|
المصالحة وحدها ستعيد الجدية للموقف التفاوضي!
الموقع الأصلي:
لا تزال حلقات مسلسل ميتشل متتالية، ولا تزال اسرائيل تمارس لعبتها المعروفة وهي طلب المزيد من التكنولوجيا الحربية والأسلحة المتطورة بحجة ان تعزيز أمنها يعزز من ثقتها بالأمن واستعدادها لتقديم «التنازلات» المطلوبة منها لدفع العملية السياسية الى الامام، والذي تابع ويتابع كل المحاولات السابقة لتحقيق انفراج في العملية التفاوضية يكتشف ان العملية كانت دائما تراوح مكانها وان اسرائيل هي الوحيدة المستفيدة من ذلك اذ ان الادعاء بأن هناك عملية سياسية يعطي اسرائيل الفرصة لاقتناء احدث وسائل القتال والدمار لتضاف الى ترسانتها النووية والتقليدية، اضافة الى ان هذه العملية تشكل غطاء لاستمرار الانشطة الاستيطانية والتوسعية التي بحد ذاتها تقتل كل أمل في تحقيق تقدم في العملية التفاوضية وتكرس بقاء الاحتلال واستمرار الصراع واتخاذه اشكالاً متعددة، هذه الحقيقة تؤكدها الانباء المتسربة من واشنطن عن «ازدهار» التعاون الأمني والعسكري الاميركي - الاسرائيلي هذه الأيام.
واذا كان السناتور ميتشيل قد نجح الى حد ما في وساطته بايرلندا وحقق ذلك السلام الهش هناك، فان الوضع هنا مختلف تماما، واسرائيل لا تخفي ابداً نواياها في استمرار نهب الاراضي المحتلة وما في جوفها، وتؤكد المرة تلو الأخرى فشل الرهان على امكانية حدوث تغيير في المنهج الاسرائيلي الذي يتحرك باستمرار نحو اليمينية المتطرفة التي تشكل خطراً ليس فقط على الاسرائيليين أنفسهم وانما على المنطقة بأسرها اذا ما استمر الحال داخل اسرائيل كما هو عليه، والذي تؤكد كل المؤشرات القادمة من الاوساط الدينية والاستيطانية وممثليها بالكنيست بأنه سيستمر . السناتور ميتشيل غاد آت، والصحافة لم تعد تبدي الكثير من الاهتمام بتحركاته، والواضح ان هناك من هم معنيون بمجرد استمرار زيارات ميتشيل لانها تعطيهم الفرصة للادعاء بأن العملية مستمرة، وتتيح لهم في نفس الوقت رؤية أنفسهم على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد، او الاستمرار في تنفيذ مخططاتهم . لقد آن الآوان للسناتور ميتشيل ان يدرك بأن الجانب الاسرائيلي لا يُحلب، وانه ان أراد أن يثبت لنفسه وللعالم عكس ذلك فإن عليه ان يتقدم بأسئلة محددة لرئيس الوزراء نتانياهو وحكومته ويطلب اجابات واضحة وعندها ربما يصدق بأن الجانب الاسرائيلي لا يُحلب، أما اصراره على الاستمرار في جولاته العقيمة فإنه يندرج في اطار المثل الشعبي الدارج «بنقول ثور بيقولوا احلبوه. "لقد أدرك هذه الحقيقة المبعوث الدولي جونار يارنغ في السنوات الأولى للاحتلال، وحين وصل الى ما توصل اليه بأن اسرائيل غير معنية بانهاء الاحتلال وجه سؤالاً واحداً لها وهو عما اذا كانت تقبل من حيث المبدأ بفكرة الانسحاب وانهاء الاحتلال وحين لم يحصل على الرد ادرك انه يدق الماء في الهاون وقرر انهاء مهمته. قد يقول قائل باننا لا نستطيع تحمل مسؤولية وضع تتوقف فيه مهمة السناتور ميتشيل ونقف بوجوهنا نحو الحائط. والرد هو اننا منذ دخلنا فيما يسمى بالعملية السياسية وجدنا انفسنا بعد وقت قصير نقف ووجوهنا نحو الحائط وان كل المبادرات والوساطات وخرائط الطرق والمبعوثين لم تغير من الوضع شيئا سوى انتزاع المزيد من التنازلات من طرف واحد هو الطرف الفلسطيني في حين يستمر الطرف الاخر في رفع سقفه التفاوضي ويتعسف في شروطه وتصرفاته التي تجهض اية جهود للتسوية. لقد جرت هذه العملية الوبال على الهدف الاستراتيجي للشعب الفلسطيني اذ ادخلت قيادته ومنذ اواخر الثمانينات الى عملية تساوق مع المطالب والشروط الاسرائيلية والضغوط الدولية. فخيار الدولتين لم يكن خيارا فلسطينيا وانما كان الخيار هو الدولة الديمقراطية في كل فلسطين، ولكننا رضخنا لعمليات التوليف والتدجين فقبلنا بحل الدولتين استجابة لمن قالوا بان الاسرائيليين يريدون دولة ذات اكثرية يهودية توفر لهم الامن والامان بعد ما عانوه من كارثة المحرقة التي افقدتهم الثقة بالاخرين واثبتت حاجتهم الى ملجأ قومي يوفر لهم الامن وعدم الملاحقة . ودخلنا العملية السياسية مفترضين ان مجرد قبولنا بدولة فلسطينية على حدود 1967 بما في ذلك القدس العربية سيجعل الاسرائيليين والعالم يهتفون بحياتنا ويشيدوا بواقعيتنا وقناعتنا بقبول 22? فقط من فلسطين لقاء تحقيق الامن والسلام والاستقرار للاسرائيليين والفلسطينيين والمنطقة. وفوجئنا بان الطرف الاخر، لم يعر ذلك اهتماما بل مضى في المراوغة والتهرب من استحقاقات العملية السياسية لكسب الوقت وخلق حقائق الامر الواقع على الارض لاجهاض فكرة الانسحاب ومنع اقامة دولة فلسطينية على حدوده لان مثل هذه الدولة مهما كانت ستظل شوكة في ظهره الى ان تلهبه. وحين بدأ الطرف الاخر يدرك ان الوقت لا يسير لصالحه واكتشف ما يسميه بـ «الخطر الديمغرافي» بدأ يسعى لترسيم حدود دولته حسبما يشاء ليترك خلف حدودها الانية اشلاء لا تصلح لان تكون دولة وتظل تحت سيطرته العسكرية والاقتصادية والحياتية مهما اطلق عليها من تسميات وهمية. ولقد ساعده في مثل هذا الترسيم ما سبق ان تم اقتراحه من حيث المبدأ في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 وهو القبول بمبدأ «تبادل الاراضي»، واصبح يبني في كل المواقع الاستراتيجية بما في ذلك محيط القدس بحجة ان البناء يتم «فقط» في المناطق التي سيتم تبادلها مع الفلسطينيين بالرغم من حقيقة انه لم يتم اي اتفاق مع الجانب الفلسطيني بهذا الصدد وبشأن اية منطقة. ومع ذلك فان المرء لا يستطيع ان ينكر بأن السقف التفاوضي الفلسطيني قد تدنى كثيرا بسبب الضغوطات التي مورست على القيادة الفلسطينية خلال السنوات الماضية، وبسبب اضطرار هذه القيادة الاستجابة للضغوط تارة ودرء تهمة التطرف وتأييد العنف تارة اخرى .. والمطلوب الان فلسطينيا هو اعادة الاحترام للموقف التفاوضي الفلسطيني ورفع هذا السقف واعادته الى نقطة جعل الدولة على حدود الرابع من حزيران 1967 بما في ذلك القدس هي الحد الادنى المقبول فلسطينيا وليس موقفا تفاوضيا للدخول في بازار شرقي حسب المفهوم الاسرائيلي ينتهي بشبه دويلة. ويقينا ان العامل الجدي الوحيد الذي يستطيع ان يتيح للمفاوض والقيادة الفلسطينية رفع سقفها التفاوضي وجعل مثل تلك الدولة نهاية للتفاوض وليست بداية له هو ادخال عنصر فلسطيني جديد في العملية السياسية يشد البراغي ويسند الموقف ويجعل الاخرين يتعاملون معنا بجدية اكثر. ومثل هذا العنصر لا يمكن ان يتوفر الا اذا تحققت المصالحة الوطنية والشراكة السياسية واصبحنا نكمل بعضنا البعض لا يسعى احد للحلول محل الآخر. http://www.miftah.org |