|
فسحة للتنفس ورؤيا بعيدة المدى
الموقع الأصلي:
يسعدنا عمل الحكومة الفلسطينية المثابر لتحسين ظروف العيش واعمار البنى التحتية وبعض البنى الفوقية في مختلف مناطق الضفة الغربية. فالتحديث والتنمية والدمقرطة والرقابة وحسن المتابعة وتنظيم العمل لسمات مهمة لتهيئة أسس قيام الدولة، خصوصا اذا ما ترافقت مع فعل مقاوم منظم ،تراكمي وذكي. نستطيع ان نفهم أن السعي الى الاستقلال والدولة الوطنية يحتاج للبناء المنظم على المستويين المادي والأخلاقي –المعنوي، خصوصا مع حالة التجاور مع عدو بامكانيات ومنهج عمل منظّم مثل دولة اسرائيل. ربما يتوجب علينا في هذا السياق أن نلتفت الى التخطيط بعيد المدى، والى ما سوف تكون عليه وتحتاجه دولتنا المرجوّة بعد بضعة عقود، وليس اليوم وغدا فقط!
نحن نتمنى ان يترافق جهد العمل في البنى التحتية مع رديفه في البنى الفوقية، حتى نستطيع فعلا الحديث عن أسس راسخة للدولة التي نشتهي. نسعد جدا بالتطور السريع الذي طرأ على قناة فلسطين الفضائية، ليس فقط من حيث كم ونوع البرامج الجيدة بل المستوى الفني والتقني والمهني المتقدم. نتمنى ان تحظى قضايا التربية والتعليم والمنهاج والثقافة، بنفس الفسحة والاهتمام. فأذا ما كانت "عاداتنا غير الطيبة" ، وقيمنا "البالي والرث منها"، وبعض ثقافتنا "المحدودة والمؤطرة" ، لا تتغير ولا تتقدم مع وتيرة تغيّر السلوك الاستهلاكي السريعة، ومع الأرصفة والشوارع الجديدة، فبأي حال نعود؟ وأي دولة قوية حقيقية ستكون فعلا قابلة للعيش والنمو؟ لن يتسع المجال هنا للأسهاب في الحديث عن الأهمية القصوى في تحديث وتطوير ودمقرطة ما يسمى بالبنى المجتمعية الفوقية، أي كل ما له تأثير على فكر ورؤيا وسلوك الانسان- المواطن/ة. وسأكتفي بالاشارة الى بعض الفواصل التي قد تكون هامة في مضمار التخطيط والتنفيذ للبنى التحتية والمدن والاحياء الجديدة: لا يكفي أن ندق الأرض ونخرج من باطنها الحجارة لنصّفها ونرصّها فوقها – وهو تعبير سمعته من شاعر فلسطيني، استوقفني لكتابة هذا المقال- فنحن بأمس الحاجة الى أماكن خضراء، رئة تتنفس بها ومنها مدننا، التي يجري تحديثها. نلحظ بناء مشاريع اسكانية في كل مكان، لا يخلو جبل أو تلة منها، وليس من بقعة خضراء واحدة. بل على العكس، تقطع الأشجار لبناء البيوت والعمارات. من قال أن قطع الزيتون حرام في حين ان قطع السرو والصنوبر والبلوط والخروب..حلال؟ لا فسحة للراحة والسكينة والتأمل، وهي أسس شروط الابداع! فالبيئة الجرداء تعكس نفسها على أذهاننا وانتاجنا الفكري، ليصبح اما قاحلا وعقيما ، أو ضيق وباتجاه واحد محدود، في أحسن الأحوال. وقد قالت في ذلك الكثير، ليس فقط نظريات علم الاجتماع السياسي وعلم النفس والجغرافيا السياسية، بل أيضا علم الأنثروبولوجي في البحث عن تطور الانسان. نتمنى على حكومتنا النشطة الانتباه الى "تخضير" المكان وتطوير رئة بيئية طيبة للتنفس والراحة والأبداع. وماذا عن الأطفال؟ ألا يحتاجون بدورهم، وهم النسبة الأعلى في الديمغرافيا الفلسطينية، الى أماكن آمنة ونظيفة وجميلة للعب؟ هل يعقل ان يتابع أطفالنا اللعب في الشوارع، بين السيارات، جيلا بعد جيل؟ أو ان يحشرو في غرف ملاهي ضيقة وخانقة، تحوي ألعابا كهربائية صدئة وخطرة في كثير من الاحيان؟ نحتاج أيضا لأرصفة معقولة للمشاة. ويا حبذا لو رافقها بعض الشجر. ففي بلادنا الصغيرة لا نستطيع ممارسة المشي، ناهيك عن أي رياضة خارج النوادي النخبوية المغلقة. نلحظ عمل حثيث في الشوارع، والتي يغلق بعضها لشهور في العمل، حتى لو لم تتجاوز كيلومترا واحدا. وحين يتم انجازها لا نكاد نلحظ الفرق. فهي تعود بنفس الحجم، ونفس الأرصفة، ان وجدت، لكن أكثر جدّة وبدون مطبات. ونفرح جدا، حقيقة، لمشروع أسماء الشوارع الجديدة،في مدينة رام الله، والتي لا تعمل فقط على تنظيم المكان، بل على منحه طابع وطني وعالمي تحرري وتقدمي. نتمنى أن تقلّد البلديات الأخرى بلدية رام الله في هذا الشأن. ولكن يظل يحضرنا السؤال، حين نتابع العمل الحثيث على تحديث بنية شوارعنا: لم لا يأخذ في عين الاعتبار عامل النمو السكاني والازدياد المتفاقم، عاما بعد عام لعدد السيارات؟ كيف لا تخطط الجهات المسؤولة للعقود القادمة؟ وأي حال واختناق سوف نعانيه بعد سنوات قليلة؟ هذا ويحضرني التساؤل ايضا هنا عن حال منطقة المنارة، وسط مدينة رام الله! فرام الله هي المدينة الفلسطينية الوحيدة التي تنحو ، بشكل وآخر الى بعض مظاهر المدنّية والحياة الحضرية ويأخذ عددا من احيائها طابعا عمرانيا جميلا وترنو الى بعض التنظيم شيئا ما ، في حين أن مركزها التجاري، الذي يحضر مباشرة اليه القادمون من المدن والقرى الأخرى، لا يحضره أي مظهر حداثي أو جمالي، بل يتصف بواقع الحال بشيء كثير من القبح والعشوائية والفوضى. لماذا تظل المنارة على هذا الحال؟ ولماذا الأسود الأربعة التي لا تتحلى بأي جمالية فنية أو تعبيرية؟ ولماذا عمدان الصفيح؟ لقد كانت المنارة بقعة جميلة وحضارية قبل أقل من نصف قرن، وفقا للصور الفوتغرافية القديمة. ولماذا كل هذه العشوائية واحيانا الغوغائية في اقامة المحال التجارية ومطاعم الوجبات السريعة ومعارض الملابس التي تأخذ طابعا ريفيا تقليديا محافظا، بل متزمتا، للغاية؟ البيئة الجميلة النظيفة تساعدنا بل توّجهنا نحو سلوك جميل، وتمنحنا فسحة حقيقية للابداع. في حين أن البيئة القبيحة، القاحلة، التي تخلو من الشجر ومن فن راق جميل تعكس قبحا، بالضرورة، في سلوكنا وعاداتنا ورؤيتنا وآفاقنا. نتمنى على حكومتنا الالتفاتة الجادة للقضايا المذكورة، ومنحنا فسحة من الخضار لنتنفس، ومساحة طيبة لأطفالنا ليكبروا بأمان وفرح، وحس من الجمال والحضارة التقدمية لتورق ارواحهم وتزهر، لتكون الدولة القادمة لا مجرد علم ونشيد وبوابة حدود، بل وطنا ناهضا، يطيب العيش فيه. http://www.miftah.org |