|
تلفزيون فلسطين: نجاح "وطن ع وتر' وإخفاق 'فوبيا'
الموقع الأصلي:
ثمة فرق بين إعلام الدولة وإعلام الحكومة، فإعلام الدولة بمفهومه الأشمل يعني أن تكون وسائل الإعلام التي تديرها الدولة مساحة حقيقية تعكس كافة أطياف هذه الدولة من حكومة وشعب، وطالما أن كلمة الشعب تعني أطيافا مختلفة، فان إعلام الدولة لابد أن يكون قادرا على احتواء كافة هذه الأطياف، بخاصة أن الفرد يسهم بشكل غير مباشر في تمويل هذه وسائل الإعلام المملوكة للدولة عن طريق الضرائب ورسوم الإذاعة والتلفزيون.
أما إعلام الحكومة بمفهومه الضيق فيعني سيطرة الحكومة على وسائل إعلام تعطي مساحة لوجهة نظر الحكومة وما يتماشى معها من رسائل إعلامية، وهذه المساحة لا تتسع لوجهات النظر الأخرى مهما كانت مهمة وتعبر عن فئات كبيرة في الدولة. عند الحديث عن تلفزيون فلسطين الذي مر بتجارب وتحديات عديدة خاصة المأزق الذي وقعت فيه شاشة فلسطين بان أصبحت ذراعا إعلامية لجهة ما ضد أخرى في مأساة الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وغزة. إلا أننا نلمح الآن بوادر لإعادة توجيه بوصلة تلك الشاشة بالشكل الصحيح لاسترجاع ثقة الجمهور الفلسطيني والعربي بها. أن التغيير الذي يسعى القائمون على تلفزيون فلسطين لإحداثه على الشاشة سيأتي بالتدريج، ولا يمكن أن يحدث بانقلابة واحدة بل على مراحل ليكون التغيير قائما على أساس إعلامي مهني مضاد للتخريب، وبالعادة الإصلاح يحتاج الى أضعاف الزمن الذي مضى على الوضع الخرب. انطلقت الدورة البرامجية لشهر رمضان المبارك هذا العام على تلفزيون فلسطين متضمنة مجموعة من البرامج التي حققت قبولا ملحوظا لدى الجمهور بل ونافست هذه الشاشة قنوات أخرى ضخمة يشاهدها الفلسطينيون والعرب، وهذا يأتي على الرغم من ان تلفزيون فلسطين يبث من عمق المعاناة التي يرسخها الاحتلال. إلا أن المجهود الكبير والنضال من اجل التغيير لا يخلو من إخفاقات وأخطاء كما لا يخلوا من النجاحات. والنظر إلى النصف المليء من الكأس أولا يعطي مجالا للتفاؤل ببرامج هامة ومميزة، فبرنامج " وطن على تر" الذي يحمل طابع "ستاند أب كوميدي" الساخر أسس لحالة متقدمة جدا من نقد الذات الفلسطينية المبنية أيضا على الثقة بعظمة هذه الذات غير المعفية من النقد، فقد استطاع الفنانون الفلسطينيون الثلاثة "عماد فراجين ومنال عوض وخالد المصو" أن يقدموا للجمهور مادة فنية إعلامية واقعية مهنية موضوعية ناقدة والاهم أنها صناعة فلسطينية مئة بالمئة، أسهمت في تقديم تلفزيون فلسطين كتلفزيون دولة لا تلفزيون حكومة او حزب سياسي، وما يشهد على براعة هذا البرنامج ما خلقه من جدل واسع في الأوساط السياسية والأهلية في المجتمع الفلسطيني بل في الدول العربية أيضا لجرأة الطرح وانتقاد مواطن الخلل مهما كانت، والدخول في تابوهات المجتمع العربي "الدين والجنس"، وقد صرح كثير من الفنانين والإعلاميين العرب ان كل دولة عربية بحاجة الى " وطن على وتر"، مع العلم ان البرنامج تعرض لانتقادات حادة لكنها تقليدية نابعة من "عقلية ألابوية" الخائفة. وحينما نعرج الى برنامج "أرزة وزيتونة" يزيد الإيمان ان شاشة التلفزيون تسير نحو التغيير، فقد سلط البرنامج الضوء على مأساة شعب فلسطيني ينساه الكثيرون في لبنان، حيث طافت الكاميرا الفلسطينية أزقة وأحياء المخيمات هناك، والتقت الفلسطينيين وأسمعت أصواتهم لكل الناس، وكم كانت لفتة مؤثرة لساكني مخيمات لبنان الخاوية ان تصلهم كاميرا تلفزيون فلسطين وتعطيهم الأمل أنهم جزء أساسي من قضية بدأت معالمها بخروج أول لاجي فلسطيني من أرضه. ولما منح تلفزيون فلسطين المشاهد في فلسطين فرصة مشاهدة وسماع أبناء شعبه في الشتات فقد منح أيضا أهل الشتات الفرصة كي يشاهدوا ويسمعوا الأهل في فلسطين المحتلة من خلال برنامج " تاكسي البلد" الذي تجول بالكاميرا مع سائقين في شوارع المدن الفلسطينية ناقلا الكلمة والصورة ببساطة تعطي الكثيرين شعورا أنهم زاروا تلك المدن. هذه الأمثلة من برامج تلفزيون فلسطين حملت ملامح الرسالة الإعلامية الحديثة التي تقوم على عنصر أساسي هو ان تكون قريبة من الناس وتلامسهم وتعبر عنهم مهما اختلفت ظروفهم ومواقفهم دون تكلف. هذا الى جانب البساطة والبعد عن تعقيدات الإخراج والإنتاج الفني الذي يجعل العمل واقعيا حقيقيا معبرا بعيدا عن التصنع والتجميل، فنحن اليوم نعيش في عصر الإعلام المجتمعي البسيط الذي يعكس الواقع الحقيقي للناس. أما النصف الفارغ من ألكاس في حالة تلفزيون فلسطين فهو الإقدام على التعاقد مع شركة إنتاج تلفزيوني من خارج فلسطين لإنتاج 33 حلقة تلفزيونية من برنامج "فوبيا الفن" ضمن الدورة البرامجية الرمضانية. ولا بد ان يطرح المشاهد الفلسطيني أسئلة حول هذا البرنامج، يتوجب على المسؤولين في تلفزيون فلسطين ان يجيبوا عليها من باب الشفافية والوضوح، خاصة حينما يعلم المشاهد الفلسطيني ان البرنامج أنتج داخل استوديوهات المدينة الإعلامية في الأردن، بتكلفة بلغت 120 ألف دولار، ويعده فريق ارني ويقدمه مذيع لبناني يعمل في الأردن، واستضاف البرنامج عددا من الفنانين المعروفين وغير المعروفين، وقد توزع المبلغ المرصود للبرنامج على حجز الأستوديو التلفزيوني بقيمة 30 ألف دولار، مضافا اليها 25 ألف دولار ديكور للأستوديو، في حين ان استوديوهات تلفزيون فلسطين في رام الله بحاجة الى الكثير من التحديث والصيانة، كما بلغت تكلفة تذاكر الطيران لضيوف البرنامج 30 ألف دولار، بالإضافة الى حجز غرفة "سويت" لكل ضيف في احد فنادق عمان بقيمة 750 دولار لليوم الواحد حيث أقام الضيوف في الفندق بين يوم ويومين، كما ان الجمهور الذي حضر الى داخل الأستوديو كان مستأجرا وتم دفع مبلغ 9 آلاف دولار لشركة خاصة تعهد بإحضار جمهور من الشباب والشابات بصفة "كومبارس" ليصفقوا للضيوف مقابل حصولهم على مياومات. بالإضافة الى حوالي 8 آلاف دولار لمعد ومقدم ومخرج البرنامج، وهذه معلومات حصلت عليها من احد العاملين في فريق عمل البرنامج. وبالحديث عن مضمون البرنامج فلم يتضمن أية إشارات خاصة لفلسطين كرسائل تضامن من هؤلاء الفنانين الى الشعب الفلسطيني، بل اقتصر المضمون على الحديث عن أغاني الفنان او أدواره التمثيلية والشائعات التي تدور حوله بالإضافة الى الحديث عن حياته الخاصة من حيث علاقات الزواج والحب وما شابه ذلك، وبالمجل رأى كثير من المراقبين والمهتمين ان البرنامج هو استنساخ ضعيف لبرامج أنتجتها فضائيات متخصصة ببرامج الفن مثل روتانا و MBC كبرامج الإعلامي اللبناني "نيشان" او "طوني خليفة" وغيرهم. ولوحظ ان الحوار على مدى وقت البرنامج وعلى طول الدورة الرمضانية خلا تماما من الحديث عن فلسطين والشعب الفلسطيني إلا بتحية يوجهها الضيف لشعب فلسطين في بداية كل حلقة قائلا " بوجه تحية كبيرة للشعب الفلسطيني"، وعند البحث عن الحكمة في إنتاج برنامج خاص بتلفزيون فلسطين يستضيف فنانين عرب، ويتم فيه تجاهل شعب فلسطين كليا او حتى الحديث ببعض الكلام عن قضية فلسطين، فقد حصلت على إجابة من احد القائمين على البرنامج ان مسؤولا في دائرة البرامج في تلفزيون فلسطين اشترط على الجهة المنفذة ان لا يتم التطرق لقضية فلسطين او سؤال الضيوف عن الشعب الفلسطيني او الوضع الذي يعيشه الفلسطينيون معتبرا ان الحديث عن قضية فلسطين كثير ونريد البرنامج فنيا خالصا، وان كان ذلك حقيقيا فيبدو ان ذلك المسؤول نسي ان أكثر من 500 محطة عربية لا تخلو يوميا من لقاءات مع نخبة الفنانين والنجوم العرب بمعنى ان الكلام عن الفن أيضا كثير وبطرق أكثر جودة مما قدمه هذا البرنامج، وعلمت من ذات المصدر ان بعض الضيوف الفنانين تم رفضهم من قبل ذلك المسؤول في دائرة البرامج، لكونهم يحملون ألوانا سياسية ربما قد تظهر خلال البرنامج. وباستمرار الحديث عن مضمون البرنامج فقد تضمن الكثير من المواقف المحرجة التي وضع المذيع نفسه فيها من خلال حديثه المستند لكثير من الأخطاء في المعلومات مما أثار استياء الكثير من الضيوف، أضف الى ذلك تعمد مذيع البرنامج إظهار الحلقات على أنها " بث مباشر" بتلفظه كل حلقة بان "البرنامج حقق نجاحات باهرة واحدث ضجة كبيرة ويستمر تعلق الجمهور بالبرنامج وان عدد المشاهدين يزداد" على الرغم من تسجيل البرنامج قبل شهر رمضان المبارك بفترة أي انه أنتج كاملا وسلم الى تلفزيون فلسطين قبل ان يعرض على الشاشة في شهر رمضان المبارك، فكيف عرف المذيع ان البرنامج احدث ضجة كبيرة وان النجاح يتواصل مع كل حلقة ويكبر؟ ألا يدلل ذلك على الاستخفاف بعقل المشاهد الفلسطيني في عصر الثورة الرقمية التي بات الجمهور فيها عاملا أساسيا في العملية الاتصالية؟ ليس مطلوبا من تلفزيون فلسطين ان ينافس على البرامج الفنية التي تختص بها قنوات لها إمكانيات كبيرة في الوطن العربي مثل "MBC" وروتانا، وليس المطلوب ان ينافس إخباريا أمام قنوات ضخمة كالجزيرة والعربية التي يرفدها عشرات المراسلين والمكاتب الصحفية في أنحاء العالم، كما انه ليس مطلوبا من تلفزيون فلسطين ان يقدم للجمهور آخر الأغنيات والأفلام. ان المطلوب من تلفزيون فلسطين ان يكون إعلام دولة "دولة فلسطين" وينافس بالمادة الإعلامية المحلية التي المستوحاة من مجتمع فلسطين، والتي تعطي تلفزيون فلسطين قيمة وميزة مختلفة عن القنوات الأخرى، فالقوة في تلفزيون فلسطين انه يقدم لنا حال الشعب الفلسطيني ورائحة الأرض المقدسة. ومطلوب أيضا من تلفزيون فلسطين ان يستمر في طريق وطن على وتر وتاكسي البلد وارزة وزيتونة وتلك البرامج التي تعيد الذاكرة لمدن حيفا ويافا وعكا، وان ينفق المال على تطوير أدواته في الداخل الفلسطيني وإعطاء الأولوية في الإنفاق الى تأهيل العنصر البشري وتأهيل جيل من المحترفين إعلاميا ليعطوا صورة أكثر إشراقا، ومنحهم الفرصة للإبداع، خاصة ان الإعلاميين الفلسطينيين يجوبون أنحاء العالم بخبرات عظيمة حبذا لو يتم استقطابها الى إعلام فلسطيني واعد عنوانه الحرية وخطه المهنية وإطاره الأخلاقيات الإعلامية.
http://www.miftah.org |