فلسطين... كالعراق... أُسقطت من حساب الحكام العرب
بقلم: عبدالله الحوراني
2006/7/18

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5613


في كل يوم، يفتضح أكثر فأكثر قصور الموقف العربي الرسمي تجاه قضية فلسطين وأرضها وشعبها. وقد جاءَت قصة الجندي الإسرائيلي الأسير، وما تبعها من تصعيد للعدوان الصهيوني في قطاع غزة والضفة لتعري المغالطات التي يطلقها الحكام العرب بادعائهم أنهم يدعمون الشعب العربي الفلسطيني، ويقفون إلي جانبه. فقد اقتصر الموقف العربي الرسمي علي الوساطة لإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي، وربما كان الأصح أن نطلق علي هذا الموقف العربي، صفة الضغط علي الجانب الفلسطيني، وليس الوساطة. صحيح أن هذه الوساطات تأتي تحت عنوان تجنيب الشعب الفلسطيني المزيد من الويلات والكوارث التي يتعرض لها، ولكنها بالمحصلة، لم توقف غارة إسرائيلية واحدة، أو تمنع قتل الأطفال الفلسطينيين الأبرياء. أو تحول دون قطع الماء والكهرباء عن المستشفيات الفلسطينية، أو تطلق سراح امرأة فلسطينية واحدة من مئات النساء الأسيرات في سجون العدو الصهيوني. هذا فضلاً عن عجز النظام العربي الرسمي عن إدخال دينار واحد للأراضي الفلسطينية لإنقاذ أبناء فلسطين من الموت جوعاً أو عطشاً أو مرضاً، بعد أن توقفت رواتب الموظفين الفلسطينيين لأكثر من أربعة شهور.

إن ذروة ما قام به النظام الرسمي العربي من تحرك لحشد الجهد العربي لمواجهة الهجمة العدوانية الإسرائيلية الجديدة، هو دعوة مجلس جامعة الدول العربية للاجتماع، علي مستوي المندوبين، وهذا يعكس تدني مستوي الاهتمام العربي، بقضية فلسطين، وشعبها العربي، الذي يدافع عن شرف الأمة وأرضها وعرضها، والذي لولا صموده وتضحياته لانداحت جيوش العدو الصهيوني شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، غزواً واحتلالاً لمزيد من الأراضي العربية. ويبدو أن النظام الرسمي العربي قد تناسي أو أنه نسي، وأنسي شعبه ـ عبر ثقافة الاستسلام والهزيمة التي يلقنها له ـ أن هذا المشروع الاستعماري الصهيوني الذي قام علي أرض فلسطين، هو بالأساس مشروع موجه ضد الأمة العربية بأسرها، أرضها، وثروتها ووحدتها وثقافتها وحضارتها وتاريخها، وأن أرض فلسطين ليست أكثر من موطئ قدم ينطلق منه هذا المشروع لينشر ظلاله الاستعمارية والعنصرية والطائفية في الأرض العربية.

ومما يزيد من مخاطر هذه السياسات العربية الرسمية أنها وقعت في وهم التصور أن مصالحتها مع إسرائيل، وإقامة علاقات طبيعية معها سياسياً واقتصادياً وثقافياً قد يجنبها المخاطر التي يمثلها المشروع العدواني الصهيوني، متجاهلة أن ذلك يتم علي حساب شعب فلسطين وحقوقه، وعلي حساب الأرض العربية والمقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين، أي أنها تضحي بفلسطين وشعبها وأرضها معتقدة أنها بذلك تنقذ نفسها كأنظمة وكأقطار، طالما أنها تسترضي إسرائيل، وتسترضي السيد الأمريكي الذي يرسم لها هذه السياسات. ولذلك نلاحظ أن كل هذه الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني لم تؤثر سلباً علي العلاقات القائمة بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، ولم تدفع أحداً منهم لقطع علاقاته مع إسرائيل. بل إن هذه العلاقات مازالت تعبر عن نفسها بالزيارات المتبادلة، والأحضان والقبلات مع قادة الإرهاب الصهيوني.

أما أولئك الحكام العرب الآخرون، الذين يتصورون أن عدم إقامتهم علاقات مع إسرائيل تخفف من مسؤولياتهم، فهم واهمون. ذلك أنهم كلهم منخرطون في اللعبة الأمريكية، وخاضعون لسياساتها، ومنفذون لإرادتها. هذه السياسات العربية القائمة علي الخضوع للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وإسقاط لغة مقاومة العدو من قاموسها، وإعفاء جيوشها من مهمة الدفاع عن الأراضي والمقدسات العربية ضد الغزو الأجنبي، مع ما يستنزفه تسليح هذه الجيوش من أموال هائلة من ثروات الأمة، دون استفادة من هذا السلاح، أو استخدامه في أغراضه الصحيحة. وغالباً ما يصدأ هذا السلاح دون استخدام، ومن ثم يجري تغييره. لتتحول أثمانه الباهظة إلي مصانع السلاح الأمريكية والغربية، فتسخر الثروة العربية لخدمة العدوانية الأمريكية والإسرائيلية. إن مثل هذه السياسات هي ما يشجع إسرائيل، ومن خلفها الإدارة الأمريكية علي تصعيد عدوانها ضد الشعب الفلسطيني، والاستمرار في احتلال أرضه.

وأمام هذه الحالة لا تجد الشعوب وحركاتها الشعبية مفراً ومخرجاً غير تشكيل حركات المقاومة للدفاع عن نفسها، طالما لم تقم الهيئات الرسمية المكلفة بهذه المهمات بدورها المفترض. وبغض النظر عن خطأ هنا أو هناك قد تقع فيه هذه الحركات المقاومة، إلا أن جوهر عملها يبقي وطنياً، وهدفه مقاومة الاحتلال وطرده. وأي اتهام لها بالإرهاب هو تبرير لسياسة الاستسلام التي تنهجها هذه الأنظمة، وهو من ناحية أخري تبن للخطاب السياسي الأمريكي الذي يستخدم هذه الاتهامات لتبرير سياسات الحروب التي تشنها علي شعوب العالم. كيف لإسرائيل أن تتوقف عن سياسة الإبادة التي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني، وكيف يمكن أن تغير الإدارة الأمريكية من استهانتها بالعرب وحقوقهم، بل لماذا لا تزيدان من مواقفهما العدوانية طالما أن هذه هي حدود الموقف العربي الرسمي، وطالما لم تسمعا صوتاً عربياً مسؤولاً يصرخ في وجوههم محذراً من استمرار عدوانهم، ومشجعاً علي مقاومة العدوان؟ باستثناء صوت ذلك القائد الأسير صدام حسين الذي لم يتوقف وهو في قفص الأسر عن الهتاف بعروبة فلسطين من النهر إلي البحر، رافضاً كل المساومات علي حرية فلسطين والعراق وكل أرض العرب، وداعياً إلي استمرار المقاومة، مضحياً بحريته الشخصية، ورغد العيش الذي يعدونه به مقابل دعوته شعبه لوقف المقاومة والاستسلام للاحتلال. إن استمرار الموقف العربي الرسمي علي هذه الحال من الضعف والعجز والتسليم بالشروط الأمريكية والإسرائيلية، هو تخل صريح عن حقوق العرب في أرضهم ومقدساتهم في فلسطين، كما فعلوا في العراق عندما سكتوا علي غزو العراق، واحتلاله، وشجعوا عليه، بل وساهموا فيه، واعترفوا بحكمه العميل، وقبلوه عضواً في جامعتهم العربية، مع أن الدستور الذي قام عليه هذا الحكم لا يقر بعروبة العراق، بل حوّل العراق إلي أرض لصراع المذاهب والطوائف والعرقيات، مما بات يهدد بامتداد هذه الحالة إلي كل دول الجوار العربي.

لم يقرأ العرب الرسميون هذه المخاطر التي يهددهم بها احتلال العراق، أو أنهم قرأوها، لكن أبصارهم وبصائرهم عميت عن استقراء نتائجها، أو هم وقعوا في وهم الوعود الأمريكية التي طمأنتهم بحماية أنظمتهم إذا ما ساعدوها علي احتلال العراق، وهو نفس الوهم الذي توقعهم فيه إسرائيل والإدارة الأمريكية حينما يتصورون أن اعترافهم بإسرائيل وسكوتهم عن احتلالها للأرض الفلسطينية، وعدم دعمهم للشعب الفلسطيني ومقاومته، قد يجنبهم مخاطر التهديدات والاحتلالات الإسرائيلية، وقد يحافظ لهم علي أنظمتهم.

تري هل تخرج أنظمتنا العربية من دائرة الأوهام هذه؟ وكيف؟ ذلك سؤال يقع جوابه علي عاتق القوي الشعبية العربية، بأحزابها ونقاباتها ومنظماتها الجماهيرية.

القدس العربي (18/07/2006).

http://www.miftah.org