|
معركة التمرد على الإملاءات
الموقع الأصلي:
هدف الحرب غير الـمعلن هو سحق كل تمرد على قواعد الصراع في الشرق الاوسط، واستعادة قوة الردع الإخضاعية التي تفرض وتعمم الإملاءات الجائرة على دول وشعوب الـمنطقة، وذلك بعد أن أصابها الهوان وتعرضت لتمرد الـمقاومين في أكثر من مكان. لقد وجه الـمقاومون الفلسطينيون واللبنانيون في عمليتي أسر الجنود الإسرائيليين ضربة موجعة لهيبة القوة الفارضة للإملاءات، وعززوا عملية الاستقطاب في غير مصلحة قواعد الصراع الـمفروضة. إن هذا الأسلوب ذكّر إسرائيل بخيار الـمقاومة الذي أتى أكله في جنوب لبنان وقطاع غزة، وأثار الـمخاوف حول تداعي وإفلات حلقات أخرى من قبضة اسرائيل والنظام الدولي الداعم لها. العدوان الغاشم الـمتواصل والـمتصاعد هذه الايام وثيق الصلة بخلخلة الاستقطاب بين معسكر فرض الإملاءات والحلول الخانعة على دول الـمنطقة من جهة، وبين الشعوب والقوى الـمتمردة والـمعارضة لتلك الحلول من الجهة الأخرى. ونتائج هذه الحرب تحتمل دعم عملية الاستقطاب وتعزيز التمرد على قواعد الصراع الـمذلة باتجاه ادخال تعديلات عليها، وتحتمل ايضا إعادة فرض قواعد الصراع وترك الشعوب عرضة لخيارات يائسة ولانفجارات غير محمودة العواقب. تجربة مريرة عاشتها الشعوب العربية مع السلام الاميركي الإسرائيلي، فقد نادوا بالسلام لكنهم شنوا الحروب ومارسوا ابشع اشكال العدوان، وعدوا بإنهاء الاحتلال للارض العربية والفلسطينية لكنهم ضاعفوا الاستيطان وعمقوا الاحتلال، وعدوا بازدهار اقتصادي غير أنهم صنعوا أزمات اقتصادية خانقة وادخلوا الاكثرية تحت خط الفقر، نادوا بالحرية والديمقراطية لكنهم مارسوا ابشع ألوان العقوبات الجماعية والإذلال والـمهانة وانقلبوا على نتائج الانتخابات وعاقبوا الشعب الذي مارس حقه الطبيعي في الاختيار. رفعوا شعار "الارض مقابل السلام"، لـم يصنعوا السلام وظلوا متمسكين بالارض وانقلبوا الى شعار "السلام مقابل السلام". قدموا رؤية بوش وسرعان ما تحولت الى رؤية شارون، وضعوا اجندة مواعيد وقبل أن يجف حبرها أعلـمونا بعدم وجود مواعيد مقدسة لا لاتفاقات أوسلو ولا لرؤية بوش وخارطة الطريق. قدموا مشروع خارطة الطريق لكنهم استبدلوه بخطة الفصل من طرف واحد وخطة الانطواء. قالوا لنا التزموا بالـمفاوضات أسلوبا وحيدا وسترون العجائب، وبعد مدة وجيزة أوقفوا التفاوض الـمباشر وغير الـمباشر وشرعوا بمفاوضة الذات وتقرير مصير الآخر وتقرير مصير الاراضي من طرف واحد ورأينا العجائب ولكن من نوع آخر. في البداية اقتنعت الشعوب بخيار السلام وبامتلاك الولايات الـمتحدة لـ 99% من مفاتيح الحل السياسي كما قال الرئيس أنور السادات، وفي أول زيارة للرئيس الاميركي نيكسون لـمصر عام 1975 قامت الجماهير الـمصرية بحمل سيارته من شدة حماسها للسلام لكنها حصدت الخيبة تلو الاخرى. وشيئا فشيئا، وفي ظل ثنائيات الشيء ونقيضه، أصبح السلام كذبة سمجة لا تقنع أحدا، واصبح أي حديث عن السلام لا يستحق مجرد الاستماع اليه في نظر الاكثرية الساحقة من الشعوب العربية. اصبح الـمنادون بالسلام عبر تلك العناوين يفقدون مصداقيتهم وينعزلون عن شعوبهم، حتى أولئك الذين يملكون نوايا حسنة وأوهاما. كان من الـمنطقي أن تنفّض الشعوب العربية عن أنظمتها التي وجدت في هذا النوع من السلام خيارا استراتيجيا ولـم تحاول تغيير قواعده أو تطويرها أو التحلل منه. إن بقاء هذا الخيار على حاله في ظل الالتزام العربي الرسمي الدائم به، وفي ظل عدم وجود مصلحة للسواد الاعظم من الشعوب في وجوده واستمراره، فتح الـمجال أمام الشعوب للتعاطف التلقائي مع اي تمرد على هذا النوع من السلام بكل أقطابه حتى لو كان التمرد في صيغة مغامرة أو جنون. سابقا كانت البلدان الاستعمارية تأخذ في الحسبان مزاج الشعوب، الان تقوم البلدان الاستعمارية بالضرب بعرض الحائط بالـمزاج العام وتحاول قمعه بأكثر الاساليب فظاظة وعنفا. لـم تستخلص الولايات الـمتحدة ودول الغرب دروس الحادي عشر من ايلول حتى الان، ولـم تتوقف عند الظاهرة الكارثة التي صنعتها سياستها العدمية إلا من زاوية واحدة هي محاولة سحق الظاهرة بالقوة وبالقوة وحدها، فعاثت في الارض احتلالا وتدميرا وبطشا. ولـم تتوقف عند مخاطر الانحياز الكامل والدائم لاسرائيل لدرجة وضع هذه الدولة الـمحتلة الـمعتدية فوق القانون. كانت الـمشكلة على الصعيد العربي وما زالت غياب البديل الوطني الديمقراطي العقلاني الـمتمسك حتى النهاية بالـمصالح الوطنية وبالعدالة الانسانية والاجتماعية، وفي ظل هذا الغياب انحصر الاستقطاب بين خط سياسي متهافت ملحق بالسياسة الاميركية الاسرائيلية، وخط عدمي تعصبي متطرف مناهض لها. والخطان يشكلان وجهان لعملة واحدة ويغذيان بعضهما البعض على طول الخط. الانتفاضة الثانية ومقاومة حزب الله في الجنوب اللبناني كانتا بشكل أو بآخر نوعا من التمرد على سلام الإملاءات، ولا يغير من هذه الحقيقة تقاطع حزب الله وبعض الفصائل الفلسطينية مع مصالح ايران الاقليمية. البعض يرى معركة لبنان هي معركة الـمصالح الايرانية، ثمة تقاطع بكل تأكيد، ولكن لا يمكن اغفال حقيقة تناقض كل الاطراف مع سياسة فرض الحلول الـمتنكرة لابسط الحقوق الوطنية وابسط مقومات الاستقلال لكل شعوب الـمنطقة. لا احد يحزن لتمرد كوريا وايران وسورية واي دول أخرى على النظام الدولي وسياساته الـمتمثلة بالاحتلال والهيمنة والافقار والاذلال وتخريب السلام الحقيقي. ما يهم ان لا يتم استخدام الدول الـمتمردة لبعض الفصائل كورقة ضغط بدلا من مكانة الحليف. وما يهم أكثر تعديل قواعد الصراع بشكل تدريجي خطوة بعد الاخرى في مواجهة سياسة الإملاءات الـمهينة. وفي سياق هذه الـمعركة بدأ الاستقطاب، الشعوب العربية تقف وجدانيا وعاطفيا مع الشعب اللبناني ومقاومته الباسلة ضد حرب التدمير البشعة، وهذا الـموقف طبيعي ومنطقي لكنه غير كاف، وحتى تكون نتيجة الـمعركة ايجابية، فان ممارسة الضغوط الجماهيرية تعتبر امرا في غاية الاهمية، وبمقدار ما يتطور التدخل والاعتراض الشعبي بالقدر الذي يتم فيه وضع القيود على القوة الغاشمة ويتعزز صمود الشعبين اللبناني والفلسطيني. وعندما يتعاظم التدخل الشعبي يحل في طريقه كل محاولة لتحويل الـمقاومة الى ورقة ضغط تكتيكية وعابرة. لا يتعين وضع تصورات خيالية حول قدرة الـمقاومة على الانتصار، مقابل ذلك ثمة امكانية للصمود وتحقيق انجازات مهمة يمكن البناء فوقها، لان إرادة الشعوب الـمقاومة دائما أقوى من إرادة الـمحتلين الـمعتدين. جريدة الأيام (18/07/2006). http://www.miftah.org |