بين حربين
بقلم: عريب الرنتاوي
2006/8/15

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5808


لا تجد الصحافة ووسائل الإعلام الإسرائيلية هذه الأيام، سوى حرب أكتوبر 1973، تستحضرها في كل يوم، للمقارنة والمقايسة مع الحرب السادسة التي لم تضع أوزارها بالكامل بعد، وفي ذلك شهادة للمقاومة اللبنانية من أفواه العدو، وفي ذلك تأكيد على فداحة "الهزة الأرضية" التي ضربت إسرائيل طوال الأسابيع الخمسة الفائتة، حتى وإن كره بعض الزملاء من كتابنا الذين حوّلوا زواياهم اليومية إلى بيوت عزاء لتقبل المواساة بـ"الضحايا الأبرياء من جيش الدفاع الإسرائيلي".

في أكتوبر 73، كما في تموز وآب 2006، توالت المفاجآت على العدو تباعا، وهبطت عليه بذات القسوة التي دكت فيها القوات المسلحة المصرية حصون بارليف وجداره، وأسقطت صواريخ سام أسطورة التفوق الجوي الإسرائيلي، وأمطرت فيها صواريخ حزب الله العمق الإسرائيلي وحولته إلى خطوط تماس وجبهة أمامية، وتصدي فيها مقاتل حزب الله بشرف ورجولة واقتدار للجندي المدجج بالإيديولوجي والتكنولوجيا.

في الحربين، اضطرت إسرائيل لتغيير قادة الجبهات وهم في ذروة المعركة وعلى أرض الميدان...وفي ذلك لطمة لا تنسى لهيبة "الجيش الذي لا يقهر"، وتهشيم لصورة الجنرالات الذي حصدوا ثقة الإسرائيليين، كل الإسرائيليين، ومن دون نزاع أو تنازع، منذ أن كان هذا الكيان مجرد عصابات من القتلة تزرع الموت والإرهاب في فلسطين.

في الحربين، كانت الهزيمة يتيمة، فاشتعلت المعارك الداخلية صبيحة اليوم التالي لوقف النار أو الأعمال العدائية، في المرة الأولى، انتهت إسرائيل إلى لجنة تحقيق في "التقصير" الذي رافق الحرب، واليوم سينتهي الجدال الإسرائيلي الداخلي، إلى لجنة مماثلة للتحقيق في تقصير مماثل، وقد وقف دان حلوتس قبل يومين ليعلن بأنه لا يخشى التحقيق، وأنه لم يخلق في الأركان ولن يموت رئيسا لها، والأرجح أن التحقيق سيطاول كافة المستويات الأمنية والسياسية.

حرب أكتوبر 73 مهدت للانقلاب التاريخي في إسرائيل، بعدها بسنوات قلائل وقع الانقلاب اليميني، وغادر حزب العمل السلطة لأول مرة منذ نشؤ الكيان، أما في هذه الحرب التي تزامن يومها الأخير مع مرور مائة يوم على حكومة أولمرت، فإن من المرجح أن تنتهي تداعياتها إلى كنس أولمرت وكاديما عن المسرح السياسي الإسرائيلي، بصرف النظر عمّن سيأتي بعده.

حرب أكتوبر أعادت الاعتبار للعسكرية العربية بعد مسلسل الهزائم والنكسات المخزية، وحرب لبنان السادسة، أعادت الاعتبار للمقاومة وحرب العصابات وحروب التحرير الشعبية طويلة الأمد، وفي كلتا التجربتين بدا أن إسرائيل ليست سوى "بعبع" يستمد نسغ حياته من شرايين الدعم الأمريكية، وأن قوتها من ضعفنا وغياب إرادتنا.

في حرب أكتوبر، نظم هنري كيسنجر جسرا جويا، حمل الدبابات من مستودعات الجيش الأمريكي إلى سيناء مباشرة، وفي حرب تموز/آب، نظمت كونداليزا رايس جسرا جويا مماثلا، نقل الصواريخ المضادة للتحصينات والمزودة بأعلى ما جاء به "الذكاء الصناعي" لتستخدم مباشرة في الهجمات على الضاحية الجنوبية وبعلبك والجنوب، ومثلما أدار كيسنجر بالأمس سياسة الخطوة خطوة واتفاقيات فك الارتباط، فإن رايس هي من يقود اليوم غرفة العمليات السياسية العسكرية المشتركة الأمريكية الإسرائيلية.

حرب أكتوبر انتهت بالسلامات المنفردة بين العرب وإسرائيل، وحرب لبنان يراد لها أن تعوض بالسياسة والديبلوماسية مع عجزت ماكينات القتل والدمار الإسرائيلية عن تحقيقه بالقوة المتوحشة، مع فارق رئيس واحد، أن القيادة السياسية لحرب أكتوبر كانت الأكثر حماسا "لآخر الحروب" و"العزيز هنري"، أما اليوم فالقيادة السياسية للحرب مختلفة تماما، لكن الوضع العربي أكثر ترديا وهوانا بما لا يقاس مع ما كان عليه قبل ثلث قرن. - مفتاح 15/8/2006 -

http://www.miftah.org