مروة .. حكاية طفولة ضاعت في باصات الصليب الأحمر وعلى نقاط التفتيش
بقلم: احمد حسن
2006/8/2

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5717


لم تكن الطفلة مروة أبو خضر ابنة الثلاثة عشر ربيعا من طوباس تعلم أن انتفاضة الأقصى ستغير مجرى حياتها، وأنها على موعد مع العذاب والحرمان من والداها وسرقة طفولتها على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، مروة هي حكاية شعب عانى الكثير وما زال يعاني قسوة الاحتلال الإسرائيلي ومرارته، وهي حكايات ألاف الأطفال الذين غيبوا قسرا عن طفولتهم وحرموا من آبائهم إما بالقتل أو الأسر أمام مرأى ومسمع العالم اجمع.

مروة صاحبة الوجه الذهبي الذي يشع بالبراءة وينتفض بالحب ابنة الصف الثامن الأساسي تروي حكايتها ورحلة معاناتها وسرقة طفولتها البريئة على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي فتقول: "عندما كنت في الصف الرابع الأساسي أي قبل أربع سنوات جاءت قوات الاحتلال إلى بيتنا ليلا واعتقلت والدي بطريقة وحشية واقتادته إلى السجن وحكمت علية بالسجن لمدة ست سنوات ونصف السنة، ومن هنا بدأ التحول الحقيقي في حياتي فسلطات الاحتلال لم تكتف بحرماننا أنا وأخوتي من والدنا طيلة تلك الفترة بل منعت أمي وجدتي واخوتي وأخواتي من زيارته بعد أن رفضت أعطاء تصاريح الزيارة لهم، وأنا منذ تلك اللحظة حملت على عاتقي مسؤولية زيارة والدي في الأسر طيلة الأربع سنوات الماضية حيث كنت حلقة الوصل بينه وبين العائلة.

رحلة عذاب كبيرة لطفلة ما زالت صغيرة..

وتضيف مروة قائلة: "لم اغب يوما عن باصات الصليب الأحمر حتى أصبح وجودها يشكل كابوسا يرافق حياتي، ووقفت في العديد من طوابير التفتيش على كل المعابر والبوابات الإسرائيلية كل ذلك من اجل زيارة والدي فذهبت إلى العديد من السجون في رحلة لا تنتهي من اجل ملاحقته في تنقلاته بين السجون".

وعن طقوس الزيارة والرحلة التي تقوم بها مروة تقول: أنا الوحيدة من أخوتي وأخواتي التي يسمح لي بزيارة والدي لأنني ما زلت طفلة، لذلك استيقظ فجرا يوم الزيارة، أي في الساعة الرابعة صباحا حيث تكون أمي أعدت لوالدي بعضا من وجبات الطعام ورتبت له بعض الملابس والأغراض التي هو بحاجة إليها، وتقوم بإعداد سندويشات لي لان الرحلة طويلة وأنا غالبا ما اشعر بالجوع أثناءها، بعدها أقوم بوداع أمي وهي توصيني والدموع تملا عينيها بان اهتم بنفسي وان اسلم على والدي كثيرا، وتضيف مروة قائلة: "حين أرى الدموع في عيني والدتي اشعر بالخوف والقلق والتوتر لكن لا سبيل أمامي فوالدي ينتظرني بفارغ الصبر كي انقل له تحيات أمي وأخوتي وأخواتي فما أن يبدأ الظلام في التلاشي حتى أكون في مدينة جنين في ساحة كبيرة أنا وكثير من العائلات لكنني أنا الوحيدة التي دون أسرة لذلك دائما اشعر بالخوف".

وتكمل مروة حديثها: "بعدها يتم نقلنا في باصات الصليب الأحمر إلى حاجز الجلمة العسكري هناك نقف في طوابير طويلة ولساعات نخضع خلالها لعملية تفتيش نحن والأغراض التي نحملها ومن ثم نستقل حافلات إسرائيلية وبعدها نسير تحت حراسة جيبات عسكرية لا اعرف إلى أين كل الذي اعرفه أنني ذاهبة لزيارة والدي في سجن النقب، لذلك اشعر بتعب كبير أثناء السفر ولكن ماذا افعل لا أستطيع أن أشكو إلى احد فانا وحيدة في هذه الرحلة الصعبة، فتبدأ عيوني بمراقبة الأطفال فجميعهم مع أسرهم لذلك أقول لنفسي "لماذا أنا وحدي يا رب ولماذا لا تسمح إسرائيل لامي وجدتي واخوتي وأخواتي بالذهاب معي".

وتتابع مروة حديثها عن معاناتها فتقول: ما أن نصل بعد أكثر من أربع ساعات من السفر إلى سجن النقب حتى يقوم الجنود بتجميعنا في ساحة كبيرة وفي طوابير طويلة دائما انتظر طويلا حتى يأتي دوري خلال تلك الفترة أبدأ أتخيل ما تفعله الآن صديقاتي في المدرسة ولماذا لا أكون معهن في هذه اللحظة اهذا هو قدري ولماذا اسرائيل تعاقبني وتسرق طفولتي وتحرمني من اللعب وتفرض علي أن أتحمل مسؤولية الكبار.

معانقة الأب ممنوعة لأسباب أمنية..

وتضيف: عندما يأتي دوري ادخل إلى غرفة صغيرة حيث تقوم مجندة إسرائيلية بتفتيشي وتفتيش أغراضي ومن ثم اذهب إلى قاعة كبيرة ينتظر فيها الجميع وبعد أن ينتهي الجنود من تفتيش عدد من الأهالي يقومون بأخذنا إلى قاعة الزيارة فما أن أشاهد والدي حتى أسرع لأقبله واحتضنه لكنني اصطدم بسياج يفصل بيني وبينه يوجد فيه فتحات صغيرة جدا فقط أستطيع أن الأمس أصابعه وهو بدوره يقوم بسؤالي عن نفسي ودراستي وعن جميع أفراد الأسرة وعن الأشياء التي تحدث في خارج السجن خاصة في بلدتي وأنا بدوري انقل له بعض الرسائل وابلغه بكل ما أستطيع تذكره، لكن خلال تلك اللحظات اشعر كم أنا بحاجة إلى الدخول خلف ذلك السياج اللعين وان أضم والدي واشعر بحنانه لكن دائما (ممنوع... ممنوع)، اكره تلك الكلمات التي يطلقها جنود الاحتلال والتي تحرمني من والدي وتحرمني من الشعور بالحنان الذي افتقده طويلا.

وتتابع مروة قصتها فتقول: "بعد أن تمضي نصف ساعة اشعر أنها تمضي كلمح البصر يأتي الجنود ويقولون لنا انتهت الزيارة اخرجوا من هنا ويقومون بالصراخ علينا وطردنا إلى خارج القاعة أبدأ حينها ابكي عند وداع والدي لأنني لا أريد أن اتركه أريد أن أبقى معه فترة أطول من ذلك لكن في النهاية اقنع نفسي بذلك وأتذكر كلمات أمي وهي تقول لي: هذا هو نصيبنا في هذه الدنيا يا ابنتي ويجب أن نتحمل.. وبعدها استعد لرحلة العذاب فما أن نستقل الباصات ثانية وتسير بنا حتى اشعر بدوار في رأسي وبتعب كبير في جسدي حيث انام كثيرا في الحافلة واستيقظ من اجل قتل الوقت لكن الطريق تأبى أن تنتهي بسهولة وفي ساعات الليل نصل إلى حاجز الجلمة حيث نستقل حافلات الصليب الأحمر الدولي والتي بدورها توصلنا إلى مدينة جنين ومن هناك أعود إلى البيت بعد أن يكون أهلي قد حجزوا لي سيارة أجرة تأتي لأخذي وغالبا ما اصل البيت في الساعة العاشرة مساء اجلس قليلا مع أمي واخوتي أطلعهم على أخبار والدي وابلغهم تحياته وبعدها استغرق في النوم".. وتضيف مروة: "هذا هو حالي منذ أربع سنوات".

نتذكر والدي ونراه في كل شيء..

وعن اللحظات الصعبة التي عاشتها مروة في غياب والدها تقول: دائما هناك حزن وألم يعتصر قلوبنا جميع أفراد الأسرة في البيت فعلى جميع وجبات الطعام نتذكر والدي وأين كان يجلس وماذا كان يقول حتى في أوقات الفرح لا تخلو المشاعر من الحزن فعلى سبيل المثال في فرح أختين لي كان هناك حزن كبير على الرغم من جميع المظاهر التي توحي بالفرح "العرس" والسبب هو غياب والدي لوجوده في السجن، كذلك دائما اشعر بالنقص في حياتي عندما يتحدثن صديقاتي عن ابائهن.

أمنية مشروعة..

وعن أمنية مروة تقول لا يوجد أجمل من أن أضم أبي واقبله فأنا أتمنى دائما واحلم في كل ليلة بلحظة خروجه من السجن وكيف سأستقبله وكيف ستكون حياتي بوجوده بيننا فالاحتلال حرمني من طفولتي عندما سرق مني والدي في المرة الأولى وعندما جعلني أتحمل مسؤولية الكبار في رحلات الزيارة له داخل السجون بعد أن حرم جميع أفراد الأسرة من زيارته طيلة أربع سنوات برفضه إعطاء التصاريح لهم لأنه يريد أن يعاقب والدي وأسرته كذلك، وتضيف مروة قائلة: لي أمنية أخرى وهي أن أعيش ما تبقى من طفولتي بسلام وامن وان العب بحرية كباقي أطفال العالم وان اشعر بطعم الحياة وان استمتع بها بعيدا عن مظاهر الخوف من القتل والدم التي سببها الجيش الإسرائيلي.

http://www.miftah.org