"النكسة".. الهزيمة الصهيونية : بعضا من دروس عربية؟
بقلم: ناصر السهلي
2006/8/17

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5816


ليس هناك أدنى شك من أن الاعتراف الصهيوني بالهزيمة التي أطلق عليها ساستهم على الطريقة العربية "نكسة" يتطلب التوقف العربي عند حدوده لتكون هناك بعض العبر... فالبعض تحدث محقا عن عن بديهييات أساسية وقناعات راسخة من أن هذه الدولة الصهيونية ليست بذلك المارد الخارق المخيف الذي يمكن له ان يجتاح جيوش عربية في أفل من 6 ساعات وأخذ الجنود العرب بلابسهم الداخلي ... تلك القناعات لا يمكن أن تكون ثابتا غير متغير إلا بوجود مقاومة غير مرتهنة لأوامر صارمة بعدم إطلاق النار مخافة أن تتطور الحالة لتصل كرسي الزعيم الجالس في أبعد الخطوط الخلفية تاركا أمر الجيوش النظامية لقادة لا يعرفون سوى البحث عن إنتصارات وهمية مليئة بالتدليس وتقديم التقارير وعينه على النياشين والامتيازات وبعض زجاجات الويسكي...

واحدة من الامور التي توضحت بشكل جيد ، ومن جديد بعد معركة عين الحلوة في اجتياح 82 حين تصدى ودمر فتية صغار لدبابات الاحتلال المدونة في كتاب كامل أصدره عقيد أُصيب في دبابته، بأن الارادة التي جعلت من الميركافا مجرد كتلة صلبة من الحديد والفولاذ يمكن تدميرها ويمكن الاستعاضة عن دبابات عربية لمواجهة تلك الصهيونية برجال مسلحون بارادة وايمان بالنصر..

المشكلة في كل الدروس والعبر التي نتحدث عنها تكمن في أننا نعيش، إلى جانب حالة الانكسار الصهيوني الحاصل في لبنان، حالة أخرى من إستسلام رسمي عربي لإرادة أخرى غير إرادة شعوبها، ففي الوقت الذي ينشغل فيه الجيش الصهيوني ومن على منبر الكنيست بلسان أولمرت بأنه في المرات القادمة سيتم تجاوز الامور التي أدت إلى هذه الهزيمة نجد إنشغالا رسميا عربيا بأشياء غير متعلقة بقراءة متأنية لما يعنيه اولمرت ودولته التي لا يمكنها أن تعيش دون خوض حروب ، فما هي المرات القادمة؟

إذا كانت غزة، فالعرب جميعا شعوبا ورسميين يدركون القدرات والارادة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني في مواجهة قتلة لا يفرقون بين مدني وعسكري، وربما يدرك كل هؤلاء بأن الحصار العربي واللغة السياسية المائعة الفلسطينية تدفع بتلك الارادة لإختراع سلاحها البسيط ذاتيا دون قدرة على إستيراد أحدث الطراز الذي تستورده الجيوش العربية... إذا كانت غزة هي المكان الذي سيعرض فيه الجيش المهزوم قوته التدميرية فإن هؤلاء الفلسطينيون ليس لهم إلا أن يقاموا كما قاوموا في جنين وقدموا الامثولة الحية لمعنى الارادة في التحرر وعدم الاستسلام لشروط القوة المختلة دون أن يعولوا كثيرا على المواقف الرسمية العربية التي تبين ما تعنيه في حالة لبنان وتبين أكثر في التاريخ الفلسطيني السابق منذ النكبة التي لم تكن إلا مواقفا تزيد من مأساة هذا الشعب العروبي المؤمن بحقه التاريخي الوطني...

الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لجريمة كبيرة ينتهك فيها الصهيوني كل الاعراف والقوانين الدولية يحتاج للاستفادة من التجربة اللبنانية بحيث لا يسمح فيها لتلك الاصوات التي تنخرط في المشروع الامريكي الوهمي الذي لا يحمل في طياته إلا فرض الاستسلام ومن ثم شروط عملية تسمى "عملية سلام" تصب في أغلبها في مصلحة المشروع الصهيوني المنحسر بفعل الشعوب الحية... هذا الشعب لن يحتاج فقط إلى تظاهرة غاضبة هنا وهناك، بل إلى العمل الكثير الذي لم تقم به السياسة العربية في تجربتها اللبنانية التي أثبتت أن الوزن العربي الديبلوماسي والسياسي كان صفرا بكل معنى الكلمة ، بالرغم من عقد إجتماع يتيم في بيروت بعد أن بان لهم بأن القوة التدميرية لم تستطع كسر إرادة المقاومة وهي بالطبع لن تقدر على فعلها في فلسطين صاحب التجربة الثورية والنضالية الطويلة تحت الحصار المزدوج...

وعليه قد تكون فلسطين عبرة تعطي للعرب جميعا الفرصة لتعيد صياغة مواقفها وإنتقالها من الحيادية المفرطة والصمت المطبق إلى حالة أخرى يكون فيها لهذا الشعب الأعزل من يناصره حقا لا من يضغط عليه لصالح جندي أسير بينما لا أحد يذكر الالاف من الاسرى والمعتقلين الفلسطينيين الذين يعانون كما تعاني أسرهم وأبنائهم تحديدا..

درس عربي آخر يمكن الاستفادة منه على الصعيد الرسمي العربي، فمن غير المعقول أن يكون هوغو تشافيز أكثر شعبية من هؤلاء الزعماء بين شعوبهم وهم الذين يحكمون الحجر والبشر على إمتداد أوطاننا من خلال بث فكر إرتهاني إتكالي على عقلية إمبريالية أمريكية هم جميعا يدركون ما تريده هذه الامبريالية وشركاتها العابرة للقارات من هذه المنطقة... ثم لنتساءل، ما هو الفرق بين أن يكون النائب البريطاني جورج غلاوي أكثر صراحة وحدية في الدفاع وقول الحقيقة من برلمانيينا العرب الذين يدعوون أنهم منتخبون وهم لا يحركون ساكنا أمام الاختطاف الجماعي والفردي لزملائهم من البرلمانيين الفلسطينيين بما فيهم رئيس المجلس السيد عبد العزيز دويك؟

ليس واقعيا أن نطلب من هؤلاء أن يقطعوا إجازاتهم ولا التخلي عن إمتيازاتهم بقدر ما هو مطلوب منهم أو من بعضهم تحركا معينا هم أدرى به أمام نفاق الغرب الديمقراطي وإزدواجية المعايير الواضحة وضوح الشمس... لكن الحقيقة المؤلمة أن هؤلاء ليسوا ممثلون لشعوبهم بقدر ما هم يمثلون ولي النعمة العربي الحاكم والامر الناهي لما يجب أن يكون عليه دورهم..

السيد أحمد منصور وصل فنلندة وأجرى مقابلة ساخنة مع رئيسة البلد، لكن هل يستطيع السيد منصور أن يحاكم حاكما عربيا أو يقترب من قصر واحد منهم ليقدم للجمهور العربي ما يدور في رأس هؤلاء وهم يرون أشلاء الشعب الفلسطيني واللبناني والعراقي منتثرة بفعل مجازر معروفة العناوين؟

واحدة من الدروس المهمة التي يجب الافادة منها تكمن في أن تقتنع النخبة الحاكمة بأن الخوف الذي كان يعتري قلب تلك النخبة من "الجيش الذي لا يُقهر" يمكن بالتأكيد إقتلاعه على اساس أنه يُقهر، لو نحينا جانبا كل الجعجعة الخطابية وتكديس السلاح بدون معنى لجيوش لا تدرك قيادتها السياسية والعسكرية المعاني في الامن القومي الاستراتيجي لتلك الدول.. اللهم إلا صدقت المقولة بأن مهمة الجندي العربي هي لحماية الانظمة وليس لحماية المصالح الاستراتيجية العربية التي تشكل العقلية الصهيونية الامريكية ودورها في المنطقة الخطر الاكبر على تلك المصالح...

إذن قد تحتاج تلك الجيوش وقياداتها إلى إعادة النظر في الطريقة الاستراتيجية للعمل العسكري الكلاسيكي، ليكون لها قوات قادرة على إستنزاف العدو في ساحات المعارك التي لن تتوقف طالما ظلت العقلية الصهيونية محكومة بتوراتية وتلمودية تعتمد على الاستخفاف بالاخر بحروب الضربة الساحقة...

يحزن الانسان العربي أن يرى دولا عربية "كبيرة" وقد أضحت بفعل سياسات خاطئة ومترددة أن تصبح في السياسة الاقليمية والدولية مجرد دول فاقدة لدورها الريادي التاريخي الذي عولت عليه الجماهير العربية فما كانت النتيجة سوى المزيد من الاحباط وإستصغار شأن تلك الدول أمام كل الممارسات الاجرامية والمذابح المقترفة يوميا في فلسطين ولبنان والعراق... من المحرج أن نرى كل المسميات الممتدة من نقابات ومؤسسات ما يسمى المجتمع المدني على إمتداد الارض العربية ليس لها وظيفة حقيقية في ظل الحاجة الحقيقة لتحركها وهي تصدر البيان خلف البيان دون أثر ملموس بينما تتهافت النقابات الاسلامية الاسيوية وبعض الغربية لتكون طليعة التحرك الشعبي المطلوب... وهذا نتركه لأصحاب الشأن ليعيدوا الاحترام لمسمياتهم وكيفية تشكيلها ومدى تمثيلها لأعضاء ليسوا بكل تأكيد راضون عن عمل هذه النقابات...

نذكر بعض الدروس العربية تلك ، وغيرها كثير، لأننا نعرف ما نحن قادمون عليه بعد هذه الهزيمة العسكرية والانكسار الصهيوني في الجنوب اللبناني... ونعرف بأن اليمين الامريكي المتطرف لن يقر بهزيمة مشروعه بل سيحول هذا الانتصار إلى هزيمة عربية بالالتفاف من خلال البوابة الفلسطينية تحديدا ... وربما من البوابة السورية التي سيكون العراق منطلقا لها... فماذا سيكون الحال العربي إذا لم يستفد من بعض دروسه ومطبات عمله السياسي والديبلوماسي والعسكري؟ - مفتاح 17/8/2006 -

http://www.miftah.org