|
المذابح وغياب الصورة في الاعلام الغربي
الموقع الأصلي:
من مهازل القدر العربي الجديد حقا أن نرى كل هذا التناقض المبني على شعارات وصراخ مفرغ من كل المعاني إلا من معاني النفاق الذي تسلل إلى الجسد العربي فيغضب قليلا ويرتاح بقية العمر إلى أن تأتيه صورة أخرى من الذبح العلني الذي لم يتوقف الشعب الفلسطيني يوما عن مناداة هذا الجسد المترهل لنفض غبار الخنوع عنه وليثبت ولو لمرة واحدة بأن الرجولة ليست بإطلاق صواريخ وقنابل ومفرقعات الصراخ الحامل شتى أنواع النفاق والعجز ! هذه مقدمة لابد منها في زمن عربي آخر ، لم تعد فيه العمالة والخيانة سرا ولا عارا ولاعاد الكلام المباح حبيس الغرف بل أصبح علنيا لصنع عقل عربي آخر لدى الاجيال القادمة ... العقل الذي لن نخوض الان بالمدى التدجيني الذي تريده تلك القوى ... دعونا نعود لسؤالنا عن غياب الصورة في الاعلام الغربي، وحتى لا نتهم من البداية من أننا نؤمن بنظرية المؤامرة فإننا نؤمن بأنه ثمة مخطط أو خط معين تعمل وفقه وسائل الاعلام الغربية حين يتعلق الامر بالجلاد الصهيوني والضحية العربية... لقد إستمعت مثل ملايين العرب الاخرين إلى تلك التبريرات السخيفة التي قدمها بعض الاعلاميين الغربيين، الذين يطلون علينا من قنواتنا العربية كـ"خبراء" ، بأن عرض صور الضحية العربي، وهنا كان النقاش عن مذبحة قانا الثانية، يتنافى و" ثقافة الاعلام الغربي"! في مقابل رفض الاعلام الغربي عموما تقديم صور الضحايا العرب والاكتفاء بخبر مختصر عن الفعل الصهيوني الارهابي والتوسع عبر الصورة والتعليق على ردة الفعل التي صاحبت المذبحة في كل من بيروت وغزة وعرض موسع ودقيق لعمليات إقتحام مقري الامم المتحدة كنوع من الاحتجاج على صمت هذه الهيئة حتى على مقتل جنودها في العدوان الصهيوني على لبنان... أضف إلى ذلك أن بعض وسائل الاعلام الغربية وفي اليوم التالي لمذبحة قانا خرجت علينا بنظرية المؤامرة (المتهم أصلا بها العقل العربي كلما أراد الاقتراب من الحقيقة) عن أن من قتل هؤلاء الاطفال في قانا لم يكن الجيش الصهيوني... بل ربما أن صاروخا من صواريخ المقاومة اللبنانية هو من قتل هؤلاء... هذا الامر هو إبتياع كلي للقراءة الصهيونية التي تدعي بأن جيشها " نقي وطاهر" ولا يمكنه القيام بقتل المدنيين... المبرر الاعلامي الغربي الذي يُقدم كتفسير لمنع الصورة ورده إلى " ثقافة" ما أو خط ما يأخذ به هذا الاعلام يكرسه هؤلاء " الخبراء" بإعتباره يأخذ بعين الاعتبار مشاعر المشاهد! هنا نعود لحالة الغرق في الكذب والنفاق الذي يمارسه الاعلام الغربي ، إذ ليس من الصحيح البتة أنه هناك ثقافة تمنع عرض صور الضحايا، سواءا كانوا قتلى أم جرحى، ففي تجربة هذا الاعلام وتعاطيه مع القضايا العربية يمكننا فقط أن نذكر حالة التغطية التي تقوم بها جل وسائل الاعلام الغربية المرئية إذا ما تعلق الامر بعملية فدائية فلسطينية في العمق الصهيوني حيث تتابع شاشة الفوكس نيوز والسي ان ان وما بينهما من محطات " الضحايا" الذين يسقطون جراء تلك العمليات حتى غرف الطوارئ في المشافي الصهيونية... هذه حالة لا يمكن نكرانها أو الكذب بشأنها...أضف إلى ذلك إلى أن الصورة العربية التي يظهر فيها الضحايا من أطفال في فلسطين والعراق ولبنان هي الصور التي يمكن أن تقلب المشهد، وعليه لا نستغرب أن يكون ثمة خط سياسي محدد للتعمية على تلك الصور المقززة لأي كائن بشري ... ففي فيتنام عُرضت الصور، صور مذابح اليانكي بحق المدنيين فإنقلب الحال السياسي الداخلي في دوائر القتلة... ولهذا يعمل هؤلاء على إختصار الخبر التدميري للبنية التحتية وحرق لبنان وغزة في خبر بسيط ومختصر ومربوط دائما بما يسمى " الرد الاسرائيلي".. أو الادعاء السخيف الذي يشتريه أصحاب الامبراطوريات الاعلامية الغربية من قوات الاحتلال حين تقع المذابح وعمليات التدمير بالادعاء بأن المقاومة "تستخدم المدنيين كدروع بشرية" بالرغم من أن صورة الجندي الصهيوني والامريكي معروفة تماما في إستخدامها للدروع البشرية في عملياتها القذرة أثناء الاقتحام أو أثناء التجول في العراق... هذه الامور بديهية ربما لنا نحن العرب، لكنها ليست بديهية للمتابع الغربي الذي ما يزال ينتظر قناة عربية عالمية أو تغيير في الطريقة الاعلامية العربية المتعاطية مع الخبر، أنا لا أدعو هنا إلى تقليد الصهاينة في بث الكذب المكشوف، بل إلى عرض الحقيقة عبر فضائية عربية قرر العرب ذات يوم إنشاؤها فمات القرار مثل بقية القرارات التي تولد ميتة... الادعاء الاعلامي الغربي، وهو إدعاء صهيوني، بأن الجيش الصهيوني لا يستهدف المدنيين متعمدا، يحتاج إلى أن يُذكر بعض إعلامنا العربي الصادق عن حملة الارهاب التي تجري في غزة والتي بات الهاتف سلاحا بيد " جيش الدفاع" الذي يطلب من الاهالي إخلاء منازلهم لإستهدافها وتدميرها... بل يحتاج لتوضيح ما يجري في لبنان من رمي مناشير تهدد من يبقى في قريته بتدمير البيوت على رؤوسهم وهو ما تم في الحقيقة... وما إكتشاف الجثث يوميا تحت ركام المنازل المستهدفة إلا دليلا على الهمجية التي تدعي كذبا وتزويرا "التحضر".. النقطة التي يجب الاشارة إليها في هذا السياق أيضا تلك التي تتعلق بأنه ربما تكون مجزرة قانا لم تتم بأيدي صهيونية... فلو كان حزب الله مثلا قادر على إختراق الملاجئ التي يتكدس فيها في المستعمرات الصهيونية فلماذا لم نرى 60 قتيلا دفعة واحدة في القصف المستمر لتلك المستعمرات في الشمال الفلسطيني؟ الحقيقة هي أن الاسلحة الامريكية " الذكية" التي تحمل اليورانيوم المنضب والتي تم شحنها ، وهنا لا نناقش من أين شُحنت، لهذا الجيش الذي يقوم بمذابح يومية، هي المسؤولة مسؤولية كلية عن إحداث كل هذا الدمار بحق المدنيين... ففي مقابل العجز أمام رجال المقاومة العربية في فلسطين ولبنان والعراق يبحث الصهيوني والامريكي عن إنتصار ما يكون وقوده المزيد من عمليات إستهداف المدنيين والبنية التحتية... العالم العربي مسؤول في هذا المجال مسؤولية كاملة عن إحتضان هذا النمط من الاعلاميين الغربيين الذين يقدمون للمشاهد الغربي صورة معاكسة تماما للوقائع، في ذات الوقت الذي يجري الضرب بيد من حديد على رأس الاعلامي العربي الذي يحاول نقل الحقيقة حتى للمشاهد العربي... لقد رأينا في العراق ما رأيناه من عروض يفرح ويصفق لها اليانكي حين يقتل الرجال والنساء ، ألا نتذكر صورة هؤلاء الجنود الذين عرضتهم السي ان ان قبل عامين وهم يهللون لقتل ذاك العراقي الجريح الممدد في الشارع ؟! ألم نرى كيف إضطر الاعلام الامريكي لعرض بعض الصور من أبوغريب قبل أن يأتي القرار الذي يمنع المزيد من عرض الانتهاكات لما يمكن أن تسببه من ضرر لهؤلاء ومخططهم الجهنمي في المنطقة؟ كيف يجري الحكم على عربي قاتل لأمريكي ( جندي أو إستخباراتي) في محاكم عربية بينما لا تستطيع تلك المحاكم أن تحرك ساكنا أمام قتل وإغتصاب العربي في العراق والانتهاكات كلها التي يقوم بها اليانكي حيث تقوم المحاكم الامريكية باصدار أحكام صورية لإسكات العرب لا غير! للأسف الشديد نختم كلامنا بالقول بأنه لولا العجز الاعلامي العربي والتواطؤ الحاصل لما تجرأ هذا الاعلام الغربي على الاستخفاف بمشاعر العرب وضحاياهم تحت بند الحفاظ على مشاعر المتلقي الغربي! - مفتاح 1/8/2006 - http://www.miftah.org |