ورقة سياساتيه: خلق سياسات داعمة للمزارع الفلسطيني في المناطق الحدودية
بقلم: مفتاح
2021/7/7

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=15521

مقدمة

في الوقت الذي تحارب فيه حكومات العالم جائحة عالمية تؤثر على الصحة والاقتصاد في شتى أنحاء الأرض، تزيد ممارسات الاحتلال الاسرائيلي من تداعيات وآثار الفايروس على الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة، وتستمر بانتهاك حقوقهم الأساسية بما في ذلك الحق في الحياة، الحق في الصحة والحق في التمتع بمستوى معيشي مناسب.

فبالإضافة الى فرض حصار على قطاع غزة لأكثر من 13 عام، تقوم طائرات الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2014 برش المواد الكيماوية الخطيرة المركبة من مواد ك "الغليفوسات، وأوكسيجال، وديوريكس"، على الأراضي الزراعية للمواطنين الفلسطينيين في المناطق الحدودية لقطاع غزة بشكل دوري مرتين كل عام، حيث أنها قامت خلال العامين السابقين برش الأراضي الزراعية 17 مرة على الأقل. وتشير المعطيات الواقعية المتوفرة إلى الآن عن وجود آثار خطيرة لهذه المواد الكيماوية على المحاصيل الزراعية، والبيئة، وصحة المواطنين، حيث تسببت بموت الكثير من المحاصيل الزراعية وتغير لونها تبعاً لشهادات عشرات المزارعين، إضافة إلى أنّ بعض المواد المكونة لها تتسبب بالسرطانات والأمراض المزمنة.

إنّ لرش المواد الكيماوية المذكورة مخاطر بيئية عديدة تؤدي بالنتيجة الى انتهاك العديد من الحقوق المرتبطة بوجود بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، بما في ذلك الحق في الحياة، الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية والحق بمستوى معيشي مناسب.

تتعرض المناطق مقيّدة الوصول في قطاع غزة لاعتداءات إسرائيلية متعددة الأشكال، ويعتبر السلوك الإسرائيلي المتمثل في رش المبيدات الكيميائية على طول الشرقية في قطاع غزة، والتي هي في الأصل أراضي زراعية يعتاش منها آلاف الأسر الفلسطينية، حيث تؤثر سياسة إتلاف المزروعات الفلسطينية على حياة المواطنين وأمنهم الغذائي والاقتصادي، إذ تتعرض التربة بفعل المبيدات الكيميائية الضارة، الى تدمير ممنهج بعيد المدى، وهو ما ينعكس بالضرورة على قدرة المزارعين الفلسطينيين على الصمود على طول المناطق الشرقية .

حيث تتعمد قوات الاحتلال الإسرائيلي القيام بعمليات الرش في تلك المناطق، مع بداية المواسم الزراعية وتحديدا في شهري ديسمبر وأبريل من كل عام، وهي فترة انتاج المحاصيل الزراعية الشتوية والصيفية، مثل البطيخ والبامية كمحاصيل صيفية، والبازيلاء والفول والقمح والشعير كمحاصيل شتوية، إضافة إلى المزروعات الورقية بمختلف أنواعها مثل السبانخ والجرادة والبقدونس والسلق، وتقدر المساحة التي تهددها عملية الرش ما يقارب 2000 دونم زراعية، بحسب بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية. لا تقتصر خطورة عمليات الرش على المفاجأة في توقيتها، والتي عادة ما تأتي دون تحذير أو إنذار مسبق، خصوصاً وأن الرذاذ المتطاير من عمليات الرش يمتد ليشمل مساحات واسعة، يساعدها في ذلك حالة عوامل متعددة تساهم في زيادة الرقعة المتضررة وتوسيع نطاقها، مثل سرعة الرياح واتجاهها.

تشكل عمليات الرش تهديدا مباشرا للمزارعين الفلسطينيين سواء على صعيد فقدانهم مصدر الدخل الرئيسي لهم، حيث تتعرض المزروعات للتلف وتلحق الضرر بالثروة الحيوانية مثل المواشي والطيور التي تتغدى على الاعشاب في تلك المناطق بالإضافة لكون هذه المواد الكيمائية المستخدمة مواد مانعة للإنبات.

تتذرع قوات الاحتلال بمزاعم وذرائع واهية في تبريرها لعمليات الرش، وذلك للقضاء على الأعشاب والنباتات التي تنمو قرب السياج الفاصل، وهو ما يتسبب في اتلاف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ويحول دون قدرة المزارعين في تلك المناطق على استغلال ارضيهم وممارسة اعمالهم، وهو ما يعني أن سلطات الاحتلال تستهدف الأراضي الزراعية في القطاع بشكل متعمد، اضافة الى ما تقوم به بين الحين والأخر من عمليات توغل وتجريف داخل اراضي المواطنين ، وهو ما يثير الاستفهام حول جدوى استخدامها للمبيدات الكيميائية في رش الأعشاب مع قيامها بعمليات التجريف المستمرة بين الحين والأخر.

سياق المشكلة السياساتية

أولاً: المناطق والمساحات التي تطالها عمليات الرش.

تشكل سياسة رش الأراضي الزراعية على طول المناطق مقيّدة الوصول شرقا في بالمبيدات الكيميائية التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق أراضي المواطنين الفلسطينيين تحدياً مصيرياً لمئات المزارعين الذين يعتمدون على الزراعة في إعالة أسرهم، كما تشكل جزء من العقاب الجماعي لسكان القطاع الذين يقبعون تحت حصار للعام الـ 13 على التوالي، ووفقا لمنظمات حقوقية فلسطينية ، فإن سلطات الاحتلال تتعمد رش الأراضي الزراعية بشكل منظم وممنهج خلال الفترة من نوفمبر وحتى إبريل مستهدفة المزروعات الشتوية حيث تحلق طائرات الاحتلال على مستويات منخفضة وتتوغل داخل أراضي المزارعين لمسافات مختلفة لرش المبيدات تصل لعمق حوالي 2000م. كما تعمد سلطات الاحتلال لإشعال إطارات الكاوتشوك للتأكد من اتجاه الريح، لتزيد من مساحة الأراضي التي يصلها رذاذ المبيد. ووفقا لمؤسسات حقوقية في قطاع غزة، فأن هذا النوع من الطائرات التي تستخدمها سلطات الاحتلال بإمكانها حمل من 800-400 غالون من المبيد، كما بإمكانها أن تطير ما بين 160-120 ميل في الساعة، وهذا يساعد في توسيع مساحة الأراضي التي تتأثر بالمبيدات. في تشرين الثاني / نوفمبر 2016 ، واستجابة لطلب حرية المعلومات الذي قدمته منظمة مسلك غير الحكومية ، أكدت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن مبيدات الأعشاب الجوية يتم رشها على طول محيط غزة. يجري الرش الجوي بين معبر إيريز في الشمال وكيرم أبو سالم في الجنوب ، على مساحة تقدر بـ 12 ألف دونم.

تظهر نتائج تحليل Forensic Architecture توزيع تركيز مبيدات الأعشاب أثناء انتقالها غربًا إلى غزة.

ثانيا: المواد المستخدمة في عمليات الرش الجوي.

بحسب الخبير البيئي "جورج كرزم" ، فإن قوات الاحتلال تقوم برش المناطق مقيّدة الوصول بخليط من مواد مادة "غليفوسات، وأوكسيجال، وديوريكس"، كما أن مبيدات الأعشاب التي يرشها الجيش الإسرائيلي على أراضي المزارعين في غزة، قد تبقى في التربة دون تحلل لبضع سنوات، وأوضح الخبير أنه وبشكل عام تعد مبيدات الأعشاب مسرطنة وقد تتسبب بتشوهات جينية وخلقية وتناسلية. ووفقا لما ذكرته الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية، في تقرير لها فأن مادة "الغاليفوسات" المادة الفعالة في العديد من مبيدات الأعشاب المستخدمة من قبل الجيش هي مادة مسرطنة .

ثالثا: أثر رش المبيدات على قطاع الزراعة.

يتسبب رش المبيدات الكيميائية على الأراضي الزراعية في قطاع غزة في إتلاف وتشوية بعض المحاصيل، كما يتسبب في تغيير لون عدد منها كونه يتغلل في جذورها، ويظهر ذلك بوضوح في النباتات الورقية مثل "السبانخ، البقدونس، البازيلاء، اللفت، الملفوف، الكوسا، القمح، الشعير،.."، كما تتسب المواد التي يتم رشها لاسيما مادة " غليفوسات" المسرطنة في إعدام التربة وعدم صالحيتها للزراعة وهو ما يؤدي بخسائر للمزارعين، ولقد بلغ إجمالي خسائر المزارعين جراء رش سلطات الاحتلال الراضي المزارعين بالمبيدات منذ مطلع العام 2020 وحتى لحظة إعداد الورقة حوالي 379.670$.

خسائر الغطاء النباتي بين 5 أيام و 15 يومًا بعد رش مبيدات الأعشاب. يشير اللون الأحمر إلى المناطق التي فقد فيها الغطاء النباتي.

في ضوء ما تقدم، تطرح هذه الورقة الخيارات السياساتية التالية للجهات الفلسطينية والدولية ذات العلاقة، في محاولة منها لوضع بدائل وطرح اقتراحات للمساعدة في خلق سياسات داعمة للمزارعين الفلسطينيين في المناطق مقيّدة الوصول، وتفترض هذه الورقة أن الأطروحات التي ستقدمها يمكن العمل بها بالتزامن، حتى تنتج أثرها بشكل فعّال خلال فترة زمنية معقولة

البديل الأول: تدويل قضية الزراعة في المناطق الحدودية وطرحها أمام الجهات الدولية

يتبنى هذا البديل طرح القضية أمام المجتمع الدولي سواء في مجلس حقوق الإنسان، أو منظمة الصحة العالمية، وغيرها من الوكالات الدولية، وذلك لمطالبة المجتمع الدولي للقيام بواجباته القانونية والأخلاقية في التصدي للسياسات الإسرائيلية، واتخاذ إجراءات فاعلة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق المزارعين الفلسطينيين، وضرورة إلزام دولة الاحتلال بوقف رش المبيدات السامة، إضافة لبحث إمكانية الحصول على تعويضات من دولة الاحتلال للخسائر التي تتسبب بها للمزارعين.

البديل الثاني: تبني سياسات وتدخلات وطنية لتعزيز صمود المزارع الفلسطيني في تلك المناطق

ويستند هذا البديل إلى تعزيز صمود المزارع الفلسطيني، وتمكينه من معالجة آثار عملية الرش الإسرائيلية، وتحمل الخسائر التي يتعرض لها المزارع جراء السلوك الإسرائيلي وذلك من خلال إيجاد صندوق لدعم المزارع الفلسطيني يساهم في تعويضه عن الأضرار التي يتعرض لها، ورفع الضرائب عن الاحتياجات الزراعية للمزارعين في تلك المناطق، وتوفير نقط طبية لمساعدة المزارع في معالجة أثار الرش وتداعياتها على المحصول الزراعي. ولتوفير العلاج المناسب للثروة الحيوانية في تلك المناطق. ويمكن التعاون مع العديد من الجهات الدولية في هذا الإطار لتمويل ذلك الصندوق، وتوفير المواد المضادة للرش من قبلها.

أبرز التوصيات:

  • ضرورة فتح تحقيق دولي من قبل لجان مختصة لمعرفة طبيعة المواد الكيماوية التي يتم رشها من قبل طائرات الاحتلال على الأراضي الزراعية، لمعرفة مخاطرها على التربة والبيئة وصحة المواطنين، الأمر الذي يسهل تكييف هذا الاعتداء وتبعاته بموجب القانون الدولي.
  • الطلب من منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية الدولية إنشاء مختبرات علمية في قطاع غزة وتطوير القدرات الفلسطينية لفحص طبيعة المواد الكيماوية التي يتم استهداف الأراضي الزراعية عبرها، وتزويد المزارعين بمواد لحماية تربتهم من الموت بسبب ذلك.
  • ضرورة تنفيذ القرار بقانون رقم (12) لسنة 2013م بشأن صندوق درء المخاطر والتأمينات الزراعية.
  • تجنيب القطاع الزراعي كافة العمليات والأنشطة العسكرية، والسماح للمزارعين باستخدام أراضيهم الزراعية على المناطق الحدودية لقطاع غزة.
  • اتخاذ كافة الاجراءات المتاحة في سبيل إنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، وضمان مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

للاطلاع على الورقة بصيغة PDF

تأتي هذه الورقة ضمن أنشطة مشروع "الشباب الفلسطيني كمدافعين عن حقوق الإنسان" ، و أن الاتحاد الأوروبي غير مسؤول عما ورد بها من معلومات.

http://www.miftah.org