أزمة مفاوضات أم أزمة سلام؟!
بقلم: د. ناجى صادق شراب
2010/5/20

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=11600

التحديات والمعوقات التي تنتظر المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية كثيرة ومترابطة ومتداخلة مما يجعل التعامل معها يشكل صعوبة كبيرة، وخصوصا من جانب المفاوض الفلسطيني، وهذا ما أدى إلى وصول المفاوضات إلى طريق مسدود لا يصلح معه إلا خيار الرزمة الكلية. وفي مقدمة هذه التحديات والصعاب التي كانت سببا في فشل المفاوضات حتى الآن، وعدم إستئنافها حتى هذه اللحظة قضية الإستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.

بداية لا بد من توضيح الفهم الحقيقي للمستوطنات من المنظور الإسرائيلي، فنحن لسنا أمام نموذج عادي للإستيطان، بل نحن أمام نموذج يجسد مفهوم إسرائيل كدولة، ويجسد ويلخص كل عناصر الأيدولوجية الصهيونية. ومن هنا عقدة هذه القضية وعدم قدرة أي حكومة إسرائيلية على معالجتها وإتخاذ قرار بشأنها وهذا ليس تبريرا للموقف الإسرائيلي بقدر ما هو فهم لحقيقة هذه القضية، فالعملية الإستيطانية الإسرائيلية تقوم بثلاث وظائف رئيسية، الأولى وظيفة نشأة إسرائيل كدولة، وفي هذا السياق لعبت المستوطنات قبل قيام إسرائيل دورا هاما في التمهيد لقيام إسرائيل كدولة، والوظيفة الثانية تثبيت وجود إسرائيل من خلال جلب المزيد من المستوطنين واليهود من شتى أنحاء العالم، وبهذا المعنى رسخت فكرة الإستطان أسطورة أرض الميعاد، وأرض الآباء والأجداد الى غير ذلك. وثالثا تقوم المستوطنات بوظيفة التوسع والإمتداد الأقليمي، فالمسألة ليست مجرد عملية بناء، بقدر ما هي مرتبطة بوظيفة كدولة وتحولها من دولة منفى الى دولة قومية مسيطرة.

هذه الوظائف للمستوطنات ينبغي أن تكون معلومة ومفهومة لدى المفاوض الفلسطيني، وذلك عند التفاوض بشأنها والخيارات المتاحة أمامه.

وترجع الصعوبة في إعتقادي إلى إستبعاد بديل حقيقي وواقعي للمفاوضات ولو في المرحلة الحالية، ومن ثم لا بد من الإستمرار في العملية التفاوضية ولكن من موقف المؤثر والقادر على تحريكها وتوظيف كل العوامل المساعدة والداعمة نحو نتائج مرضية، وفي حال أن وصل المفاوض الفلسطيني إلى قناعة نهائية يصبح معها الخيار التفاوضي غير مجدي على الإطلاق عندها يمكن التفكير ومن الآن في خيار البديل الواقعي والقابل للتطبيق، قبل أن تلتهم المستوطنات ما تبقى من الأرض الفلسطينية التي يمكن ان تشكل مستقبلا أي إمكانية لأي حل سياسي.

والفرضية الأساسية في العملية التفاوضية من منظور التسوية وهي قيام الدولة الفلسطينية كأساس لأي حل تفاوضي، وهنا التعارض وعدم التقابل بين معادلة الدولة ومعادلة المفاوضات، ومعادلة الإستيطان، ونحن هنا لا نتحدث عن بقية القضايا التفاوضية الأخرى كاللاجئين، وغيرها. وعليه تشكل قضية الإستيطان بؤرة التفاوض الجوهرية التي لا يمكن إبداء أي مرونة بشأنها، وإلا فقدت العملية التفاوضية منذ البداية مغزاها ومضمونها السياسي الحقيقي، وذلك لإرتباط الإستيطان بعنصري الصراع الرئيسيين، وهما عنصر السكان، وعنصر الأرض، وهما العنصران اللذان سيشكلان مستقبل الصراع، ومستقبل أي عملية تفاوضية.

إذن هي قضية ومنذ البداية تمس الوجود المادي والهوية الفلسطينية، وتمس بشكل مباشر مظاهر ممارسة السيادة السياسية للسلطة الفلسطينية على أرضها، فوجود المستوطنات وصورتها القائمة عامل تفكيك وتشتيت لعناصر الدولة كلها: عنصر الإقليم الذى سيفقد وحدته التكاملية والإقليمية ومن ثم يفقد وحدته الجغرافية، وعنصر السكان الذي ستحوله المستوطنات إلى كتل بشرية متباعدة وغير متواصلة مما قد يشجع في المستقبل من إمكانات الإنفصال. وأما عنصر السيادة فسيفقد أهم خاصياته وهي خاصية السلطة المطلقة العليا على كل إقليمها.

والسؤال الذي يطرح هنا وبكل وضوح والذي بدونه سنفقد مقدما ما نريده من المفاوضات: هل يمكن التوفيق بين الأهداف السياسية للمفاوضات والمتمثلة أساسا في قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وأهداف ووظائف الإستيطان؟ والسؤال بصيغة اخرى هل بمقدور المفاوض الفلسطيني والمفاوض الإسرائيلي التوفيق والوصول إلى صيغة مقبولة تجمع بين عنصري المعادلتين؟ والإجابة السريعة والتي لا يختلف عليها أي مراقب ومتابع للمفاوضات أنه لا يمكن الجمع بين أهداف المفاوضات الهادفة إلى تسوية متوازنة تحقق ولو الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية بما فيها الدولة الفلسطينية، والأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها من عملية الإستيطان التي تقوم بها، والتي تشكل عملية مستمرة لم تتوقف على مدار مختلف مراحل الصراع العربي الإسرائيلي. ولذلك توقف الإستيطان من منظور إسرائيل هو توقف لأهداف إسرائيل الكبرى. بل أن الهدفين يتعارضان ولا يلتقيان.

أما عن الإجابة الأخرى والتي تستند على ما هو قائم وعدم القدرة على تغييره والقائم على موازين القوى القائمة والتي إذا لم يتم البحث عن صيغ سياسية للتوفيق بينها ووقفها فإن عناصر الصراع هي التي ستحكم مستقبل الصراع أكثر من عناصر التعايش والبحث عن حلول سياسية.. فمن منظور المعادلة الإستيطانية فعنصر الأرض كما أشرنا يشكل جوهر الحركة الصهيونية، وهو أن عنصر الأرض أساس مفهوم السلام الإسرائيلي، والمسألة تبدو أكثر صعوبة أذا ما أخذنا في الإعتبار عاملي المساحة والخصائص الجغرافية والطبوغرافية للأرض الفلسطينية.

ومن منظور المعادلة التفاوضية الفلسطينية يشكل عنصر الأرض أساس وجوهر أي تسوية سياسية حقيقية، وكيف يمكن تصور قيام الدولة الفلسطينية في ظل إستمرار الإستيطان الذي يقوم على الأرض المفترض أن تقوم عليها هذه الدولة. وبالتالي عنصر الأرض جوهر عملية السلام التي تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام، وحتى نقترب من هذا المبدأ أو هذه المعادلة فلا بد من الأخذ في الحسبان الإستجابة الشرعية والقانونية والسياسية لمبدأ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وممارسة سيادته وسلطاته عليها.

ومن هنا يتكشف البعد الأول في المعادلة التفاوضية الإستيطانية وهو أنه بقدر الإنسحاب من الأراضي الفلسطينية بقدر الوصول والإقتراب أكثر من المعادلة التفاوضية والعكس صحيح. أما البعد الثانى الذي يرتبط بطرفي المعادلة فهو الممارسة السيادية الفعلية على الأرض حتى يتمكن الفلسطينيون من إقامة دولة حقيقية وقادرة على أداء مهامها ووظائفها كبقية الدول الأخرى من أمن وإستقرار ورفاهية لشعبها، والمساهمة الفعلية في الإستقلال بقرارها وأداء دورها كعامل إضافي في الحفاظ على أمن وإستقرار المنطقة.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com

http://www.miftah.org