المصالحة الوطنية الفلسطينية هل نشهد تواريها؟
بقلم: أكرم أبو عمرو
2010/6/9

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=11661

نخشى أن تتوارى المصالحة الوطنية خلف رياح أسطول الحرية التي هبت على منطقتنا ، رياح مبشرة في مجملها بالغيث الذي طالما انتظرناه طوال سنين ، نعم الغيث الذي سيأتي مع كسر الحصار الذي بات العديد من الدول مطالبا بانهائة ، بعد عملية القرصنة البحرية التي ارتكبت فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي جريمة بشعة جعلت البحر الأبيض احمرا بلون الدم النازف من أجساد شهداء هذه المجزرة ، كما صبغت المنطقة بلون العلم التركي الأحمر في مؤشرات تستدعي التوقف والتأمل ، تري ما هو القادم ؟

لكم أسعدنا تمكن أسطول الحرية من تحقيق اهدافة ورسالته على الرغم من عدم تمكنه من الرسو على شواطئ غزة ، فما أن تناقلت وكالات الأنباء الأخبار الأولى عن المجزرة، حتى باتت الأرض تموج وتهتز تحت أقدام قادة دولة الاحتلال من سوء ما قاموا به ، وبدأت دعاوى فك الحصار عن غزة تملآ الآفاق لدرجة أصبحنا نشعر بأن إنهاء الحصار قاب قوسين أو ادني، ولكن في خضم تداعيات المجزرة ، وردود الأفعال القوية في مختلف أنحاء العالم والتي تمثلت في المظاهرات الشعبية أمام السفارات الإسرائيلية في أوروبا وأماكن كثيرة في العالم ، وفي الدول العربية ، وسيل التصريحات المنددة والمستنكرة لهذه الجريمة ، والدعوات الجادة لإنهاء الحصار حتى من منظمة الأمم المتحدة التي ظلت صامتة أمام معاناة أهل قطاع غزة سنين طويلة ، ومن الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الأول لإسرائيل يمكن ملاحظة تراجع مكانة المصالحة الوطنية الفلسطينية الهادفة إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني في هذا الخضم الإعلامي الكبير الذي واكب المجزرة الإسرائيلية في عرض البحر وما بعدها ، إن هدف الشعب الفلسطيني الاستراتيجي هو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف هذا الهدف الذي يواجه بعقبات أهمها وأخطرها عقبة الانقسام الفلسطيني لان من شأن هذه العقبة إنهاء وضياع المشروع الوطني الفلسطيني وهو ما يسعى إليه عدونا المتربص بنا ، تراجعت مكانة المصالحة بينما انشغلت ماكينة الإعلام العربي والدولي وحتى الفلسطيني في أمور بعيدة عن متطلبات المرحلة الفلسطينية الراهنة التي تقربنا من تحقيق أهدافنا، ربما بهدف خلط الأوراق في سياق التنافس الدولي والإقليمي على هذه المنطقة ، لا ندري فالأيام كفيلة بكشف المستور إلا انه يمكننا تحديد أمرين هامين أخذا مساحة كبيرة في وسائل الإعلام ساهما بشكل كبير في تراجع مكانة المصالحة وهما:

أولا: حملات التشكيك في دور بعض الدول العربية وموقفها من الحصار وتأتي مصر على رأس هذه الدول، ولكن هذا التشكيك لم يدم طويلا لان مصر سرعان ما قامت بقطع الطريق أمام المشككين وذلك بفتح معبر رفح البري أمام حركة المواطنين في قطاع غزة في خطوة قابلها أهالي قطاع غزة بارتياح كبير.

ثانيا : المبالغة في تصوير الدور التركي الذي برز في هذه القضية بشكل لم يسبق له مثيل ، وقبل الإشارة إليه ، لا بد من الإشارة إلى أن ترحيب الفلسطينيين بكل يد عربية كانت أو إيرانية أو تركية أو من أي مكان تمتد إليهم بالمساعدة من البديهيات، كما أن الشعب الفلسطيني لا يعض اليد التي تمتد إليه بالخير ، ولكننا هنا بصدد محاولة تحليل موقف ودور تركيا الذي برز مؤخرا حتى ما قبل المجزرة متخذين من مسألة أسطول الحرية نقطة البداية، فصحيح أن السفينة التي تعرضت إلى الاعتداء الإسرائيلي سفينة تركية، والشهداء الذين سقطوا هم شهداء أتراك ، وان ردود الأفعال التركية على هذا الاعتداء كانت قوية نوعا ما لدرجة أن لقي صداها الواسع في منطقتنا العربية التي وجدت في تركيا ربما المخلص الوحيد لهذه الأمة من حالة الضياع التي هي فيه ، وبدا أن قادة تركيا كقادة عرب عظام .

وعلى الرغم من الغضبة التركية من الفعلة الإسرائيلية فإن تركيا لا يمكنها المغامرة بمصالحها القومية، ولنقرأ ما بين السطور فمن التهديد التركي القوي بالرد على إسرائيل ومحاسبتها إلى الدعوة لفك الحصار عن قطاع غزة شرطا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل ، هذا يعني أن العلاقات التركية الإسرائيلية يمكن أن تستأنف حال إنهاء الحصار بمعنى أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع بل ربما انخفضت أو تم تجميدها ، إذن ماذا تريد تركيا من هذا الضجيج الذي ملا المنطقة هاتفا باسمها ورافعا علمها ، أقول انه الصراع والتنافس الإقليمي على النفوذ في هذه المنطقة التي لم يكتب لها الوحدة والتوحد منذ زمن طويل، حيث يبدو أن التاريخ يعيد نفسه لقد كان هناك تنافسا صفويا شيعيا وعثمانيا سنيا فيما مضى ، هذه هي لعبة الصراع التي قد نشهدها فإيران التي بات نفوذها واضحا في جنوب العراق لتمتد به عبر علاقات قوية مع سوريا وحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين ، أما تركيا التي تستشعر الخطر الإيراني وتغلغله في المنطقة ترغب في تلجيم هذا الخطر بسياسات معلنة أولها عرضها للمساعدة في حل مسالة الملف النووي الإيراني والتي أبرزها الاتفاقية الثلاثية لتبادل اليورانيوم الإيراني المخضب ، وبروزها على خط المفاوضات السورية الإسرائيلية كدولة وسيطة ، وأخيرا على خط الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة ، إذن هو تنافس وصراع قديم جديد على المنطقة ، مع استغلال كل الأطراف قضايا المنطقة وأهمها الآن القضية الفلسطينية لاستقطاب الأتباع والأحلاف لخدمة سياساته واهدافة والدليل ما أعلنته تركيا عن تطبيع علاقاتها مع إسرائيل مشروطة بفك الحصار عن غزة ، بمعنى لم تطالب تركيا بجلاء القوات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية المحتلة ، ولم تعلن تركيا عن قطع علاقاتها العسكرية والإستراتيجية مع إسرائيل، ولم تسحب سفيرها من تل أبيب على الأقل، محصلة القول ضرورة التمهل والتروي قبل إصدار الأحكام واتخاذ المواقف و حذاري من ارتداء الثوب التركي .

إن تراجع مكانة المصالحة الوطنية خلف الضجيج الإعلامي الذي صاحب المجزرة الإسرائيلية بحق المتضامنين في أسطول الحرية وردود الأفعال القوية عليها ، يدفعنا إلى دق ناقوس الخطر إن إنهاء الحصار أو بعض أشكاله بات قريبا والسؤال ماذا بعد إنهاء الحصار؟ هل سيبقى الحال كما هو عليه من انقسام وتشرذم؟ ، وعلى الرغم من الحصار قد أخذ منا مأخذه لكن هل كان الحصار قضيتنا الرئيسية، إذا كان كذلك فأين وحدتنا الوطنية ، أين مشروعنا الوطني ، وأين ذهبت دماء الشهداء وأنات الجرحى وآهات الأسرى.

اعتقد أن الوقت قد حان بل ان الظرف مناسب جدا لإنهاء الانقسام والعودة إلى الوحدة الوطنية واللحمة الوطنية وبدون إنهاء الانقسام فسوف لا نفرح طويلا بإنهاء الحصار.

أكرم أبو عمرو غزة- فلسطين Akrmabuamer7@hotmail.com

http://www.miftah.org