|
قراءة سياسية فى رزمة الحوافز ألأمريكية لأسرائيل
الموقع الأصلي:
لقد أعتدنا فى قراءتنا للأحداث أن نقيدها بالحدث نفسه ، دون التعمق فى الجذور والمكونات التى تحكم العلاقة بين دولة وأخرى . وأبتداء وكما أكدنا فى أكثر من مقالة أننا أمام نموذج خاص فى العلاقات الدولية ، فالعلاقة بين ألولايات المتحده واسرائيل ليست كأى علاقة بين الولايات المتحده وأى دولة أخرى بما فيها دول ألأتحاد ألأوربى التى تقع فى نفس الدائرة ألأستراتيجية . وبهذا المنهج ينبغى وضع رزمة الحوافز فى سياقها الصحيح ، هى ليست مجرد رشوة سياسية كما قد يصورها البعض ، وتتعدى أقناع أسرائيل بتجميد ألأستيطان لمدة ثلاثة أشهر ، هذه الصفقة وهذا هو المصطلح ألأكثر دقة ليست ألأولى التى تمنح لأسرائيل ، فتاريخ العلاقات بين الولايات المتحده وأسرائيل هو تاريخ متواصل من الصفقات ألأمنية والعسكرية وألأقتصادية. وتأتى هذه الصفقة متسقة مع ألأهداف ألأمريكية العليا ، فعلى راس هذه ألأهداف والمبادئ ألأمريكية فى المنطقة ألتزام الولايات المتحده بامن وبقاء أسرائيل ، وأخيرا ضمان التفوق التقنى لأسرائيل على حساب الدول العربية كلها . وقد يكون مبرر هذه الصفقة وتمريرها وحتى لا تغضب الدول العربية الصديقة والحليفة ان هذه الرزمة من الحوافز قد منحت لأسرائيل من أجل مصلحة الفلسطينيين ، ومن أجل تحقيق قيام الدولة الفلسطينية ، وهذا تفسير ساذج وخادع ، ليس لها مكان فى سياسات القوة التى تحكم علاقة الدول. ولفهم أبعاد وتداعيات هذه الرزمة لا بد من وضعها فى سياقها ألأمريكى ، وفى السياق ألأسرائيلى ، وأيضا فى السياق ألأقليمى لتحولات موازين القوة . ففى السياق ألأمريكى تأتى هذه الصفقة بعد فوز الجمهوريين بأغلبية مقاعد مجلس النواب ، وبالتالى هى رسالة من ألأدارة ألأمريكية الحالية أن الرئيس اوباما والذى يتطلع الى رئاسة ثانية ليس أقل تأييدا من اى رئيس امريكى سابق ، ولا من الجمهورين أنفسهم .وتاتى أيضا أرضاءا للوبى الصهيونى، وتأتى وهذا هو ألأخطر لأعتبارات سياسية أكثر منها عسكرية ، ولتدحض تحذيرات بعض ألعسكريين من أن أسرائيل قد أصبحت عبئا أستراتيجيا على الولايات المتحده ، فى حالة النموذج ألأسرائيلى دائما تغلب أعتبارات السياسة ألأمريكية الداخلية على أى أعتبارات أخرى . واقليميا وهذا هو البعد ألأكثر وضوحا فى الصفقة انها مرتبطة بموازين القوة ، التى تحرص االولايات المتحده ان تبقى تعمل فى صالح أسرائيل ، والصفقة تستبق كل المحاولات التى تقوم بها بعض دول المنطقة وخصوصا أيران لتغيير موازين القوى ألأقليمية ، وتتفوق على الصفقة السعودية ،وتؤكد ضمان تفوق اسرائيل على ما عداها من دول المنطقة ، ومن ناحية اخرى تبقى كل الدول العربية خارج موازين القوى ألأقليمة ، وهذا ما على الدول العربية أستيعابه ، على الرغم من كل العلاقات ألأقتصادية وألأستراتيجية التى تحكم علاقة الولايات المتحده بالدول العربية ، لكنها تعمل دائما على تفوق اسرائيل ، وكأن الولايات المتحده من خلال هذه الصفقة تريد أن تؤكد على طابع القوة الذى تقوم عليه أسرائيل . وقد يكون للصفقة علاقة أيضا بعملية السلام لكن من منظور أسرائيل ، فالصفقة تؤكد على البعد ألأمنى الذى تطالب به أسرائيل ، وفى هذا أستجابة لرؤية أسرائيل للسلام الذى يقوم على القوة ، وألأخذ فى ألأعتبار المتطلبات ألأمنية لأسرائيل . وهكذا لا يمكن فهم هذه الصفة ألا من خلال موازين القوة ألأقليمية التى تقوم عليه أسرائيل ، وفيها أيضا تأكيد آخر على الدور ألأخر الذى تقوم به أسرائيل فى ألأستراتيجية ألأمريكية العليا . وفى قيامها بدور الوكالة فى أى حرب أقليمية قد تشهدها المنطقة . إذن هذه الصفقة أكبر من أن يتم ربطها بتجميد ألأستيطان ألأسرائيلى فى ألأراضى الفلسطينية ، لكن الوجه السلبى لها أنها تبرز الولايات المتحده بالدولة الضعيفة فى علاقاتها بإسرائيل ، وقد تقلب موازين العلاقة بين دولة عظمى كالولايات المتحده ، ودولة صغرى بالمعنى السكانى والمكانى كإسرائيل . ومن تدعياتها الخطيرة أستمرار الرغبة من قبل دول المنطقة على أمتلاك مزيد من القوة العسكرية ، ولذلك قد تكون الصفقة بداية لسيناريو طويل من سباق التسلح فى المنطقة ، والذى من شأنه ان يأتى على حساب المشاريع التنموية التى تحتاجها دول المنطقة ، ويبقيها فى حالة من التبعية العسكرية الدائمة للولايات المتحده ، والدول الصناعية ألأخرى . وقد تقود المنطقة الى حرب أقرب ألى العالمية فى نتائجها وتداعياتها . وفى النهاية يبقى التساؤل قائما لمصلحة من تعقد هذه الصفقات ؟ فإذا كانت دول المنطقة تستبعد فى خياراتها حربا مع أسرائيل ، فمع من ستكون هذه الحرب ؟ ولا شك من شان هذه الصفقة ان تقوى موقف أسرائيل المتعنت من عملية السلام ، وأبداء مزيدا من المرونة السياسية للتعامل مع سلام حقيقى وواقعى أساسه قيام الدولة الفلسطينية .
http://www.miftah.org |