|
أهل الشمال وأهل الجنوب
الموقع الأصلي:
يجب أن نعترف أولاً أن جذور الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة لا يعود تاريخه فقط إلى تاريخ سيطرة حركة حماس بالقوة العسكرية على قطاع غزة في عام 2007، بل يعود إلى أقدم منذ ذلك بكثير، وعلى وجه الخصوص إلى العام 1993، حيث نشأت السلطة الوطنية الفلسطينية، ورافق ذلك بدء بذور الانفصال الثقافي والسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة بفعل قطع الاحتلال منذ التاريخ لأواصر التواصل ما بين هاتين المنطقتين، فيما لم تتخذ السلطة الوطنية الفلسطينية بالمقابل أية سياسات من شأنها تخفيف الفجوة، بل ساهمت بعض سياساتها وإن كانت بغير قصد في تعزيز الفجوة، التي أصبحت بيئة مناسبة لتحقيق الانقسام الجغرافي والسياسي حال تحققت الظروف الملائمة لذلك.
خلال هذه المرحلة لم تصر السلطة الوطنية الفلسطينية على تحقيق سياسة التواصل الجغرافي بين جناحي الوطن، بل على العكس من ذلك قل التواصل في مختلف الأصعدة، فجامعات الضفة الغربية التي كانت تستقبل سنوياً مئات الطلبة من قطاع غزة لم تعد تفعل ذلك بسبب تعذر وصول طلبة القطاع إلى الضفة الغربية، ومظاهر التواصل الاجتماعي بين الضفة الغربية وقطاع غزة تراجعت وأصبحت شبه منعدمة، ومؤسسات السلطة الفلسطينية كانت منقسمة وغير موحدة، فالجهاز الأمني في قطاع غزة يقابله في بعض الأحيان جهاز امني في الضفة الغربية يحمل نفس الاسم وقيادة منفصلة، والوزارات منقسمة بمرجعياتها بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وزير في قطاع غزة يقابله وكيل في الضفة يتمتع بنفس صلاحيات الوزير والعكس صحيح، مدير عام في قطاع غزة يقابله نائب مدير عام في الضفة في نفس الوزارة بنفس الصلاحيات، حتى رواتب الموظفين في هذه المرحلة كانت تتبع لمرجعيتين منفصلتين واحدة في الضفة الغربية والأخرى في قطاع غزة. المؤسسة التي كانت موحدة بشخص واحد دون مراكز قوى متصارعة في الضفة الغربية وقطاع غزة هي مؤسسة الرئاسة في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات رحمه الله، وكان الرئيس يقسم وقته بين شطري الوطن، معتمداً على ذاته وليس على مؤسسات في تحقيق التواصل بين كلا التجمعين. المجلس التشريعي كان أيضاَ بمثابة مؤسسة واحدة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، ومهمته الأساسية توحيد التشريعات التي فرقت بين الضفة الغربية وقطاع غزة سنوات طويلة، ونجح بالفعل في إقرار تشريعات موحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، خلقت في بعض الأحيان أجسام موحدة في كل من الضفة والقطاع، ومثال على هذه الأجسام نقابة المحامين، التي أصبحت رسمياً بين نقابة موحدة لكل المحامين، رغم أن أداة الانتخاب فيها لا تتم كوحدة واحدة، فمحامي القطاع كانوا ينتخبون ممثليهم فقط في النقابة ولا يشاركون في اختيار ممثلي الضفة الغربية، والأمر ذاته يحصل في الضفة الغربية، دون أن يلتئم كل المحامين في اجتماع موحد لينتخبوا مجلس النقابة، وهذا انعكس على باقي المؤسسات والمنظمات الشعبية والمهنية التي لم تقم بأية سياسات فاعلة تعزز الاندماج بين الضفة الغربية وقطاع غزة. المجلس التشريعي ورغم دوره السابق في توحيد التشريعات انجر في بعض مراحل عمله نحو تعميق الفجوة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، أو ما أصبح يعرف في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية بمحافظات الشمال ومحافظات الجنوب، فقد صوت أعضاء المجلس التشريعي في إحدى جلساته على أساس الانتماء الجغرافي للأعضاء، وليس على أساس الموقف السياسي، رغم أن غالبية أعضائه من نفس اللون السياسي، فقد صوت أعضاء المجلس التشريعي من قطاع غزة في إحدى المرات باتجاه وأعضاء المجلس من الضفة الغربية بالاتجاه الآخر، في دلالة على تغلب نزعة الانتماء الجغرافي على حساب الانتماء السياسي.. إن ما ذكرته في هذه المقالة لا يشكل حصراً لمؤشرات تعمق الفجوة التي زادت عما كانت عليه في عهد الاحتلال الإسرائيلي، فالكل يذكر كيف أن حادث السير الذي أودى بحياة أربعة مواطنين فلسطينيين من مخيم جباليا بتاريخ 7 كانون أول 1987 على حاجز ايرز لاقى صداه في في مخيمات الضفة الغربية أسرع مما لاقى صداه في قطاع غزة، حيث اندلعت على الفور في الضفة وفي قطاع غزة انتفاضة شعبية التزمت ببرنامج قيادة موحدة، وهذا بحد ذاته يشكل دلالة على عمق الترابط والتواصل بين هذين التجمعين في هذه المرحلة التي سبقت نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية. اعتقد أن سياسة القمع الإسرائيلي خلال عشرين عاماً من الاحتلال شكلت عامل توحيد وتقريب بين التجمعين في حين غاب عن بال من جاءوا للسلطة نتاج هذه الانتفاضة تعميق هذا التقارب رغم قدرتهم على فعل ذلك، فنتيجة هذا الغياب كانت استجابة أهل الضفة الغربية لمقتل أربعة أشخاص في كانون أول عام 1987 أكثر من استجابتهم لمقتل مئات الأشخاص في حرب مدمرة شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة في نفس الشهر من عام 2008، حيث كانت الاستجابة وردة الفعل خجولة، وأقل من أية ردة فعل في أي مكان من العالم، خاصة أن هذه الحرب جاءت في ظل انقسام سياسي متعمق بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بعدة سيطرة حماس على قطاع غزة. فجوة الشمال والجنوب، أو فجوة قطاع غزة والضفة الغربية أنكرنا وجودها بوعي أو بغير وعي، ولم نرها إلى أن حصل الانقسام المعلن بفعل سيطرة حماس العسكرية على قطاع غزة، وتبعتها سياسات عمقت الفجوة ليشمل الانقسام كل المؤسسات، وامتد ليشمل السيكولوجية الفلسطينية من الداخل. قصة صراع الشمال والجنوب لم تقف هنا، ولم تنتهي عند هذا الحد، بل أصبحت جزء من الثقافة السياسية والإدارية الفلسطينية، وتلاقي من يغذيها في هذا الوطن من أصحاب المصلحة الذين تتحقق مصالحهم الفردية والذاتية مع تعمق نعرة الانقسام. ولعل أخطر ما يجري حالياً في الوطن، ونصر ثانية على وضع رؤوسنا في الرمل كي لا نراه هو نعرة الشمال والجنوب في الضفة الغربية، فتجول أي شخص في مدينة رام الله ليوم واحد، واحتكاكه بمن يقطنون بها يكتشف هذه النعرة الآخذة بالاتساع والتعمق يوماً بعد يوم بين ما بات يعرف بأهل الشمال وأهل الجنوب في الضفة الغربية، فكثيراً ما نسمع كلمات تصنف بمضمونها بأنها عنصرية، كأهل الشمال سيطروا على البلد، أهل الشمال يؤخذون كل الوظائف، وغير ذلك من الأوصاف التي يطلقها بعض العامة، وكأن المدينة ليست لكل المواطنين كونها مقر قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية. ثقافة الشمال والجنوب اتسعت لدرجة أن أحد الأشخاص اشتكى شفويا على هامش حفل إفطار تم خلال شهر رمضان إلى عطوفة محافظ محافظة رام الله والبيرة من أن إحدى الأغاني التي تبثها إحدى الإذاعات المحلية في مدينة رام الله فيها كلمات تمس بكل من يتواجدون في مدينة رام الله من غير سكانها الأصليين، بل إن التلفزيون الفلسطيني أشار بشكل كوميدي في إحدى عبارته في برنامج وطن على وتر لهذه الظاهرة حين أشار إلى أن المدينة أصبحت مليئة بالعمال والحرفيين القادمين من الشمال للعمل في المدينة، وغير ذلك من المؤشرات. الثقافة العنصرية المبنية على هذه النعرة يجب رفضها والتصدي لها بشكل واضح وصريح، بل يجب وأدها وهي جنين في مهدها، فهذا وطن للجميع، وموارده حق للجميع، وعدالة توزيعها حق وواجب، حق للمواطن وواجب على السلطة. وفي المقابل يجب الانتباه إلى تصرفات وسياسات بعض المسئولين، وإن كانوا قلة قليلة ولا يشيرون إلى نهج، ممن يجدون ضالتهم في تعزيز نعرة الشمال والجنوب كأسلوب لتقوية نفوذهم وسلطتهم، وهنا أذكر بأحد المسئولين الذي تعرض أداءه الإداري لنقد شديد في وسائل الإعلام من قبل أهالي إحدى المحافظات، فبدل أن يفند هذه الانتقادات أو يقر بها ويعد بمعالجتها، استقوى بإثارة أهل منطقته الذين دعموه بحملة إعلانات في إحدى الصحف لتأييده ودعم أدائه في مناطقهم، وكأنه لسان حاله يقول تضليلاً إن ما تعرض له من نقد لا يستهدف أدائه بل يستهدفه كونه من محافظة أخرى، وهذا من رأيي اختباء وراء إثارة نعرات جعرافية لتغطية على القصور في الأداء. محاولات بعض هؤلاء المسئولين لتعزيز سلطتهم من خلال إثارة هذه النعرات وتعزيز الجهوية الجغرافية واضحة وأخذة بالازدياد، ولا تقتصر على ما ذكرناه سلفاً بل يتم ذلك في دوائر ومؤسسات أخرى بعضها مؤسسات حيوية للمواطنين، وهذا أمر في غاية الخطورة ويقود للفتنة والنزاع وتدمير المؤسسات التي تغذى فيها مثل هذه النزعة ما لم يتم وأدها في مهدها. إن وأد هذه النزاعات التي ستقود لا سمح الله للفتنة يتطلب سياسات وإجراءات عدة، ومن أعلى المستويات السياسية، ومن أول هذه الإجراءات يجب التحقق من صحة وجود نعرة الشمال والجنوب في بعض المؤسسات، وثانيها وجوب ضمان عدالة توزيع المنافع والموارد بين كل أجزاء الوطن ومواطنيه، وثالثها مراجعة سياسات التعيين في كل المؤسسات العامة والخاصة لضمان عدالة التوظيف وتصويب أي خطأ في حال كان، و رابعها وجوب ملاحقة كل مسئول يستغل منصبه لاثارة نعرات أو خدمة جهات بعينها على اساس جغرافي دون غيرها، وخامسها وجوب ضمان عدالة تمثيل كل المناطق الجغرافية في مؤسسات الحكم سواء كانت حكومة أو مجلس التشريعي أو المجلس القضائي أو باقي الهيئات العامة وغيرها من المؤسسات وفق معايير واضحة وشاملة تضمين عدم تهميش اي منطقة من المناطق الجغرافية، وسادسها أن تهتم مؤسسات المجتمع المدني برصد أية ظاهرة سلبية من هذا القبيل ووضع صانعي القرار بمخطارها حتى يتم وأدها في مهدها. إن تحقيق التنمية المستدامة في كافة المناطق وعدالة توزيع المنافع والموارد بين المواطنين هي الآلية التي يمكن من خلالها وأد أي نعرات جغرافية أو سياسية او اجتماعية أو دينية في مهدها وهي جنين، وهي الوسيلة التي نستطيع من خلالها تجنب تكرار ما حصل في قطاع غزة، والقاعدة التي يجب الانطلاق منها هي المساواة في الحقوق والواجبات، وتعميق مفهوم المواطنة في المجتمع، وخلع مفهوم الجهوية والمناطقية من جذوره، فهذا ما يحدث في المجتمعات الديمقراطية، ويجب أن يحدث لدينا في فلسطين * رئيس المركز الإعلامي القضائي- رام الله. - layan1012@hotmail.com http://www.miftah.org |