|
العدوان على غزة وصراع الإرادات
الموقع الأصلي:
الوساطات العربية، والتركية وغيرها من قنوات الاتصال الروسية والأوروبية توقفت عند نقطة أساسية ومفصلية هي إصرار كل طرف من الأطراف على موقفه من عملية إنهاء قضية الجندي الإسرائيلي الأسير .فالحكومة الإسرائيلية ولاعتبارات لم تخفها فإن مبدأ التبادلية لإطلاق سراح الجندي مقابل إطلاق أسرى فلسطينيين مسألة مرفوضة، لأنها وكما يعلنون قد تفتح الأبواب لاحقا على سلسة طويلة من العمليات في الضفة الغربية لن يكون بمقدور حكومة أولمرت ولا أي حكومة غيرها من وقف هذه التداعيات التي قد تنشأ جراء الإقرار والعمل بمبدأ التبادلية الذي قد يخط نهجا في التعاطي مع عمليات الأسر التي قد تحدث لاحقا ، ويمكن الاستدلال على عدم رغبة حكومة أولمرت ورفضها التعاطي مع هذا الموضوع بتجاوز قضية المستوطن الذي اختطف ووجدت جثته بعد عدة أيام في احد أحياء مدينة رام الله ، فتجاهل حكومة أولمرت لموضوع المستوطن في الضفة ورفضها الإقرار بداية بان هناك أسير لدى بعض قوى المقاومة ومن ثم كشف الجثة والقيام بعمليات اعتقال واسعة للذين قاموا بخطفه يعطي مؤشرا واضحا عن نوايا حكومة أولمرت وكيفية تعاطيها مع مبدأ التبادلية الذي ترفضه وتصر على استبداله بمبدأ آخر يقوم على أساس التوالي وبدون أية ضمانات مسبقة مع رفض الإقرار أيضا بالتفاوض في إطار صفقة عامة تعيد الأوضاع إلى المربع الأول وهو مربع التهدئة ، ومن ثم فتح خيارات أخرى غير خيارات التصعيد العسكري . وبالمقابل فإن حركة حماس لا تستطيع التفريط بمبدأ التبادلية نظرا لأكثر من اعتبار سياسي يمس وجودها ومستقبلها، وأخلاقي اتجاه قضية الأسرى باعتبارها قضية رأي عام دخلت وتفاعلت مع كل بيت فلسطيني ، ولكن الأهم من كل ذلك فإن إطلاق سراح الجندي بدون مقابل معقول وكبير يبرر التضحيات الجسام التي قدمها قطاع غزة من قتل وتدمير للبنية التحتية والبشرية ، والحصار التجويعي بإغلاق كافة المعابر البرية المؤدية إليه ، إن أية صفقة بدون ثمن معقول قد يؤدي بالحركة إلى هزيمة سياسية وكارثة شعبية لها ولمشروعها السياسي البديل ، التي تعتقد إنها قد قلبت طاولة الأحداث وغيرت الأولويات الداخلية والإقليمية بعد العملية البطولية والنوعية في كرم سالم بما فيها اسر الجندي . ومن هنا فإن الخيارات أصبحت من الضيق بمكان لم يعد بالا مكان مهما كانت الصفقة المطروحة ومغانمها الكبيرة مؤجلة، غير مقبولة لدى قيادة الحركة ما لم تكن في إطار إنفاق متوازي ومتزامن ومتبادل في آن معا . هذا المأزق الذي وصلت إليه العملية التفاوضية التي يمكن القول أن المحاولات التي جرت على اختلافها خلال الأسبوعيين الماضيين قد اصطدمت بها سوف تتواصل لاحقا لان إمكانية التغيير عند أي طرف من أطراف الأزمة حاليا غير قابل للتغيير أو التعديل ما لم تحدث معطيات جديدة تدفع أي منهم للاقتراب من الآخر بحلول وسط قد يلجا لتقديمها أطراف الوساطة . في حين إن الضغوط المتقابلة والمتوازية التي يمارسها كل طرف على الآخر ويقع في الوسط منه جمهور واسع من الشعب الفلسطيني الذي يعزز صبره وصموده إرادة التحدي مع الاحتلال أولا ، والأمل في إطلاق عدد من الأسرى مما قد يشكل ذلك سابقة يمكن البناء عليها لاحقا لإجراء عملية تبادل أوسع واكبر، بينما في الأساس يقع في جوهر هذه العملية تصليب الإرادة السياسية الفلسطينية وتقويتها . حكومة أولمرت اعتقدت أنها باعتقال عدد من الوزراء وأعضاء من المجلس التشريعي قد تشكل ضغطا على قيادة الحركة وكذلك عمليات المداهمة لمؤسسات حركة حماس ومنظماتها الاجتماعية علاوة على التصعيد العسكري في قطاع غزة الذي اخذ أبعادا أوسع واكبر من قضية اسر جندي . وبما يمكنها من تدمير كافة الممكنات والمقومات المادية للشعب الفلسطيني لإضعاف وإنهاك قدراته وطاقاته وشل قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية إيصالها إلى حافة الانهيار ، واستخدام ما تبقى منها من رمزية بما في ذلك إطلاق بعض القوى الصواريخ بشكل عشوائي هنا وهناك إلى المضي ليس في مواصلة العملية العسكرية التي تصدح بها تصريحات كافة المسؤولين الاسرائيلين بان لا سقف زمني لها وإنما إلى استخدام هذه الرمزية إلى المضي بمقولة أن لا شريك فلسطيني بما في ذلك الرئيس محمود عباس الذي يوصف بأنه لا يملك ناصية القرار . عدم وجود الشريك يسهم إلى حد بعيد في إطلاق يد حكومة أولمرت في رسم ا لحدود الاستراتيجية الجديدة للفصل الأحادي الجانب وتعديل مسارات الجدار في الضفة الغربية ، وكذلك الحال فرض مناطق أمنية في شمال وجنوب وشرق قطاع غزة قد تقتطع ثلث مساحته الجغرافية وكل ذلك بدعوى ضمانات الأمن . إن إدارة معركة الإرادات الدائرة الآن ليست شانا تنظيميا داخليا يمس سياسة حركة حماس وقيادتها لوحدها ، وليست مسالة مقصورة على صاحب القرار فيها ، وأبعاد تداخلات صنع القرار فيه ، وإنما هو شان وطني عام ينبغي أن يعالج ويناقش على مائدة الحوار الوطني المشترك ويكون بقرار وطني مشترك ، لان الذي يدفع الثمن ويصمد ويقاتل ويقدم التضحيات الشعب الفلسطيني بأسره بكافة فئاته واتجاهاته في الضفة والقطاع والقدس وليس فصيلا بعينه ولا جمهوره بشكل محدد . صراع الإرادات والنجاح فيه يتطلب توفير مقومات لنجاحه وأول هذه المقومات وحدة وطنية داخلية راسخة وقوية تسند الموقف السياسي الرافض للمساومة بدون ثمن مقبول ومعقول على قاعدة التبادلية ، لكن من غير المعقول ولا المقبول أن يكون الجميع قوى ومؤسسات بما فيها الحكومة والرئاسة في موقف المتلقي والمتفرج ، للقرار الذي يصنع ويصاغ في معادلة خارج معادلة الصراع المكشوف والمخاض على ارض الوطن . إن المسؤولية الوطنية والعامة تفرض مثل هكذا رؤية انطلاقا إن مواصلة عملية التدمير والقتل للشعب الفلسطيني وإمكانياته إذا ما تواصلت وإذا ما انتهت قضية الذريعة المسمى بالجندي الأسير بعد حين بأي شكل من الأشكال ، فإن التبعات السياسية والخسائر الاقتصادية والاجتماعية لن يكون بمقدور طرف مها كان وأي كان تحملها أو الأقل تحمل أعبائها ولو أخلاقيا وسياسيا . ومن هنا فإن مبادرة رئيس الحكومة الأخ إسماعيل هنية وان جاءت متأخرة فإنها لو ترابطت مع قرار واضح وقدرة على تطبيقة بوقف عمليات إطلاق الصواريخ والقذائف على البلدات الإسرائيلية وضمان التهدئة لسحب الذرائع من يد حكومة أولمرت وتوفير كل شروط وأشكال الدعم لقوى الأمن الوطني والمقاومة للتصدي الباسل للاختراقات والعدوان الإسرائيلي، فإنه على الأقل يقلب معادلة الغطاء الدولي الذي تتستر به حكومة أولمرت ، ويوفر أرضية قوية لمشاركة وطنية أوسع ومن موقع المسؤولية العامة والمشتركة في تحقيق إنجاز وطني كبير يعزز ويقوي ويفرض الإرادة الوطنية الفلسطينية ، ويكسر العنجهية الإسرائيلية ، ويوقظها من أوهام إمكانية فرض حل على الشعب الفلسطيني باستخدام المزيد من القوة العسكرية، وان لا حل إلا عبر الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني والتسليم بها بالعودة إلى طاولة والمفاوضات وتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية . وبغير ذلك فإن خوض المعارك وخاصة من هذا الوزن والبعد النوعي بدون أفق سياسي واضح ومحدد يمكن المراكمة والبناء عليه تصبح من قبيل المغامرة المحفوفة بالمخاطر ، وهذه المخاطر لا تمس طرفا بعينه بقدر ما تمس حاضر ومستقبل شعب وقضية بأكملها . - مفتاح 12/7/2006 - http://www.miftah.org |