هل غيرت الحرب شيئاً؟
بقلم: مهند عبد الحميد
2006/8/15

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5806


بعد أسر حزب الله للجنديين الإسرائيليين، كانت حكومة أولـمرت أمام خيار آخر غير إعلان الحرب، هو التفاوض وحل قضية الأسرى العالقين في السجون وإيجاد مخارج لكل القضايا العالقة كمزارع شبعا والحدود وخرائط الألغام. لكن الحكومة الإسرائيلية أعلنت حربا بربرية أحرقت الأخضر واليابس والبشر دون تمييز، ولـم تكن في وارد التفاهم، فالتفاهم كلـمة لا تروق أبدا للـمتغطرسين أصحاب أضخم الترسانات وجيوش "السوبر باور". ووضعت هدفين للحرب، الأول: إعادة الجنديين بدون قيد أو شرط. والثاني: تدمير بنية حزب الله وإزالة التهديد الذي يشكله لإسرائيل.

بعد 32 يوما من القتال وخسارة الـ 145 قتيلا وألف جريح و2ر5 مليار دولار ونزوح حوالي نصف مليون إسرائيلي ــ حسب الأرقام الإسرائيلية ــ وافقت حكومة الحرب على وقف لإطلاق النار، وأبدت استعداها للتفاوض من أجل إعادة الجنديين. كأن شيئا لـم يكن، أو كأن الحرب لـم تأت أكلها. وبلغة الـمنطق لـم تكن الحرب مبررة ولا اضطرارية للإسرائيليين، أما بلغة الكولونياليين الجدد فلا مكان لكلـمة منطق أبدا.

أخفقت حرب الـمعتدين في تحقيق أهدافها رغم الاستخدام الـمفرط للقوة. وقوة الردع التي تضعضعت في العام 2000 على يد حزب الله والانتفاضة الفلسطينية، وجهت لها الـمقاومة اللبنانية في هذه الحرب هزيمة منكرة الى الـمستوى الذي لـم تعد فيه قادرة على استعادة هيلـمانها وسطوتها. والحرب الخاطفة أو حسم نتيجة الحرب من الجو أصبح جزءا من ماضٍ عفا عليه الزمن.

الخسائر من طرف واحد في حروب الـماضي والاحتلال غير الـمكلف باتا متعذرين في حروب اليوم. وتقرير مصير الشعوب والدول من طرف واحد ذهب الى غير رجعة مع غبار الـمعارك.

لقد تشقق جدار الخوف الـمحيط بغطرسة القوة مرة أخرى وأصبح بإمكان الـمقاومة والشعوب الـمناضلة أن تكون نداً بشكل وبآخر في ظل ميزان القوى الـمختل في غير صالحها. غير أن نموذج الغطرسة الإسرائيلي يحاول في كل مرة يحدث فيها الاختراق إعادة إنتاج الـمعادلة ذاتها. فقبل أن يتوقف إطلاق النار أعاد رموز اليمين العنصري طرح مقولة، "ما لـم يتم تحقيقه بالقوة يتم تحقيقه بمزيد من القوة" رغم فشل هذه الـمقولة في حرب تموز الأخيرة. ويبدو أن الكولونيالية الإسرائيلية مصرة على التنكر لأهم درس في الصراع بين الشعوب الـمناضلة من أجل حريتها والنظام الكولونيالي، وهو أن التفوق العسكري بكل تجلياته العدوانية الوحشية لا يحل الـمشكلة بل يفاقمها، إنها صيرورة الحياة، فالحرية أقوى من العبودية، والسلام أقوى من الحرب، والعدالة أقوى من العنصرية. وأن الطرف الذي ينبغي أن يتراجع هو الطرف الأقوى عسكرياً الأضعف سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً. هذا ما حدث في فيتنام وجنوب شرقي آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا ومع كل حركات التحرر العالـمي في القرن العشرين، وهذا ما سيحدث أو بدأت فصوله تحدث في لبنان وجزئياً في فلسطين. القضية هنا ليست محض أخلاق، فلا أخلاق لدى الكولونياليين، بل انه التطور الذي جعل من الاستعمار والاحتلال شيئاً كريهاً رجعياً ومنبوذاً ومتناقضاً مع أبسط حقوق ومصالح الشعوب والأمم الـمستعمرة وغير الـمستعمرة على حد سواء. وهو التطور ذاته الذي دفع البشرية لنبذ العبودية والعنصرية ومعاقبة معتنقيها. نعم، فعندما يحتدم الصراع بين شعب محتل ودولة الاحتلال الكولونيالي من الطبيعي أن يصطف العالـم مع الشعب الذي يناضل ضد الاحتلال ومن الـمنطقي أن تتراجع دولة الاحتلال طال الزمن أو قصر.

نتائج هذه الحرب وضعت حدوداً أولية لغطرسة القوة الإسرائيلية، ومرّنت الإسرائيليين على التراجع أمام الحاجة الـموضوعية لتحرر الشعوب العربية. التراجع الإسرائيلي في لبنان الآن مهم جدا، ويحتاج إلى تثبيت من أجل الانتقال إلى تراجع آخر في فلسطين وآخر في الجولان وآخر مع شعوب الـمنطقة وصولا إلى تراجع الطبيعة الكولونيالية العنصرية لدولة إسرائيل كتتويج لنضال شعوب الـمنطقة، وانتقال شعوب الـمنطقة من حالة الحرب إلى سلام حقيقي والى عهود جديدة من التعايش على قاعدة الـمساواة والتكافؤ في شرق أوسط جديد حر ديمقراطي مزدهر بعيدا عن الوصاية وعلاقات التبعية، خال من الاحتلالات والقواعد العسكرية والسلاح النووي والقوى التي تنهب الثروات.

يحق للـمواطن العربي بعد الآن أن يحلـم قليلا ويخاف كثيرا، فالـمعركة الأهم ستبدأ بعد وقف إطلاق النار في محورين، الأول: التفاف إسرائيل على نتائج الحرب ومحاولة نقل أزمتها للـمجتمع اللبناني بعد هدوء الـمدافع، أو عبر استئناف العدوان وتعميقه لتثبيت منطق غطرسة القوة. الثاني: عدم استجابة النظام العربي للإنجاز الذي حققته الـمقاومة والشعب اللبناني في التعديل المهم الذي أدخل على قواعد الصراع، فقد اعتدنا على خوض معارك سياسية أقل جودة من الـمعارك العسكرية، حدث ذلك بعد حرب أكتوبر/تشرين 73، وبعد حرب 82، وبعد انتفاضة 87، وانتفاضة 2000.

إن أخطر ما يمكن سوقه لتبرير بقاء الـموقف العربي الرسمي دائراً في الفلك الاميركي هو التهديد الإيراني والأطماع الإيرانية، وسيجد كل من يتبنى هذا التهديد في الـموقف الايراني الطائفي غير الديمقراطي والـمتهاون مع الاحتلال الاميركي ضالته في طرح الـمسوغات. ولا شك في أن الـموقف الإيراني من احتلال العراق ومن تركيبة الحكم الجديد تبعث على القلق وعدم الاطمئنان. لكن الـموقف الايراني الخطير لا يبرر التماهي والتكيف الرسمي العربي مع هيمنة إسرائيل كنظام إقليمي كولونيالي وحيد في الشرق الأوسط، ومع هيمنة الولايات الـمتحدة كقطب دولي وحيد في العالـم.

مبدئياً، توجد مصلحة لشعوب ودول العالـم بوجود أكثر من قطب للنظام العالـمي من أجل خلق توازنات تسمح باحترام القوانين والـمواثيق الدولية. وتوجد مصلحة لوجود أكثر من نظام إقليمي يكسر احتكار الهيمنة الإسرائيلية، ولسوء الحظ فإن النظام العربي لـم يطرح له دورا خاصا واختار أن يتوسل القطب الواحد والنظام الاقليمي الواحد. لقد باءت محاولة نظام البعث في العراق وسورية بإيجاد نظام إقليمي يخلق نوعا من التوازن مع اسرائيل، مقابل نجاح ايران الجزئي. الذي يحدد التقاطع أو التنافر مع صعود ايران اقليميا هو الـموقف من الاحتلال والهيمنة الاسرائيلية، والـمضمون الديمقراطي للنظام الإقليمي. - الأيام 15/8/2006 -

http://www.miftah.org