شرق أوسط جديد بحاجة لدور أمريكي جديد
بقلم: د.احمد مجدلاني
2006/7/25

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5663


تحت وابل القصف المركز على القرى والمدن والبلدات اللبنانية ، ومع تواصل الحصار على قطاع غزة وتهديم ما تبقى فيه من بنى تحتية وطاقات اقتصادية وبشرية ، استلهمت السيدة رايس وزيرة الخارجية الأمريكية "حلا سحريا" لعلاج أزمات المنطقة المزمنة بتشكيل شرق أوسط جديد يخرج من تحت ركام الدمار الهائل الذي تحدثه الأسلحة الأمريكية الصنع والتي أثبتت جدواها وكفاءتها في القتل والتدمير ، وتغيير المعالم الديمغرافية في المدن والقرى والبلدات التي تعرضت لقصفها .

السيدة رايس ومخططي الإدارة الأمريكية من أوساط ما يعرف بالمحافظين الجدد الذين اعتقدوا وللوهلة الاولى إن اندلاع هذه الحرب في لبنان وفلسطين وبهذه السعة والشدة، وبصرف النظر عن الشرارة التي أطلقتها، إنها يمكن أن تشكل فرصة مناسبة لإعادة تشكيل وصياغة الجغرافيا السياسية في المنطقة انطلاقا من النتائج التي ستحدثها الترسانة العسكرية الأمريكية واليد الإسرائيلية المنفذة .

وبصرف النظر عن الأهداف الإسرائيلية التي تتقاطع إلى هذا الحد أو ذاك أو تتطابق في بعض القضايا مع المصالح الأمريكية، فإن الرؤية الأمريكية قد تجاوزت ما يمكن أن نسميه تفاعلات اسر جنديين من قبل حزب الله في الجنوب اللبناني واسر جندي آخر في قطاع غزة إلى ما يمكن تسميته استثمار الوضع الناشىء لإعادة تشكيل المنطقة سياسيا والتخلص من بؤر التوتر فيها وفي المقدمة منها الإسلام السياسي والتي تشكل مصدر إزعاج وإعاقة لبسط الهيمنة والنفوذ الأمريكي فيها ، ولضمان تدفق آمن للنفط استخراجا وتوصيلا وتسويقا وتسعيرا ، وبما يكفل بنفس الوقت تمكين الاقتصاد الأمريكي من تعزيز قدرته التنافسية أمام خصومه الأوربيين واليا بانين والصينيين .

الولايات المتحدة الأمريكية ليست هي المرة الاولى التي تتداول فيها فكرة الشرق الأوسط الجديد ، أو الكبير ، فقد طرحت هذه الفكرة بعد حرب الخليج الاولى وكان احد أهم منظريها ومتبنيها وزير خارجية إسرائيل آنذاك شمعون بيرس ، وتحولت فكرة الشرق الأوسط الجديد عمليا إلى المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بغية تطوير الفكرة وضم أطراف أخرى إليها غير البلدان العربية الشرق أوسطية ولتصبح إسرائيل جزء من ترتيبات إقليمية اقتصادية، تضمن لها لعب دور الوكيل المعتمد في إطار اقتصادي جديد إضافة للدور الأمني الذي تلعبه .

انهيار عملية السلام وعدم حرص الولايات المتحدة الأمريكية وبذلها لأية جهود تضمن الحفاظ على أسسها ومقومات نجاحها، وانحيازها إلى جانب إسرائيل بعد تحولها من دور الوسيط النزيه إلى دور الشريك المنحاز قد افشل وعطل هذه المحاولة التي رغم تجاوب إطراف عربية وإقليمية معها، ومهما بدى إنها تعطي ثمارا مشجعة بعقد أربع مؤتمرات متتالية كان آخرها في الدوحة عام 2002، إلا أنها بدون مناخات سياسية مواتية لا تستطيع العيش ولا يستطيع أي طرف عربي مهما ارتبطت وتداخلت مصالحه مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية من المضي قدما فيها .

وبعد الحرب الثانية على العراق وإسقاط نظامه السياسي أعيد استنساخ فكرة الشرق الأوسط لكنه هذه المرة اسمي الكبير ظنا من الولايات المتحدة ومجموعة المحافظين الجدد إن ما تم تحقيقة بالقوة في العراق من الممكن قطف ثماره سريعا سياسيا واقتصاديا ، ورغم محاولات تسويق هذه الفكرة عربيا إلا أنها ما لبثت أن طواها النسيان لعدم قدرتها على ضمان ما تم إنجازه عسكريا في العراق .

ضيق الأفق السياسي يدفع مجددا مخططي السياسة الخارجية الأمريكية إلى الاعتقاد أن حربا على لبنان بهذه القوة والاتساع والعمق من الممكن أن تولد مناخات مواتية لإعادة تشكيل المنطقة انطلاقا من تباين عربي واضح حول ما جرى ويجري في لبنان، وكذلك إلى توافق دولي عبر عنه باجتماع الدول الصناعية الثمانية في ستراسبيرغ بروسيا الأسبوع الماضي .

وضيق الأفق هذا ينطلق من عدم قدرة هؤلاء المخططين من قراءة التجارب السابقة والطازجة وعدم استخلاص الدروس والعبر منها ، بان ما يفرض بالقوة وما يمكن صياغته بقوة الصواريخ لا يمكن تثبيته وترسيخه كواقع سياسي ما لم تتوفر على الأقل الحدود الدنيا من مصالح الأطراف المحلية والمعنية بالصراع .

ومن هنا فإن الرهان على وقائع جديدة تخلقها القوة العسكرية في لبنان لإعادة تشكيل الخارطة السياسية والحزبية فيه ، وبما يفتح الطريق أمام فرض رؤية أحادية الجانب للحل على المسار الفلسطيني تكون فيه الدولة مؤقتة الحدود هي السقف الأعلى سياسيا في المرحلة الراهنة . وذلك لتشكيل شرق أوسط جديد يتم عبره تفكيك المحور الإيراني، السوري، اللبناني( حزب الله) ، والفلسطيني( حركة حماس) ، وحشر إيران في زاوية نزع وإضعاف مخالبها في لبنان والعراق وكذلك الحال بالنسبة لسوريا .

إن هذه الأوهام التي تراود مخططي السياسة الخارجية الأمريكية على الرغم من تبسيطها للأمور وكأنها تمرين ذهني يعطي للطلاب والدارسين في حقل العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي ، فإنها لا تأخذ بعين الاعتبار لعوامل أخرى ذات أهمية بالغة لا تتصل فقط بقدرة ووجود وتجذر هذه القوى المناهضة في مجتمعاتها وبيئتها المحلية بقدر ما تتصل بأسباب التوتر التي لم تنزع والتي إذا ما استمرت فإنها سوف تولد قوى جديدة قد تكون أكثر تطرفا من القوى الحالية، أو إن هذه القوى وان أصيبت بضربات والحق بها الوهن فإنها وخلال فترة بسيطة ستكون قادرة على إعادة بناء قدراتها وتستطيع ضرب أو تخريب ما تم بنائه على رمال الشاطئ المتحرك .

إن شرق أوسط جديد هو أمر مطلوب لشعوب المنطقة شرق أوسط خال من الظلم والاضطهاد ومبني على أساس السلم وضمانات الأمن للجميع وعلى قاعدة تطبيق قرارات الشرعية الدولية وحفظ حقوق الجميع ، وليس دهس وطمس هذه الحقوق وفرض أرادات غريبة عنها ، وشرق أوسط جديد بهذه المعايير يتطلب دور أمريكي جديد غير هذا الدور المنحاز لإسرائيل والذي يطمس ويهضم حقوق شعوب المنطقة ويصادر حقها في حياة حرة كريمة تتطلع فيها لبناء مستقبل يؤمن التنمية المستدامة لشعوبها . هذا الدور الجديد لا يبدوا أن عوامله وأسسه متوفرة لدى الإدارة الأمريكية الحالية ولا تحمل رئيسة دبلوماسيتها في زيارتها للمنطقة عوامل تساعد على بنائه انطلاقا من مصالح شعوب المنطقة وتطلعاتها لذلك فإن الفشل المحتوم والمصير المعلوم لفكرة الشرق الأوسط القديم الجديد لن تكون سوى واحدة من المحاولات الفاشلة التي مصيرها أرشيف الفشل المتواصل المبني على قاعدة القوة وليس ضمان المصالح المتبادلة والمتقابلة لشعوب المنطقة ، وما لم يتحقق هذا الشرط فإن لا سلام ولا استقرار ولا شرق أوسط جديد سيقام بالمنطقة بل ستسمر حالة الصراع المفتوح إلى أن تنضج الإدارة الأمريكية وتدرك أن للآخرين أبناء هذه المنطقة وشعوبها مصالح حيوية أكثر أهمية وأكثر التصاقا بحاضر ومستقبل هذه المنطقة من المصالح الحيوية الأمريكية، ولا يمكنها التنازل عنها حتى وان كان ميزان القوى ليس لصالحها في الوقت الراهن . - مفتاح 25/7/2006 -

http://www.miftah.org