|
دروس من الحرب
الموقع الأصلي:
كانت قدرة التدمير والقتل لدولة اسرائيل مبهرة، ففي زمن قياسي استطاعت تشريد مليون لبناني بعد هدم قراهم ومدنهم وتحطيم البنية التحتية للـمجتمع والدولة اللبنانية، وبعد أن قتلت 900 وجرحت ألفاً من الـمواطنين الأبرياء جلهم أطفال. أما قدرة الجنود الإسرائيليين على مواجهة الـمقاومين اللبنانيين فقد كانت منخفضة ومهتزة بشكل غير مسبوق، وبدا الجنود في ساحة القتال وكأنهم لا يملكون عقيدة قتالية فهزموا في الـمواجهة وجها لوجه مع الـمقاومين. الصورة الـمهزوزة للجنود في ميدان القتال جاءت مغايرة للصورة النمطية للجندي الاسرائيلي الذي غلف انتصاراته السابقة بعقيدة "الدفاع عن الناجين من الـمحرقة" وبدرء خطر إلقاء اليهود في البحر" "وبناء دولة حامية ليهود العالـم". الآن انتهى مفعول الايديولوجيا التي تزنرت بها الـمؤسسة الأمنية طوال عقود، وأصبح من غير الـممكن إعادة انتاجها لدى الأجيال الجدد من الجنود الذين يتعاملون بمنطق جودة الحياة والامتيازات والواقع بعيدا عن الخيال. وترافق مع ذلك بداية تعامل أوساط واسعة ومتزايدة في العالـم وكل شعوب الـمنطقة مع الجندي الإسرائيلي باعتباره معتديا واستعماريا ومحتلا. والأهم أن الجندي الإسرائيلي بدأ يواجه مقاتلا ملتزما يذود عن حريته ويعمل لرفع الظلـم والـمهانة والذل عن شعبه. يمكن القول، إنه في مجال الإرادة تغّلب الـمقاوم اللبناني على الجندي الإسرائيلي، ويبدو جليا التفوق الأخلاقي والـمعنوي ايضا. ثبت أن حزب الله يمتلك استراتيجية مقاومة تنطلق من الخصائص الـمتناقضة بين مؤسسة عسكرية حديثة تتقن فنون الحرب الخاطفة والـماحقة، ومقاومة متوسطة التسليح محتضنة من شعبها الذي تعيش بين ظهرانيه. لقد امتلك حزب الله مستوى رفيعا من التدريب والـمهنية والانضباط، إضافة لإرادة قوية في مقاومة الظلـم وانتماء عميق لقضية عادلة. وكانت نتيجة مزاوجة الـمقاومة للخصائص الـمتناقضة أثناء الـمعارك، صمود الـمقاومين وإفشال تكتيك الحرب الخاطفة، وفرض مواجهة غير تقليدية مع جيش مدجج بأحدث الأسلحة وتكنولوجيا الـمعلومات مع مجموعات من الـمقاومين تتقن فن الكر والفّر والاختفاء. لـم يكن امتلاك قضية عادلة ولا تمتع الشعب بقوة الاحتمال وقبول التضحيات الكبيرة كافيا للصمود. كان امتلاك الـمقاوم اللبناني للـمستوى الـمهني العسكري الرفيع والعقيدة القتالية الحازمة عنصرا مقررا بالغ الأهمية، فهذا العنصر كان الأقدر على استثمار العناصر الأخرى والإفادة منها وتفعيلها. استراتيجية حزب الله في الـمقاومة مارست حق النقض على "استراتيجية التوسل العربية" وسط انحياز شعبي جارف لـمصلحة الـمقاومة، ولا يغير من هذه الحقيقة علاقة الحزب مع ايران وسورية، وفيما إذا كان التحالف بينهما استخداميا او تكتيكيا مؤقتا من قبل الدولتين الداعمتين للحزب. ما يهم رؤيته هنا أن الخطر الاكبر يتمثل بالـمشروع الإسرائيلي الأميركي للاستحواذ الكامل على الشرق الاوسط في مواجهة مصالح شعوب الـمنطقة، مقابل تهديد محتمل وبعيد وثانوي لأطماع اقليمية ايرانية. هل يمكن تعميم استراتيجية الـمقاومة في عموم الـمنطقة؟ أصبحت الشعوب العربية أمام ثلاث استراتيجيات، الاولى: استراتيجية التوسل الرسمية التي أعلن عمرو موسى موتها، والثانية: استراتيجية الارهاب التي يتزعمها بن لادن وتحاول تحويل الصراع في الـمنطقة الى صراع ديني مدمر. والثالثة: استراتيجية الـمقاومة التي اتبعها حزب الله والانتفاضة الفلسطينية. استراتيجية الـمقاومة هي الخيار الوحيد الذي يملك امكانية موضوعية للتقدم واحراز مكان تحت الشمس. والـمقاومة لا تقتصر على جبهة العمل العسكري فقط، ولا تعتمد على طائفة واحدة أو حزب مقاتل واحد أو زعيم واحد، بل تمتد لجبهات سياسية واقتصادية وثقافية تنخرط فيها الشعوب العربية والقوى العالـمية الـمعادية للحرب والهيمنة. العدوان الوحشي الإسرائيلي والـمقاومة البطولية اللبنانية والـمصير الـمجهول الذي ينتظر شعوب الـمنطقة احدث حالة من الجدل وطرح كماً هائلاً من الاسئلة، حول الخيارات ونقاط الضعف والقوة لحزب الله والقوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية واليسارية العربية، وحول مأزق الانظمة وعجزها الـمزمن او تبعيتها. لقد كشفت هذه الحرب عيوب التجربة الفلسطينية، بدءا من الخطاب الديماغوجي الثوري الذي يعد بردود مزلزلة لا تزلزل شيئا، الخطاب الاستئثاري الذي لا يعترف بشراكة الآخرين ولا يعرف غير لغة الأنا التي يبدأ التاريخ بها وينتهي معها، خطاب الـمؤامرة والتخوين عند كل شاردة وواردة وتصريح أو لعثمة. وكشفت الحرب الجانب الاستعراضي الـمقيت في التجربة الفلسطينية بدءا بالرتب العسكرية الرفيعة كاللواء والعميد والعقيد بدون سند مهني او تعلـم مهني والاهم بدون سيادة وطنية او شبه سيادة، وانتهاء بالكتائب والـمليشيات الـمنتشرة في كل حارة وزاروب وتتبع قبيلة او عشيرة أو حزبا وتعطي لنفسها حق إقامة القانون على آخرين. طوال الحرب لـم تعرض وسائل الإعلام رتبة عسكرية واحدة ولا قناعا واحدا ولا تصريحا واحدا ولا تهديدا واحدا من قبل أناس يصنعون ملحمة حقيقية في لبنان، ولـم تظهر قطعة سلاح واحدة على مرأى الناس. لا اريد التحدث عن جيش الوزراء والوكلاء والوكلاء الـمساعدين والـمدراء العامين والنواب والذين سبقوهم في التسلسل الـمذكور. التجربة الفلسطينية التي تملك عناصر قوة مهمة وتملك القدرة على تجاوز الاخطاء، غارقة منذ أمد طويل في مظاهر سلبية قاتلة وتعيش في حالة من التنافس السلبي التي من شأن استمرارها قطع الطريق على تطور هذه التجربة الرائدة. الحرب وأداء حزب الله الذي يبعث على الاحترام مناسبة للوقوف أمام الـمرآة لضبط صورتنا قبل فوات الأوان. جريدة الأيام (08/08/2006). http://www.miftah.org |