|
سقوط الرهان على الحل العسكري
الموقع الأصلي:
زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية الثانية وعلى عجالة من أمرها لمحاولة تمرير مشروع سياسي يبدأ بوقف إطلاق نار مشروط لتكر السبحة على جملة من المطالب السياسية تضع لبنان تحت الوصاية الأمنية والسياسية الأمريكية عبر ما يسمى قوات سلام دولية استنادا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يخول استخدام القوة ، وبما يؤدي ذلك لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة انطلاقا من العدوان العسكري وقوته التدميرية الكبيرة للبنى التحتية المدنية وللطاقات البشرية . بيد إن الرهان على إمكانية تحقيق هذه المكاسب السياسية على الأرض لا يبدوا أنها ممكنة التحقيق حتى وان بدا الرهان عليها ممكنا في محاولة لاستمالة الحكومة اللبنانية استنادا إلى ما تم طرحه من مبادرة رئيس الحكومة اللبنانية في مؤتمر روما، والذي عجز المؤتمر عن التوصل إلى مسودة بيان يطالب بوقف إطلاق للنار غير مشروط على الأقل . النتائج العسكرية على الأرض وما تحقق لغاية الآن لا تعطي الولايات المتحدة ولا إسرائيل أية أفضلية في طلب فرض نتائج سياسية ، ولما كانت الوزيرة رايس في زيارتها الأخيرة قد أمضت يوما كاملا في التنقل بين مكاتب رئيس الحكومة إيهود أولمرت ووزيرة خارجيته ووزير دفاعه مع بعض الطواقم الفنية بغية الإعداد لمشروع قرار يقدم لمجلس الأمن متفق عليه أمريكيا وإسرائيليا ، فقد فاجىء الجيش الإسرائيلي قيادته السياسية والسيدة رايس بارتكابه جريمة مروعة في قرية قانا سجلت كجريمة جديدة في سجل هذا الجيش المبني على جرائم القتل الجماعي منذ تأسيسه . الجريمة المذبحة التي ارتكبت وعن سابق تصور وتصميم من قبل الجيش ربما تكون قد أربكت المساعي السياسية التي تدفعها السيدة رايس والتي بلورتها في تل أبيب وواشنطن بعد زيارة السيد بلير الخاطفة إلى هناك ولقاءه الرئيس بوش . الجيش أراد من هذه المذبحة الجديدة ترحيل أزمة إنسانية وسياسيو جديدة على كاهل حزب الله والحكومة اللبنانية وارباك الوضع الداخلي اللبناني بإغراقه بمزيد من النازحين من قراهم وبلداتهم في وقت يزداد فيه العجز عن تحمل التبعات الاقتصادية والتموينية والمعيشة، وكذلك الطبية لحوالي ثمانمائة ألف مهجر انتشروا شمالا في المدن والقرى والبلدات اللبنانية هربا من الموت والدمار . يدرك الجيش الإسرائيلي ومن ورائه القيادة السياسة إن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تفوت وتعطل أية فرصة لإدانة هذه الجريمة في مجلس الأمن رغم اجتماعه العاجل، وتدرك أيضا القيادة السياسية الإسرائيلية والجنرالات الذي يقودون الدفة السياسية في إسرائيل الآن من وراء رئيس الوزراء إن تحقيق المطالب والمكاسب السياسية التي تطالب فيها الولايات المتحدة لا يمكن تحقيقها إلا باستخدام المزيد من القوة الغاشمة ، رغم فشلها في تحقيق مكاسب عسكرية ملموسة على جبهات القتال . الرهان العسكري كما يبدوا من الوقائع التي تفرزها المواجهات الساخنة لم تحقق المطلوب ، وهذا الرهان المتجدد على إطالة أمد الحرب لمدة عشرة أيام أو أسبوعين لتحقيق ما لم يتم تحقيقه وإنجازه خلال الأسابيع الثلاثة المنصرمة يضع علامة استفهام كبيرة على جدوى هذه المدة الجديدة المطلوبة .عملية قانا وبخلاف ما كان يتوقع مخططي القيادة العسكرية الإسرائيلية وأصحاب القرار فيها على المستوى الاستراتيجي أيضا، وحدت الموقف اللبناني الداخلي وجعلته أكثر تماسكا حتى عند أكثر حلقاته استعدادا للتعاطي مع موضوعات الحلول السياسية، بل على العكس من ذلك بدا موقف الحكومة والمعارضة وكافة فئات الشعب اللبناني وقواه الحية موحدا حول موقف بسيط ولكنه معبر، "نعم لوقف إطلاق نار غير مشروط ولا بحث في أية ترتيبات قبل وقف العدوان" . كما إن هذه العملية وبحجم البشاعة التي ارتكبت فيها قد دفعت العديد من المواقف العربية التي كان لها مواقف سابقة انتقدت فيها إشعال فتيل هذه الحرب ، هذه البلدان وانطلاقا من حسابات داخلية لا تستطيع الاستمرار بذات الموقف في ضوء التطورات الحاصلة على الأرض، بدأت تمارس تحركا سياسيا ضاغطا على الإدارة الأمريكية مستفيدة من التباين بالموقف الدولي والذي تشكل فرنسا راس حربته الرئيسية ، باتجاه الوصل لوقف إطلاق نار فوري وبدون شروط مسبقة على لبنان وغيره من دول وشعوب المنطقة . بيد إن النجاح في هذا المسعى الذي تبدوا إن المناخات الدولية والإقليمية الآن أكثر مواتية له بسبب تفكك الجبهة المساندة لإسرائيل ، يتطلب وقبل كل شيء تعزيز صمود القوى اللبنانية المقاتلة أولا ، وصمود الشعب اللبناني رغم المعاناة الهائلة التي يعيشها ، من خلال توفير مقومات الصمود المادية، والتي المطلوب فيها تعويض "العرب" الرسميين تقصيرهم رغم قدرتهم من القيام بواجبات أخرى في ظل معركة عسكرية مفتوحة بهذا القدر من الكبر والاتساع . هذا الصمود الذي نتحدث عنه استلهاما من تجربة صمود المقاومة الفلسطينية في بيروت عام 1982 ، الهدف منه بالدرجة الأساسية إسقاط الرهان نهائيا على خيار الحسم العسكري والقوة العسكرية في ترجمة ذلك سياسيا بفرض شروط ومطالب ابعد من ترتيبات أمنية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، أو السورية اللبنانية، لتصل لفرض ترتيبات إقليمية أوسع مدى لتشمل سوريا والعراق وتضيق الخناق على إيران فيما يتصل ببرنامجها النووي وطموحاتها الإقليمية الكبيرة ، وتهيئة المناخات للاستفراد بالوضع الفلسطيني لتمرير الحل الانتقالي طويل المدى تحت ما يسمى بالدولة الفلسطينية مؤقتة الحدود . الولايات المتحدة الأمريكية تدير هذه الحرب وتمولها وإسرائيل هي الوكيل المنفذ مع بعض المكاسب الخاصة فوق الأجور عن المقاولة التي تقوم بها ، وأي أخفاق أو إحباط للمساعي الأمريكية قد يفرض مع سقوط الرهان على الحل العسكري الإسرائيلي ، إعادة النظر جذريا بطريقة التعاطي الأمريكي الإسرائيلي مع موضوع الأمن والاستقرار بالمنطقة انطلاقا من الاعتراف أولا بحقوق دول وشعوب المنطقة بالعيش بسلام وامن، وعلى قاعدة احترام وتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي تضمن حقوق الشعوب بالعيش بكرامة على أرضه ثانيا، وتوفر المناخ الملائم لإقامة سلام دائم وشامل فيها ، وبغير ذلك وحتى لو تحققت بعض المكسب العسكرية الآن جراء هذه الحرب المجنونة ، وفرضت بعض الحلول بالقوة وانتزعت بعض المكاسب جرائها، فإن عوامل استمرار الصراع ستبقى قائمة وستتفجر لاحقا على قدر أوسع وأعمق مما قد يلحق أذى اكبر وأوسع بالمصالح الأمريكية في المنطقة وعندها ستكون كلفة ترميم الوضع اكبر بكثير مما هو متاح الآن . - مفتاح 2/8/2006 - http://www.miftah.org |