الأمن لها، وأنها لن تفرض حلاً على الاطراف، بل ستساعد على التوصل الى هذا الحل عندما تصبح الاطراف المعنية جاهزة لذلك، واكد اوباما في رسالة التهنئة لاسرائيل في الذكرى 62 لقيامها ان اسرائيل تجسد الحق التاريخي لاقامة وطن يهودي، بما يسقط حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بوطنه ويسلم باسرائيل كدولة يهودية. ان الضغط الاميركي الممارس على الحكومة الاسرائيلية، حتى الآن أقل مما مورس على حكومات اسرائيلية سابقة في عهود رؤساء اميركيين سابقين. فإذا كان من الممكن تسمية ما يجري من خلافات اميركية ــ اسرائيلية ضغطا، فهو ضغط خفيف، يجري أكثر منه بكثير بين الاصدقاء والحلفاء، وبين الزوجة وزوجها، بدون أن تتدهور العلاقات. وما يطمئن الحكومة الاسرائيلية أكثر أن الادارة الاميركية غير موحدة في مسألة الخلافات مع اسرائيل والضغط عليها، ولا يبدو انها بوارد ممارسته بشكل جدي حتى الآن. حتى مسألة اظهار الخلافات الاميركية ــ الاسرائيلية علنا اعترض عليها مئات من اعضاء مجلسي النواب والشيوخ في رسالة ارسلوها الى الرئيس الاميركي. أن اللوبي الصهيوني وكل مؤيدي اسرائيل في اميركا يصعدون تحركاتهم وضغوطهم لمنع الادارة الاميركية من ممارسة الضغوط على حكومة نتنياهو، وأن تكتفي بإدارة الصراع ولا تسعى لحله لحين تكون اسرائيل جاهزة، وتركيز الجهود الأميركية في هذه المرحلة على منع ايران من الحصول على السلاح النووي، بدون الربط المبالغ فيه بين المسألتين الايرانية والفلسطينية. أن الخلافات الاميركية ــ الاميركية، والأميركية ــ الاسرائيلية، تجري في ظل سياسة سلبية عربية قاتلة تظهر من خلال انتظار ما ستنتهي اليه الخلافات الاميركية ــ الاسرائيلية. أن السياسة الانتظارية العربية ترجع في اسبابها الى أن هناك من الحكام العرب من يراهن على الادارة الأميركية أكثر من نفسه، ومن لا يملك الارادة لفعل شيء حتى لمساعدة الادارة الاميركية في خلافها مع اسرائيل. وهناك بين الحكام العرب من هو غاضب على ادارة اوباما لأنها أعطت اهتماما أكثر مما يجب للمسألة الفلسطينية وأهملت مسألة مواجهة الخطر الايراني القادم، الذي يعتبره هؤلاء هو الخطر الذي يجب أن يحظى بالأولوية. فبعض الحكام العرب يترحم على عهد جورج بوش الابن الذي نافس اسرائيل في تطرفها وعدوانيتها، ويتحرقون شوقا للانتهاء من عهد أوباما الذي يحاول أن يغير السياسة الأميركية المنحازة كليا لاسرائيل واعتماد سياسة اقل انحيازا لها. تأسيسا على ما تقدم ليس من المتوقع أن يحدث جورج ميتشل اختراقا في جولته الحالية، الا اذا حدثت معجزة في زمن انتهت فيه المعجزات، أو اذا تراجع الجانب الفلسطيني عن جوهر مطالبه، وهي وقف الاستيطان وقفا تاما، والاتفاق على مرجعية واضحة وملزمة للمفاوضات قبل استئنافها. وذلك خشية من عواقب استمرار وقف المفاوضات في ظل التهديدات والعقوبات التي مارستها الحكومة الاسرائيلية ضد السلطة في الآونة الاخيرة، وتلك التي يمكن ان تمارسها اذا استمرت على موقفها بعدم استئناف المفاوضات. لا يكفي أن تؤكد هيلاري كلينتون للرئيس أبومازن أن الوضع الحالي لا يمكن استمراره، وأن ادارة أوباما ملتزمة بالتوصل لحل لقضايا المرحلة النهائية كافة وحل الدولتين ودعمه والسلطة الفلسطينية على اهمية ذلك، بدون أن تتعهد بممارسة الضغط اللازم على اسرائيل، لإنهاء الاحتلال وتحقيق الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية المقرة بالقانون الدولي، وبدون حتى ان تلتزم اسرائيل بأي شيء. فاستئناف المفاوضات بدون مرجعية ولا وقف الاستيطان تنازل كبير وخطأ لا يغتفر. أقصى ما يمكن ان يتوصل اليه ميتشل في ظل الحكومة الاسرائيلية الحالية هو التوصل الى تخريجات وليس الى حلول. اذاً، ما دام ميتشل لا يحمل جديدا، ليس من المرجح ان يتوصل الى اختراق فلماذا قام في جولة جديدة بعد تأخر طويل وبدون ان تتلقى الادارة الاميركية ردا اسرائيليا رسميا على المطالب التي قدمتها هيلاري كلينتون الى بنيامين نتنياهو. ان ميتشل يريد ان تبقى العملية السياسية حية، او يوحي بأنها حية من خلال الحراك الدائم حتى لو كان بدون نتيجة حاسمة. فالعملية مطلوبة بحد ذاتها لعدم نشوء فراغ، وذلك وفقا للنصيحة التي قدمها دينس روس سابقا، ويبدو انه نجح اوعلى وشك النجاح باقناع الادارة الاميركية بها. فالحركة بركة، وهي يمكن ان تؤدي الى تقدم تدريجي بطيء اقتصادي وأمني، فيمكن ان يحقق ميتشل تقدما ما، ويمكن ان يتوصل الى اتفاق الى استئناف المفاوضات غير المباشرة بدون ان يعني ذلك تقدما حاسما، على اساس ان الحركة افضل من عدم الحركة. ان محاولة اميركا لفرض الحل بدون ان تكون اسرائيل جاهزة فقد تفجر كل شيء. ان هذه النصيحة الرديئة اخذت بها الادارات الاميركية السابقة في معظم الوقت، ويمكن ان تأخذ بها الادارة الحالية بحيث يكون لدينا "عملية سلام" بدون سلام. حتى لا يحدث ذلك يجب ان يكون الرد الفلسطيني والعربي على التعنت الاسرائيلي رفض استئناف المفاوضات بدون الاستجابة للمطالب العربية وايجاد مقاربة جديدة تركز على انهاء الانقسام واعادة الاعتبار للبرنامج الوطني القادر لوحده على توحيد جميع الفلسطينيين وليس الفصائل فقط، وعلى الحصول على الدعم العربي والدولي، والجمع بين المفاوضات المثمرة والمقاومة المثمرة، واعادة تشكيل "م.ت.ف" بحيث تضم الجميع، ووضع السلطة في مكانها الطبيعي كأداة من ادوات المنظمة، ومرحلة على طريق اقامة دولة فلسطينية حرة ومستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس!! * كاتب ومحلل سياسي فلسطيني. - hanimasri267@hotmail.com http://www.miftah.org |