لماذا كل هذه الحرب على لبنان ؟!!!
بقلم: عبدالرحيم محمود جاموس - الرياض*
2006/7/24

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5650


هل صحيح أن ما حل في لبنان من حرب وقتل ودمار طال البشر والشجر والحجر بواسطة آلة الحرب الفاشية الإسرائيلية نتيجة طبيعية ومباشرة للعـملية التي قام بها حزب الله فجر 12 تموز / 2006 م ؟! أو نتيجة منطقية لارتباط حزب الله بالسياسة الإقليمية الإيرانية أو السورية أو الاثنتين معاً ؟! أم نتيجة طبيعية لترتيبات إقليمية ودولية سيخضع لها لبنان وغيره في المنطقة ؟!! الجواب النمطي والذي قدم على هذه التساؤلات منذ بداية الحرب أصبح مستهلكا ولا يستطيع أن يقدم تفسيراً مقنعاً لما حل ويحل في لبنان جراء هذه الحرب المدمرة ، التي لم تبقي ولم تذر في لبنان أي مقوم من مقومات الحياة ، فهل اقترف لبنان فعلاً يستحق عليه كل هذه العقوبة التي تحل به على يد الفاشية الإسرائيلية ، وتحت غطاء دولي لم يسبق لإسرائيل أن حظيت به أو حصلت عليه في أي من حروبها السابقة مع العرب ؟!!!

إن هذه الحرب التي تعصف بلبنان اليوم تتجاوز آثارها ونتائجها حدوده الجغرافية الصغيرة ، بنتائجها الكارثية إنسانيا وسياسيا وجغرافيا وعسكريا إلى عموم المنطقة العربية ، إنها لم تعد معركة الفاشية الإسرائيلية لوحدها حسب إدعائها بغرض تأمين عودة جندييها الأسيرين لدى حزب الله بدون قيد أو شرط ، أو حتى تأمين حدودها الشمالية من ضربات المقاومة اللبنانية وتهديداتها المتوقعة ، إن هذه الحرب تسعى بوضوح إلى إعادة صياغة لبنان أولا كي يكون لبنة أساسية ومناسبة في نظام إقليمي شرق أوسطي جديد تكون فيه إسرائيل ليست المهيمنة فقط وإنما القلب الناظم والموجه والمسيطر على كل مكوناته وتوجهاته وتطوراته ، بما يلبي حاجاتها الأمنية والاقتصادية والسياسية ، وفي توافق وتطابق تام مع استحقاقات النظام العالمي الجديد واستحقاقات العولمة التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها على عموم المنطقة والعالم بدءاً من إعادة ترتيب الأولويات الوطنية للبنان وانتهاء بإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية الداخلية والخارجية لكل دول المنطقة العربية ، وانتظامها وفق قوانين وآليات العولمة والنظام الدولي الجديد ، على طريق إنجاز الحلول والتسويات السياسية النهائية للنزاعات القائمة في المنطقة العربية وفي مقدمتها النزاع والصراع العربي الإسرائيلي وتصفية القضية الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني طبقاً لاستحقاقات العولمة الصهيو أمريكية في المنطقة ، إن هذه الحرب المدمرة على لبنان ليست امتداداً طبيعياً للحروب العربية الإسرائيلية السابقة وإن بدت في ظاهرها كذلك ، وإنما هي حرب من طراز الحروب الجديدة التي بشرت بها وفرضتها الولايات المتحدة وشنتها على العرب وعلى غيرهم مثل الحرب على أفغانستان أو العراق في نطاق حربها على الإرهاب وأشباهه من (( دول محور الشر )) حسب مفهوم الولايات المتحدة لهذا المصطلح الذي قد يتوسع ويمتد ليشتمل أيضا على مواجهة المنظمات والجماعات أو الأفراد .

لبنان بين فكي العولمة :

لقد أصبح لبنان نموذجا لتطبيق آليات العولمة واستحقاقاتها المختلفة ، لقد سبق لنا منذ عامين أن نشرنا مقالاً بعنوان ( العولمة بين تيارين ) ورأينا فيه أن العولمة يتنازعها تيارين الأول يدعو إلى (( لبرلة العولمة )) ويعني فرض استحقاقاتها بالوسائل السلمية ، والثاني تيار يدعو إلى (( عسكرة العولمة )) والذي لا يرى في الوسائل السلمية أدوات كافية لفرض العولمة واستحقاقاتها ، وأن مصالحه لا تحتمل الانتظار الذي تقتضيه الحوارات والمفاوضات لتؤتي ثمارها فلا بد من استخدام القوة العسكرية المفرطة لفرض التغييرات اللازمة والتي تلبي استحقاقات العولمة .

إن لبنان الصغير بمساحته ، الكبير بتأثيراته في المنطقة وقع بين فكي هذه العولمة منذ أكثر من عامين ، عندما قررت دوائر القرار الدولي فتح ملفه لارتباطه الوثيق بقضية الصراع العربي الإسرائيلي ومستقبله ومستقبل مختلف قضايا المنطقة العربية ، فقد سعت واشنطن وباريس وأطراف سياسية لبنانية للقيام بإجراء التغييرات الواجبة في إعادة ترتيب الأولويات والسياسات وإعادة بناء النظام السياسي في لبنان وفق الاستحقاقات التي تمليها ضرورات التغيير للتوافق مع المتغيرات الإقليمية والدولية التي ستشهدها المنطقة وتجريها الولايات المتحدة متضامنة مع شركائها وفي مقدمتهم إسرائيل بإسلوب سلمي اعتمد بداية على الحوار الداخلي بين المكونات السياسية والاجتماعية والطائفية ... في لبنان من جهة ، وبين كل هذه المكونات الداخلية والقوى الدولية من جهة أخرى ، وعلى هذه القاعدة تمكنت القوى الدولية ممثلة في واشنطن وباريس بالتنسيق مع أطراف لبنانية من إصدار القرار 1559 عن مجلس الأمن الذي ينص على إنهاء وجود القوات الأجنبية في لبنان ويعني إنهاء الوجود السوري مباشرة ومن ثم نزع سلاح المليشيات ( حزب الله ) والمنظمات الفلسطينية ، كمدخل لإعادة تأهيل النظام اللبناني وبسط سيطرة الدولة اللبنانية على أراضيها تمهيداً لفرض استحقاقات سياسية على لبنان والمنطقة ذات علاقة مباشرة في إطار النظام الإقليمي الشرق أوسطي الجديد .

لقد كان من النتائج المباشرة لهذا القرار الدولي 1559 أن أخلت سوريا مباشرة مواقعها العسكرية في لبنان واستجابت لتنفيذه تحت الضغط الدولي المباشر ، تاركة لبنان يواجه مصيره بنفسه مع استحقاقات هذا القرار سواء بواسطة النزعة الليبرالية أو العسكرية للعولمة إن اقتضت الحاجة ، وشهد لبنان على أثر ذلك حالة من الاحتقان والغليان السياسي على مستوى مؤسساته الدستورية وأحزابه وطوائفه المختلفة في عملية إعادة اصطفاف جديدة لقواه حسب مقتضيات المرحلة والضغوط التي بدأ يتعرض إليها لبنان ، وقد ذهب في هذا الخضم والمستنقع السياسي الهائج المرحوم رفيق الحريري وشخصيات لبنانية سياسية وثقافية وإعلامية أخرى ضحية له ، ولقد أدركت النخبة السياسية المتحكمة في لبنان خطورة الوضع الذي يتجه إليه ، فأطلقت مبدأ الحوار الداخلي كي يكون وسيلة سلمية لوضع التطورات والاستحقاقات المستحقة على لبنان الجديد موضع التنفيذ ، ولكن الحوار أخذ يترنح ويتعثر أمام سياسات الضغط والشد والجذب التي تعرض لها لبنان من قوى إقليمية وأخرى دولية ، وفي نفس الوقت الذي لم يكن لبنان فيه بعيداً عن آثار إخفاقات عملية السلام – العربية – الإسرائيلية – وخصوصاً في شقها – الإسرائيلي – الفلسطيني – وسياسات إسرائيل التي حظيت بالرضى الأمريكي والمعارضة الضعيفة لها من قبل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي ما دفع إلى خلق حالة من الهلع السياسي والعسكري في لبنـان ومختلف دول المنطقة جراء السياسات التي أقدمت عليها حكومة شارون في إسرائيل سابقاً وحكومة أولمرت لاحقاً ، والتي تتعمد وبشكل صريح تغييب دور الشعب الفلسطيني وقيادته من المشاركة في التفاوض بشأن مستقبله ومستقبل قضيته ومشروعه الوطني الهادف إلى تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، ما يعني فرض حالة من الاستسلام على الوضع الفلسطيني والعربي للقدرية الإسرائيلية المغطاة بالشرعية الأمريكية والمدعومة سياسياً وعسكرياً من قبلها .

لقد كان رد الفعل الطبيعي أن يستنكر لبنان بكل مكوناته السياسية ومعه جميع الدول العربية هذه السياسات الإسرائيلية التي لن تؤدي إلى السلام أو الاستقرار في الشرق الأوسط وأن تتحرك قوى المقاومة في لبنان للتعبير عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة للسياسات العسكرية الأحادية الإسرائيلية ، ليأتي هذا الرد المزلزل على لبنان وعلى العرب من قبل إسرائيل وبتغطية دولية تتزعمها الولايات المتحدة علانية وتسبغ عليها شرعيتها التي لا تعلو عليها أية شرعية اليوم في أن تفعل إسرائيل في لبنان كل شيء محرم ليكون عبرة لغيره باسم حق الدفاع عن النفس ، ولم تترك الولايات المتحدة فرصة لإسرائيل أن تحدد حتى مدى عملياتها فارضة عليها أجندة عسكرية وسياسية خاصة أخرجت هذه الحرب الإسرائيلية على لبنان من كلاسيكية الحروب الإسرائيلية العربية السابقة ولتضعها في سياق أهدافها العامة التي ترمي إليها وسياستها الجديدة التي تفرضها على دول منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة ، وتصبح إسرائيل من خلال هذه الحرب وكيلاً دولياً شرعياً بوكالة أمريكية لتنفيذ وتطبيق الشرعية الدولية في لبنان ممثلة في القرار 1559 !!!!

إن إسرائيل الدولة المـارقة والخارجة عن قواعد القـانون الدولي منذ تأسيسها إلى الأن والتي لا تعـير وزناً للأمم المتحدة أو لأي من قراراتها التي صدرت في حـقها منـذ نشأتها تصبح الآن (( بوليساً دولياً )) يفرض على لبنان تنفيذ القرار 1559 بالقوة المسلحة وبالطريقة وبالكيفية التي تراها وتحددها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية .

لهذه الأسباب كلها تشن الحرب على لبنان مباشرة وعلى المنطقة ، والتي سيتحقق من خلالها معاقبة مبدأ المقاومة ( لبنانية أو فلسطينية ) أو أي مقاومة عربية شعبية أو رسمية لمخططات العولمة والشرق الأوسط الجديد ، وتهيئة الوضع العربي برمته لفرض الرؤى الإسرائيلية الأمريكية على مجمل الوضع العربي لحقـبة طويلة من الزمن ، وإعادة صياغة النظام السياسي العربي وقواعد اللعبة السياسية فيه وفي النظام الشرق أوسطي الجديد الذي سيخلف النظام العربي المتهالك .

E-mail: pcommety @ hotmail.Com * مدير عام مكاتب اللجنة الشعبية الفلسطينية - مفتاح 24/7/2006 -

http://www.miftah.org