حماس: حين تتغلب «الطالبانية»على «الأردوغانية»
بقلم: * عريب الرنتاوي
2010/7/24

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=11808

في الوقت الذي تعمل السعودية فيه ، على"تحجيم" جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو "الشرطة الدينية" كما توصف في بعض وسائل الإعلام الغربي ، تطالعنا حكومة حماس في غزة ، بقرارات وإجراءات تنتمي إلى هذه "المدرسة الدينية الآفلة" ، فليس من تفسير لإجراءات منع النساء من تدخين الأرجيلة في الأماكن العامة والمفتوحة ، وقبلها فرض الحجاب والجلباب على طالبات المدارس والمحاميات والمدرسات ، وما بينهما من حظر استخدام الدراجات النارية على النساء ، وإلزام الأزواج بتأبط "عقود قرانهم" إن هم قرروا التنزه مع نسائهم ، أقول ليس من تفسير لهذه الإجراءات سوى النزوع نحو "سلفية طالبانية الطراز" ، ليس من تفسير لهذه السلوكيات سوى غلبة "الطالبانية الاجتماعية" على "الأردوغانية الحضارية" في فكر حماس وممارستها.

في معرض تبريره للقرار التعسفي بمنع النساء من تدخين الأرجيلة يقول أحد قادة شرطة حماس: "أن هذه ظاهرة غربية عن مجتمعنا" ، والحقيقة أن الغريب عن مجتمعنا هو هذا السلوك الأصولي المتشدد الذي تفاقمت ملامحه خلال سنوات حكم حماس في القطاع ، فالفلسطينيون شعب منفتح ومتسامح ، والمرأة الفلسطينية قبل 48 وبعدها ، تمتعت بأدوار ومكانة اجتماعية وبمستوى من الحريات الشخصية ، تضيق بها "المدارس الإخوانية المتأثرة حديثا بالسلفية" ، إذ حتى الإخوان المسلمون في طبعاتهم الأولى كانوا أقل تشددا وتزمتا بالمعنى الاجتماعي قبل أن تطالهم وتطاولهم موجات المد السلفي في العقود الأربعة أو الخمسة الفائتة.

كنا سنأخذ قرار حماس في سياقه الصحي ، لو أن الأمر تعلق بمحاربة التدخين بكل أشكاله ، وعن أي "جنس" صدر ، أما أن تُستهدف النساء دون الرجال في "الحرب الأرجيلة" ، فهذا أمر نستهجنه ونرفضه ، مع إحساسنا العميق بالأسف أننا نجد أنفسنا في موقع الدفاع عن حق المرأة في ممارسة هواية ضارة بها وبصحتها ، لكن المسألة مسألة مبدأ عام ، يقوم على رفض "الطالبانية" بكل أشكالها وتجلياتها في المجتمع الفلسطيني ، ويدين استعارة أنماط وأساليب القهر الذي مارسته في دول عدة ، شرطة دينية المدعومة من فقهاء الظلام.

المجتمع الفلسطيني مجتمع تعددي ، كان كذلك قبل 48 وبعد 67 ، قبل حماس وسيظل بعدها ، وليس من حق أحد أن يستبد أو يتغول في ممارسة السلطة ، والمرأة الفلسطينية لها حقوقها وحرياتها الشخصية ، ولا يمكن لها أن تقبل العودة إلى "قفص الحريم" أو زمن "الحرملك" ، المجتمع الفلسطيني نشأ وتربى على الاختلاط في الأفراح والأتراح ، والمرأة الفلسطينية محترمة وهي تمتطي الدابة أو تركب الدراجة النارية ، وليس من حق أحد أن يلقن الناس دروساً في الآداب العامة.

ومما يؤسف له حقا ، أن حكومة حماس تقارف هذه "الخطوات الطالبانية" المثيرة للجدل والانقسام ، في وقت هي في أشد الحاجة فيه لكل صوت متضامن أو مؤيد أو متفهم ، لكأنها تقرر عن سبق الترصد والإصرار أن تفتح على نفسها معارك وجبهات في مجال حقوق المواطن والإنسان ، في الوقت الذي لم تحسم فيه المعركة الرئيسة مع الاحتلال والحصار والجوع ، أو لكأننا فرغنا من جميع معاركنا وحروبنا ولم يبق علينا سوى تكثيف حملات البحث والتفتيش عن قسائم الزواج في جيوب المارة والمتنزهين.

ومما يزيد من مشاعر الأسف والقلق ، أن هذه الإجراءات تأتي في ذورة انتعاش "اللحظة التركية في الشرق الأوسط" ، لكأن القوم لم يدركوا بعد كنه الأردوغانية وسعة أفقها وقدرتها على حفظ التنوع وإثراء الاختلاف ، لكأن هذه التجربة لم تنهض كمثال على القدرة على احتواء الجميع والتعامل مع مختلف التناقضات والمؤثرات ، لكأنها ليست الشاهد الحي والملموس على الافتراق والطلاق عن الطالبانية الدوغمائية التي يبدو أنها ما زالت تثير إعجاب البعض في القطاع المحاصر.

قد يقول قائل أنك تبالغ في نقد إجراءات الحكومة المقالة ، وأن الأمر برمته لا يستحق كل هذه "الغضبة المضرية" ، والحقيقة أنني أخالف أصحاب هذا الرأي ، فإذا كانت حماس في وضعها الصعب الراهن تفعل ما تفعل على هذا الصعيد ، فما الذي ستفعله إن استتب لها الأمر ودانت لها السلطة بصورة مستقرة ومستدامه ، ما الذي ستفعله إن فقد المجتمع الفلسطيني قدرته على "مقاومة" هذا الشطط والتغول و"الشمولية" ، ما الذي ستفعله إن طال بها المقام في الحكم في غياب الانتخابات وتبادل السلطة؟.

لا ينبغي الاستهانة بمحاولات فريق فرض تصوراته الخاصة على المجتمع برمته ، لا ينبغي التسامح مع سلطات تسلب المواطنين حقوقهم ، بما في ذلك حقهم في التدخين ضمن ضوابط صحية ، وليس بناء على "الجنس" ، وإن لم تقاوم إجراءات حماس في هذا المجال اليوم ، فإن سلوكها في المستقبل سيتفاقم وسيطال جوانب أخرى من حياة الناس الاجتماعية والخاصة ، وسيكون من الصعب استرداد الحقوق والمكتسبات ، ولذلك أقترح على الرائدات من نساء غزة ، كسر قرارات حماس التي تندرج في سياق التمييز ، حتى وإن أدى ذلك إلى تدخل شرطتها وهراوتها ، ولتتحمل حماس ، حكومة وحركة ، المسؤولية عن "نزعتها الطالبانية" أمام المجتمع والعالم.

http://www.miftah.org