|
في نعي العروبة !
الموقع الأصلي:
ثمة شيء يعتصر النفس ألما, و يزيد الغصة في قلب كل عربي, أو منتمٍ للقيم و الأخلاق و الآدمية في مختلف الأرجاء و الأصقاع, فيما ينبعث من كل الصدور المؤمنة بحق الإنسان العيش في بلاده بكرامة, شعور ما؛ يشبه إلى حدٍ كبير الكفر بالذات, ليس لخلل في ذاتها, بقدر ما هو لإدراك عجزها و تنامي ضعفها, أمام هذا الواقع الذي نحياه, بعدما أصبحت قيمة الحياة أرخص من أي شيء آخر, تماماً؛ كثمن حياة مواطن عربي, سفح دمه و انتهك عرضه في عقر داره, بفعل الجنون الإسرائيلي المتعطش لدمائنا, على مسمع و مرأى من العرب و العجم على حد سواء, و لكن ,,, كالعادة ؛ في النجدة لا أحد .
إنهم عرب اليوم, الذين ما استقاموا عند إقامة, و لا قاموا عند استقامة, إنهم عرب اليوم الذين استنفذوا في غابر سنين ما قبل الصلح, كل عبارات الشجب و الاستنكار, و أدانوا في مواسم الإدانة, بقدر ما تيسر لهم من القول حينذاك, دون أن يحركوا ساكنا أو يُسكنوا متحركا, في وقتٍ كانت الشعوب تقبل بإنجازاتهم الاستنكارية و الإدانية, لمجرد أنهم قالوا عكس اليوم؛ و في قولهم في فقه البعض قد فعلوا, إنهم عرب اليوم الذين فشلت كل مشاهد الدم العربي المسفوك بطشاً, أن تستميلهم إلى دائرة الانتماء لما يسمى بالعروبة, كي يحافظوا على مستوى رد الفعل غضباً, في التعبير عن الإيفاء بالحد الأدنى, مما هو مطلوب, لمناصرة أشقاء لهم صاروا كالغرباء, في فلسطين و لبنان, إنهم عرب اليوم الذي استخف بهم سكان جهات العالم الأربع , و ما أقاموا لهم وزنا, لأنهم حقاً جديرون ألا يُقام لهم وزن.
إنهم عرب اليوم الذين تتصدر صور مأساتهم و جراحاتهم و نكباتهم, شاشات التلفزة في الدول التي نعرفها و التي لا نعرفها في كل مكان, فيما نحن معروفون بضعفنا و صمتنا الرهيب و صبرنا المزمن, حتى تحلى الصبر بنا حينما غضب, إنهم عرب اليوم الذين ما عادت الأخبار المقدسية أو البيروتية تعنيهم من قريب أو بعيد, لدخولها حيز الروتين, و إن استحوذت على اهتمام ما, فإنه لا يتعدى الاهتمام بأفلام الإثارة , التي سرعان ما يتحول عنها المتفرج إلى عرض حركي أو درامي آخر أكثر إثارة, إنهم عرب اليوم المقدرين تعظيماً قيمة و دور الحداثة و التطور و الديمقراطية, فتراهم كالأنعام أو أضل سبيلاً أمام فضائحيات الكرام من بني يعرب, يتفحصون نقاط الضعف و الاقتدار معاً, في أجساد المتصعلكات و المتبرئات من الحدود الدنيا للحياء, حسب المواهب الاستعراضية المتأهبة حتى آخر قطعة قماش شفاف, المحتضن بحركات بهلوانية صدور و خصور الغانجات اليعربيات, إنهم عرب اليوم المؤمنين بالله و اليوم الآخر أيضاً, فتراهم يقطعون البث الفضائحي المثير للغرائز, ليرفعوا على مسامع المراهقين الآذان الداعي للصلاة حسب التوقيت المحلي لمدينة مكة المكرمة, إذن إنها حلاوة الإيمان عند هؤلاء, و هي عند صنف آخر من العابدين, دعوة يلح بها على الله عز في علاه المؤمنون الصالحون عبثاً, من الأعراب باللسان و ليس غير اللسان, فتراهم يرددون اللهم شتت شملهم و وحد صفنا, منذ أكثر من خمسين عاماً, إلا أنهم لم يدركوا حد اللحظة أن مصيبة ما في صدورهم و عقولهم و أبصارهم, حالت دون استجابة الله سبحانه تعالى لدعواتهم في عدوهم.
ففي زمننا الجديد, لا جديد في سماء العروبة, ليقربه العرب برهاناً يؤكد عمق صلة الرحم و حاجاتها, مع كل من فلسطين أو لبنان, بل إن المفهوم من الحكاية الحاصلة الآن فصولاً و مشاهد, أن العرب قد قدموا استقالتهم من العروبة إلى الأبد, و أنهم صاروا لا يجيدون مهمات القتال و المبارزة دفاعاً عن النفس كما كان الأجداد, بعد أن أعلنوا النخوة و الكرامة و الشرف, أشياء من العصور البائدة, لا تسير توافقاً مع حداثة العصر و متطلبات الحياة ذات الطابع التابع, فالعرب الآن لا تشبه العرب في كل شيء, حتى في ملاطفة أباريق الخمر, التي ما كانت تتم فيما مضى إلا بمقاربة السيوف, أو بعد ركوب الخيل, أما الآن ؛ فلا سيف و لا خيل, لأن المسألة خمر و سكر دونما أمر, فالآن نعلن أن العرب بلا شك سكارى, بخمر الخوف و التواري و الفضيحة, إنهم عرب _الأنا مالية_ فالكل ليس ذي علاقة بما يجري .
و إلى أن يكون الجيش الإسرائيلي قد أغدق بكل هداياه, على أطفال فلسطين و لبنان, في قانا و رفح و صيدا و صور و غزة , و باقي المدن التي تموت و لا تعيش بعارها, سيكون سفر جديد من أسفار البطولة و الفداء, قد دونه من يستحقون أن يذكرهم التاريخ من الخالدين, فيما سيكون بيان نعي العروبة قد خطته دماء و عظام المقتولين قصفاً نيابة عن الأحياء الشرفاء ,تحت وقع صدى صرخات و آهات و عذابات و آلام أهل فلسطين و لبنان, وإلى أن تنتهي الحرب قريبا, و يستوعب المكلومون آثارها سيكون قد بدأ الإعداد للقمة العربية الجديدة, حينها سيتمنى كل من ذاق مرارة الهستيريا الدموية الإسرائيلية , أن تعقد بتشكيلة و صورة غير التي كانت عليه قمم العرب العدمية, كأن يتم شطب عضوية العديد من الدول و ضم دول أخرى, و إن كانت لا تتكلم العربية, على أن تُعقد في عاصمة أخرى ككاراكاس بفنزويلا .
- مفتاح 7/8/2006 -
http://www.miftah.org |