|
حرب "اسرائيل" في لبنان وفي غيرها
الموقع الأصلي:
إن ما فعلته “إسرائيل” في لبنان من تدمير للدولة وما سبقه من غارات العقاب الجماعي للفلسطينيين في غزة ليس فصلاً مستقلاً من فصول سياسة التعامل مع الدول العربية، ف “إسرائيل” لها استراتيجية ثابتة طويلة المدى لها مراحل للتنفيذ تعتمد على ميزان القوى بينها وبين الدول العربية وعلى حال العرب قوة أو ضعفاً، وهي لم تخرج عن هذه الاستراتيجية منذ قيامها عام 1948 بل وحتى من قبل ذلك حين كانت “إسرائيل” مجرد فكرة في خطة عمل الحركة الصهيونية. إن لجوء “إسرائيل” الى منطق القوة المفرطة هو تطبيق لاستراتيجية الردع النفسي، وهي جزء أساسي في صلب الفكر الاستراتيجي “الإسرائيلي” سبق أن شرحها معظم قادة “إسرائيل”. فمنذ سنوات طويلة وشيمون بيريز يتحدث عن السلاح النووي ل “إسرائيل” يقول: “ليس بالضرورة سوف نستخدمه فهو يستخدم كسلاح ردع نفسي للعرب حتى يظل لديهم الإحساس بقوتنا”. والردع النفسي الذي وصفه موشي ديان بأنه ذراع “إسرائيل” الطويلة التي تطول أي دولة عربية في أي وقت، وعادت “إسرائيل” لتكرار هذا المعنى على لسان قائد قواتها الجوية يوم اقتحام الجيش “الإسرائيلي” للضفة الغربية وحصار ياسر عرفات وشل حركته كرئيس للسلطة الفلسطينية، وهو يتحدث عن غارات التدمير الكامل للمجتمع الفلسطيني فقال: إن ما يجري هنا اليوم لا يقتصر معناه على الحدود الجغرافية للمكان بل هو رسالة لكل العرب. والردع النفسي، ونتيجته الانكسار النفسي للخصم، سلاح مكمل للقوة العسكرية غائر في عمق التفكير السياسي الصهيوني منذ تعاليم تيودور هيرتزل نبي الصهيونية في القرن قبل الماضي عن كيفية التعامل مع الفلسطينيين ووصايا بن جوريون وتفسيرات مناحيم بيجين والتطبيقات العملية لهذا التفكير على يد نتنياهو ثم شارون وصولاً إلى أولمرت. وحين كانت “إسرائيل” قد جمدت المشروع الصهيوني باستمرار التوسع وابتلاع الأراضي العربية وقبلت الدخول في عملية السلام ومرجعياتها التي تأسست على مبدأ الأرض مقابل السلام والتطبيع المشروط بإعادة الاستحقاقات للفلسطينيين وإكمال المسارين السوري واللبناني، فإنها فعلت هذا بسبب تحولات حدثت في ميزان القوى بينها وبين العرب تتابعت عناصره منذ: تأثيرات حرب 1973 وما أثبتته من خطأ مقولة الجيش الذي لا يقهر والاعتراف بأن “إسرائيل” يمكن أن تهزم وأن تنكسر، وبعد ذلك الانتفاضة الأولى عام 1987 والتي طبق معها اسحاق رابين وكان وقتها وزيرا للدفاع ما سماه سياسة القبضة الحديدية ثم اعترافه بفشل هذه السياسة. وجاءت تأثيرات تحولات النظام الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة وظهور تيارات داخل المؤسسة “الإسرائيلية” أصابها القلق من احتمالات تراجع دور “إسرائيل” الوظيفي في استراتيجية أمريكا في الصراع مع الاتحاد السوفييتي الذي زال من الوجود، بالإضافة الى التحول في موقف الرئيس بوش الأب والذي اعتبر أن السلام الشامل واستقرار الشرق الأوسط أصبح يمثل مصلحة أمن قومي للولايات المتحدة. وبدأت المؤسسات السياسية “الإسرائيلية” تضع في حسابها احتمالات استيعاب العرب لمعنى التحولات في النظام الدولي وتغير مكونات قوة الدولة وأمنها القومي وعلى رأسها القوة الاقتصادية التنافسية القائمة على مشروع قومي أساسه التخطيط لنهضة في التعليم والبحث العلمي وتنمية البشر والقدرة الإنتاجية وأساس ذلك كله تحول فوري ومن دون تباطؤ الى الديمقراطية بمعناها الحقيقي والفعلي واتفقت هذه الدراسات على أن حدوث ذلك سيقلب ميزان القوة بين العرب و”إسرائيل” وهو ما يجعل عملية السلام في هذه الظروف في مصلحة “إسرائيل”. وبدأت عملية السلام وتعاملت معها “إسرائيل” بمنطق تفكيرها الاستراتيجي التقليدي، واعتبرتها صراعا مع العرب تستخلص فيه منهم أقصى ما تستطيعه مقابل السلام، بينما تعامل العرب مع عملية السلام باعتبار أن ما تم في مدريد 1991 هو نهاية المطاف فلم يمتلكوا استراتيجية لإدارة هذه العملية التي تركوا ل “إسرائيل” إدارتها كما تراه هي وما تقرره، وحتى بالنسبة للتطبيع المؤجلة ثماره الى ما بعد إتمام كل مراحل عملية السلام فإنهم استبقوا الزمن وتسابقوا على إقامة علاقات اقتصادية تبادلية لتقدم ثمنا لشيء حصلت عليه بلا مقابل. كل هذا هيأ ل “إسرائيل” انقلابها على عملية السلام تدريجياً ابتداء من فترة حكم نتنياهو عام 1996 ثم تصعيد ضربات الانقلاب بعد مجيء شارون عام 2000 الى أن تم إحكام قبضة الانقلاب كاملة بوصول المحافظين الجدد الى الحكم في واشنطن في يناير/ كانون الثاني 2001 وهم الذين كانوا قد وضعوا وهم في المعارضة لليكود برنامج الانقلاب على عملية السلام ونسف مبدأ الأرض مقابل السلام وما نصت عليه اتفاقات أوسلو عن الشريك الفلسطيني. أي أن عملية السلام كانت تحمل في بنيانها أسباب فشلها ليس فقط لأن “إسرائيل” أرادت ذلك وخططت له وإنما هذا هو السبب الأهم لأن العرب سلموها مفاتيح العملية بأكملها بفقدانهم أي استراتيجية لإدارة هذه العملية أو لحماية المصالح الحيوية والأمن القومي للشعوب العربية خاصة بعد أن تحول العالم العربي الى بلاد مستباحة تدار فوق أرضها سياسات لمصالح قوى اجنبية وبعد أن نقلت السياسة الأمريكية خط المواجهة القديم مع السوفييت الى العالم العربي. فهل يحق لأحد أن ينظر الى الحرب المعلنة على لبنان وقبلها المجتمع الفلسطيني كأنها مفاجأة ليست متوقعة؟ إن الشواهد قائمة صارخة بما تفعله “إسرائيل” وما ستفعله غدا وعملية السلام لم تفشل اليوم لكن فشلها كان حقيقة واضحة منذ سنوات، وماكان يجري هو إدارة من الخارج لهذه العملية بينما العرب يتفرجون وينتظرون النتائج. - الخليج الاماراتية 19/7/2006 - http://www.miftah.org |