|
نظرة في الخطاب الإعلامي الفلسطيني
الموقع الأصلي:
وقد حرصت م.ت.ف وكافة حركات التحرر الفلسطينية منذ نشوء المقاومة الفلسطينية على امتلاك الأدوات الإعلامية المختلفة، وكانت كلما سنحت لها الفرصة في دولة ما تسارع إلى إنشاء راديو وإصدار مجلات ونشرات، مستغلة هذه الأدوات لمخاطبة شعوب وشرائح مختلفة عربية وعالمية، ولنشر وشرح المواقف الفلسطينية والتعريف بالقضية، فكانت مجلة فلسطين الثورة وفلسطين المسلمة وراديو فلسطين من بغداد ودمشق والقاهرة وغيرها. وبعد اتفاقية اوسلو امتلك الفلسطينيين راديو ومحطة تلفزة محلية وفضائية، وفتحت الفضائيات المختلفة أبوابها وشاشاتها أمام الإعلاميين الفلسطينيين بشكل كبير لم يتح لأحد غيرهم، فامتلأت شاشات الفضائيات، وبشكل شبه يومي، بالمتحدثين الإعلاميين الفلسطينيين، سيما الرسميين منهم، وهذا ما كانوا يأملونه ويسعون إليه، وقد حصلوا عليه. لكن عندما حُلت مشكلة الوسائل والأدوات، برزت وبشكل ملحوظ مشكلة الخطاب ولغته، وضعف المتحدثين وانعدام المهنية والاحتراف، لا بل افتقد الخطاب الإعلامي الفلسطيني العنصر الأهم، وهو الاستراتيجية، والثوابت في الخطاب التي تعبر عن الثوابت الوطنية. إذ لا بد للإعلاميين من الاحتكام في خطابهم إلى هذه الاستراتيجية وعدم إغفال ما لدينا من ثوابت، ولا يمكن القبول من احدهم، مهما كان مبرره، أن يفرط ولو عبر التصريح الصحفي بأي من هذه الثوابت. ولمن يعتقد أن في ذلك تشدد أو عدم مرونة أن يراقب المتحدثين والإعلاميين في كل أنحاء الدنيا، وكيف يتعاملون من قضاياهم الاستراتيجية وثوابتهم الفكرية أو الوطنية، والنموذجين الأمريكي والإسرائيلي ليسا ببعيدين عنا. فالولايات المتحدة الأمريكية خاضت وتخوض كل حروبها تحت غطاء القيم الأمريكية، فالعدالة والحرية ومحاربة "الإرهاب"، شعار دائم، وقد احتلت العراق وذبحت شعبه، وهدّمت الفلوجة على رؤوس أهلها، وارتكبت أبشع الجرائم في سجن أبو غريب وغيره، وأصبح واضح للعيان زيف الادعاء بهذه القيم، إلا أن المتحدثين باسم البيت الأبيض والخارجية الأمريكية والساسة الأمريكيين لا ينفكون يتحدثون عن أن حربهم كانت لخدمة قيم أمريكا وللقضاء على الديكتاتورية ومحاربة الشر، ولم يخالف أحد هذه الاستراتيجية الإعلامية، رغم زيفها وكذبها الواضحين، وحتى بعدما كشفت وسائل الإعلام زيف الادعاء بوجود أسلحة الدمار الشامل، إلا أن الأمريكيين يصرون على أن نظام صدام كان يشكل خطراً على العالم، ولا يجد هؤلاء أي حرج في ترديد مواقفهم في كل أنحاء العالم وأمام الجميع وحتى في العراق وأمام من مارسوا بحقهم كل أشكال الجرائم. أما إسرائيل والتي لا تستند إلى أي شكل من الحق لا في مواقفها ولا طرحها، فإننا نجد الناطقين الإعلاميين والسياسيين المتحدثين فيها لهم استراتيجية وثوابت واضحة، لا يحيدون عنها، فالتحايل على قرارات الشرعية الدولية، والتنكر للحقوق الفلسطينية، والتصريح العلني برفض أي دور لغير الولايات المتحدة في عملية التسوية، واتهام الفلسطينيين بالإرهاب، كلها مواقف ثابتة لا تتغير عندهم، حتى وهم يتحدثون أمام المعنيين فيها وفي وسائل إعلامهم، فرفض الدور الأوروبي يتحدثون به أمام الأوروبيين، والتنكر لقرارات الشرعية الدولية يتم وأمام أعضاء الأمم المتحدة ومجلس الأمن، في الجلسات العلنية والسرية، والتنكر للحقوق الفلسطينية ووصم الفلسطينيين بالإرهاب يتحدثون به في وسائل الإعلام العربية وأمام القيادات الفلسطينية والعربية. في المقابل نجد الخطاب الإعلامي الفلسطيني، سيما الرسمي منه، يفتقد للاستراتيجية، وتسوده الارتجالية والتخبط والاجتهادات الفردية، فرغم أننا أصحاب حقوق ثابتة يقر لنا بها العالم، وأصحاب قضية عادلة، وأصحاب قصة ثبات وصمود استثنائيين، إلا أننا لا نجد خطابا يلائم حالتنا، ويرقى لمستوى قضيتنا، ويجيد رواية قصتنا، بل نجد الناطقين باسمنا والمتحدثين نيابة عنا، يتأرجحون تارة يمينا وأخرى شمالا، يفرطون إعلاميا بثوابتنا دونما مبرر، وبدون جدوى، فمن يجبرهم على وصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب تارة وبالعنف تارة أخرى؟ ومن يجبرهم على وصف البرامج والأغاني الوطنية بالتحريض؟ إنني لا اعتقد بوجود ما يبرر ذلك. لكن يبدو أن الخطاب الإعلامي الفلسطيني الرسمي يحرص على أن يكون مرضيا للآخر أكثر منه معبرا عن ثوابتنا وحقوقنا، وفي هذا السياق استحضر ثلاثة مواقف محددة تعبر عن هذا التوجه: الأول: مقالة صحفية نشرت في ظل انتفاضة الأقصى، باسم زعيم فلسطيني تاريخي، في صحيفة أمريكية، نقلتها عنها جرائدنا المحلية، تدين بعض أشكال المقاومة الفلسطينية وتصفها بالإرهاب. الثاني: وزير فلسطيني بارز وممن لا يفارقون شاشات التلفزة، وفي مقابلة تلفزيونية معه، عقب عملية فلسطينية استهدفت مستوطنين في الضفة العربية، وعندما سئل عن سبب إدانته لها رغم أن المستهدفين مستوطنين؟ أجاب، في تعريف جديد وغريب، أن المستوطنين مواطنين إسرائيليين يعيشون في الضفة الغربية. الثالث: في مؤتمره الصحفي مع كونداليزا رايس عقب زيارتها لرام الله في أواسط شهر حزيران الماضي، تحدث أحد رموز السلطة الفلسطينية عن انخفاض ملموس في وتيرة العنف، قاصدا المقاومة الفلسطينية، وكذلك انخفاض نسبة التحريض في وسائل الإعلام الفلسطينية، قاصدا البرامج الوطنية ذات البعد التاريخي والسياسي. هذه بالطبع أمثلة فقط، لكنها لطبيعتها أولا، ولطبيعة من صدرت عنهم ثانيا، تعتبر على درجة عالية من الأهمية، في التدليل على حجم المشكلة التي يعاني منها الخطاب الإعلامي الفلسطيني، الذي لا بد له من استراتيجية واضحة يتم التوافق عليها وطنيا، لخدمة الأهداف والمصالح الفلسطينية الاستراتيجية، وتخرجنا من حالة الارتباك والفوضى والفلتان الإعلامي. الحقائق (13/7/2005). http://www.miftah.org |