|
غيتس.. وأردوغان.. والاتحاد الأوروبي
الموقع الأصلي:
في تصريح له مؤخراً، حمَّل وزير الدفاع الاميركي غيتس، الاتحاد الاوروبي مسؤولية تحوُّل سياسة رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا نحو الشرق الاوسط، نتيجة رفض قبول تركيا عضواً في الاتحاد الاوروبي، برفضهم على حد زعمه، منح انقرة نوعاً من الارتباط العضوي الذي تسعى اليه تركيا منذ عام 2005 حيث لم تنجح في فتح سوى 15 فصلاً من اصل 35 فصلاً للاتحاد الاوروبي.
لقد تناسى وزير الدفاع الاميركي الذي هاله هذا التحول التركي لمنطقة الشرق الاوسط، ان هدف السيد أردوغان من سياسته الشرق الأوسطية الجديدة ليس الانضمام الى اوروبا فحسب بل رغبته في احلال السلام العادل والدائم في المنطقة ورفع الحصار عن غزة واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، لذلك فقد بذل جهوداً كبيرة ومضنية لالقاء الضوء على هذه القضية سواء في مناظراته مع بيريز في جنيف مؤخراً، او في دعمه لحقوق الشعب الفلسطيني عبر مطالبته بحل الدولتين. او برفع الحصار عن غزة بارسال سفن اسطول الحرية والتي اسفرت هذه الحملة الوطنية عن استشهاد تسعة من الاتراك دفاعاً عن أبناء غزة الذين يعانون الكثير جراء هذا العدوان الاسرائيلي القاضي بتجويع اكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني. فالحرب التي شنتها اسرائيل على اسطول الحرية هي حرب على العالم كله.. لأنها ارادت اظهار (قوتها.. وشجاعتها) على هؤلاء العزل من العالم الذين جاؤوا لاعلان تضامنهم مع الفلسطينيين في مواجهة ما يتعرضون اليه من معاناة ومحاربة للظلم والقهر والباطل، خاصة وان هؤلاء الناشطين والمتطوعين ينضمون الى اكثر من خمسين دولة وتجاوز عددهم اكثر من (750) شخصاً. هؤلاء قرروا انضمامهم لاسطول الحرية لينبهوا العالم الى الخطر الداهم الذي يواجه اهالي غزة وبضرورة رفع الحصار عنهم الذي مضى عليه اربع سنوات دون تحرك جهة محددة ممن اجل كسر هذا الحصار.. وليس غرضه كما يدعي غيتس لفت انظار الدول الاوروبية الى حقيقة انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي والذي يواجه مشاكل كثيرة منها خطر الافلاس التي تواجهه اليونان والمجر، وتدهور عملة اليورو الى ادنى مستوى لها.. فضلا عن الخلافات الحادة التي تعصف بهذا الاتحاد. وقد كان واضحاً للسيد اردوغان عندما قال (ان انضمام بلاده الى الاتحاد الاوروبي لن يزيد من اعباء الاتحاد بل يتيح فرصة لتقاسم هذه الاعباء مما ييسر مواجهتها)، وهذا يؤكد ان انضمام تركيا لهذا الاتحاد سيدعم نشاطات اوروبا ، بكل الوسائل لان تركيا دولة قوية وتتصف بسياسة حكيمة وارادة صلبة وقوية في اقامة اسلام الدائم والعادل في الشرق الاوسط ، فضلا عن انها تنطلق من رؤية صائبة لانهاء الانقسام بين الفلسطينيين - فتح وحماس - وسعت جاهدة مع البرازيل لانهاء الخلافات الاميركية والاوروبية حول ملف ايران النووي السلمي. اذن.. لم تكن الاسباب المباشرة لتوجه اسطول الحرية الى غزة، او سياسة أردوغان نحو الشرق الاوسط، عزوف الاتحار الاوروبي عن قبول تركيا عضواً في هذا الاتحاد، بل كان هدفه احلال السلام في المنطقة ولفت النظر الى ان سياسة الولايات المتحدة الاميركية والدول الاوروبية تجاه المنطقة وبخاصة الفلسطينيين، تتسم بقصر النظر والخيبة وعد الرؤية السليمة من أن جوهر السلام يكمن في احلال الامن والاستقرار في المنطقة. فالولايات المتحدة التي تأخذ على أردوغان التحول الكبير في سياسته نحو العرب والفلسطينيين، ينبغي ان تتوقف عن دعمها اللامحدود لاسرائيل، كي تذعن الاخيرة الى السلام الدائم والعادل في المنطقة بدلاً من اتهامها تركيا بالتوجه نحو الشرق الاوسط لفشلها بالانضمام الى عضوية الاتحاد الاوروبي لان تركيا وجدت ان هناك غبنا وحيفا كبيرين حيال قضايا السلام فانطلقت لحله لانه من الافضل ايجاد الحل المنشود للقضية الفلسطينية العادلة بدلا من الانتظار طويلاً لكي توافق الدول الاوروبية على انضمامها لهذا الاتحاد وهي الذي تقدمت للحصول على عضويته في عام 1987 غير ان هذا الانضمام كما يقول المراقبون، ما زال يثير جدلاً حاداً داخل النادي الاوروبي، فالمؤيدون له يعتبرون انقرة جسراً هاماً للتقارب والحوار مع العالم الاسلامي، بينما يحذر المعارضون له من تداعياته الكبيرة على مستقبل مشروع الوحدة الاوروبية، وهو ما تقوده فرنسا، فضلا عن ذلك فان المراقبين يتوقعون ان تكون المفاوضات مع تركيا الاكثر وعورة حتى الآن بعد اسطول الحرية وكذلك المعارضة الشعبية في النادي الاوروبي الغني والكلفة الاقتصادية العالية، لذلك مما يعرقل طريق العضوية. نعتقد ان تركيا سارت بالطريق الصحيح والتوجه السليم نحو اقامة علاقات جادة وقوية مع دول الشرق الاوسط لسياسة اردوغان الحكيمة الداعمة لقضايانا الوطنية والقومية، والتي لن يكون لها تأثير على انضمامها الى النادي الاوروبي، لان تركيا لم تعد مهتمة بالانضمام الى اوروبا اذا ما استمرت في وضع العراقيل حيال قبولها في هذه العضوية لانها تتمتع بموقع جيوسياسي فريد من نوعه لانها تشكل حلقة الوصل بين قارتي آسيا واوروبا، الامر الذي سيشكل ميزة استراتيجية لاتحاد اوروبي تكون تركيا جزءاً منه. فمرد تحميل اللوم من وزير الدفاع الاميركي للاتحاد الاوروبي لتأخيره قبول تركيا في عضويته هو لكون سياسة أردوغان احرجت الولايات المتحدة في سياستها غير العادلة والمنحازة لاسرائيل وهي التي وعدت عبر خطابين للرئيس الاميركي اوباما في القاهرة وفي انقرة بانها مستعدة لاحلال السلام الدائم في المنطقة، وهي لم تستطع ذلك بسبب اللوبي الاسرائيلي المسيطر على الصناعة والاقتصاد في الولايات المتحدة ومطالبة الكونغرس الاميركي باستمرار بدعم هذه السياسة الاسرائيلية العنصرية والفاشية المؤيدة للعدوان. والواقع فان انضمام تركيا الى اوروبا سيدعم الاقتصاد الاوروبي، لانها تمثل الاقتصاد الاقوى على مستوى النمو في القارة العجوز خلال العقد المقبل، خاصة وانه اذا أخذنا بعين الاعتبار دور الاسلام في هذا البلد الى جانب علاقتها القوية مع العالم الاسلامي فسنجد اننا امام دولة قوية تسهم في تعزيز ثقافة الحضارات فضلا عن ان الاقتصاد التركي يحظى حالياً بسابع اكبر اقتصاد على مستوى القارة الاوروبية لأن الناتج المحلي الاجمالي لتركيا اذا ما تم احتسابه وفق معيار تكافؤ القوى الشرائية فاننا نجده قد ارتفع بحوالي 163 في المائة خلال الفترة من عام 1992 حتى عام 2009 ليتجاوز بذلك الارتفاعات المحققة على مستوى معظم الاقتصاديات الاوروبية، وهذا يعني ان تركيا لا يهمها الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، لانها دولة ذات سياسات صائبة على المستويين المحلي والدولي وتلعب دوراً رائداً في هذا القرن لحل المشكلات العربية والدولية بعد ان فقدت الولايات المتحدة والدول الكبرى الاخرى (بوصلتها) الحقيقية تجاه ازمة الشرق الاوسط وجوهر الصراع في المنطقة. فهل تعيد الولايات المتحدة حساباتها مجددا تجاه المنطقة بدلا من ان يلقي غيتس باللوم على الاتحاد الاوروبي لانه لم يقبل تركيا عضواً في هذا النادي، الامر الذي غير مسار السياسة التركية نحو العالمين العربي والاسلامي. * رئيس تحرير جريدة الكاتب العربي، الأُردنية. - abdqaq@wanadoo.jo http://www.miftah.org |