لقد ولى عهد الانتصارات بلا حروب
بقلم: عبدالرحيم محمود جاموس*
2006/8/17

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5822


لا شك في أن الانتصار الذي أحرزته الولايات المتحدة في الحرب الباردة على خصومها التقليديين من الاتحاد السوفياتي وحلفائه ، دون الدخول في حروب مباشرة تستخدم فيها ترسانتها العسكرية وخصوصا منها النووية والتي لا يتخيل مرء حصولها ووقوعها ليس لآثارها التدميرية وما تلحقه بالبشرية من أذى فقط بل لأن الطرف الآخر يملك قدرات تدميرية رادعة لا تقل عن قدراتها بل قد تتفوق عليها ، ولكنها استطاعت بالفعل أن تحرز نصراً مؤزراً على خصومها في الحرب الباردة بدون الدخول في حروب مباشرة ، مستثمرة جملة من العوامل والمتغيرات على مستوى الذات وعلى مستوى الآخر كان من نتائجها إنهيار الآخر وتراجع مكانته العسكرية والسياسية والأيديولوجية والاقتصادية والعلمية ، مثل ذلك اختلالا في موازين القوى بين الطرفين وحسم الصراع الدولي لصالح انتصار الامبريالية الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وألحق الهزيمة بالاتحاد السوفياتي والمجموعة الاشتراكية وانفرط عقدهما وأدى إلى التحاق العديد من حبات العقد المنفرط بالسياسات الأمريكية مباشرة ، ولذا فقد صدقت نبوءة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون عن ذلك والتي عبر عنها وبشر بها في كتابه الصادر في أواسط ثمانينات القرن الماضي بعنوان ( نصر بلا حرب ) ، والذي حدد فيه رؤيته الاستراتيجية لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية ومثلها الليبرالية الديمقراطية للعالم خلال القرن الحادي والعشرين !!! وفي سياق ما أسداه الرئيس نيكسون من نصائح لصانع السياسة الأمريكي والسيد الأوحد للعالم في الكتاب المشار إليه بشأن الشرق الأوسط وإحكام السيطرة عليه ، أوصى بضرورة إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي (( قبل أن يتعلم العرب فنون القتال مثل الفتناميين )) !!! لإعتقاده الراسخ إن استمرار انتصارات إسرائيل على الشعوب العربية بدون حروب سيتوقف يوماً ما ، لأن العرب سوف يتعلمون فنون القتال والمقاومة ، ولكن يبدو من خلال واقع السياسة الأمريكية الإسرائيلية في الشرق الأوسط انهما لم تأخذا بنصيحة الرئيس نيكسون على محمل الجد ، فلم تسعى الولايات المتحدة ولا إسرائيل بشكل جدي لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي على أسس منطقية عادلة أو مقبولة إلى حد ما !!!

ولم يمهل القدر الرئيس نيكسون ليرى بأم عينه كيف أصبح وضع أمريكا وأداتها إسرائيل في الشرق الأوسط تتلقيان الهزائم بواسطة الحروب التي تشنانها على المنطقة العربية والشرق أوسطية من أفغانستان إلى العراق إلى لبنان وفلسطين ، فهاهي أمريكا وحلفاؤها يتخبطون بين جبال وأودية أفغانستان الفقيرة من كل شيء إلا من إرادة الصمود والمقاومة للمحتل والغازي ، ويحترقون بنار المقاومة الوطنية الباسلة في العراق ، وتتلقى إسرائيل الهزيمة تلو الأخرى في لبنان وفلسطين ، فبعد هزيمتها على يد الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي كان سلاحها الحجر وهزمت فيها إسرائيل معنوياً وسياسياً وأدت إلى خلخلت قبضتها على الأراضي الفلسطينية ، سارعت أمريكا لإنقاذها (( باتفاق أوسلو العتيد )) الذي سرعان ما انقلبت عليه الفاشية الإسرائيلية الأمريكية وخلقت العوائق أمام تقدمه وحالت دون أن تكتمل عملية التسوية السياسية الفلسطينية الإسرائيلية ، لتأتي الانتفاضة الفلسطينية الثانية (( انتفاضة الأقصى )) رداً فلسطينياً طبيعياً على انقلاب الفاشية الإسرائيلية الأمريكية على عملية التسوية ولتدفع إسرائيل باتجاه الهزيمة الثانية لها على يد الفلسطينيين عبر انتفاضة الأقصى التي لم تستطع خلالها آلة الحرب الإسرائيلية أن تتغلب على الشعب الفلسطيني وعلى روح المقاومة فيه ولم تستطع أن تنال من إرادته السياسية ومن مشروعه الوطني الثابت والمتصادم مع المشروع الإمبريالي الصهيوني الذي يستهدف الشعب الفلسطيني ومشروعه في الحرية وإنهاء الاحتلال والاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة ، ولم تعتبر إسرائيل أو تتعظ ومعها الولايات المتحدة الأمريكية من هذه الهزائم المتوالية ومن هزيمة الاحتلال الإسرائيلي على يد المقاومة الإسلامية والوطنية اللبنانية الباسلة في جنوب لبنان في مايو 2000 م الذي أدى إلى خروج قوات الاحتلال الإسرائيلي وعملائها من الجنوب اللبناني يجرون أذيال الخيبة والهزيمة والفشل بعد احتلال عسكري دموي دام أكثر من ثمانية عشر عاما لجنوب لبنان الباسل !!! وتأتي اليوم الهزيمة الكبرى والمدوية لإسرائيل وأمريكا معاً في عدوانهما الجديد على لبنان ومقاومته الباسلة بعد حرب ضروس أصابة الشجر والحجر والإنسان واستخدم فيها أحدث الأسلحة الأمريكية وألحقت الدمار الكبير وارتكبت فيها المجازر البشرية والعمرانية والتي يعاقب عليها القانون الدولي ويصفهما بالجرائم ضد العمران وضد البشرية دون أن يكون لهذه الجرائم أي علاقة بالعمل العسكري النظيف الذي تبيحه قوانين وأعراف الحرب المتعارف عليها ، فقد استهدف العمران لذاته ، والبنى التحتية لذاتها ، واستهدف قتل الأطفال والنساء والشيوخ والناس الآمنين في بيوتهم والعزل من أي سلاح لذواتهم كبشر ، إنها بحق مجازر جماعية وجرائم فظيعة لا يمكن أن تنسى ولا يمكن أن تمر دون حساب أو عقاب طال الزمن أم قصر ، لا بد أن تصل يد العدالة في الأرض وفي السماء لكل من أمر وساهم في اقتراف هذه الجرائم على أرض لبنان ، في حرب لم يشهد لبنان والشرق الأوسط والعالم مثيلاً لها في استهدافاتها وخصوصياتها ودوافعها ، ورغم ذلك فقد هزمت في هذه الحرب العدوانية إسرائيل وأمريكا معاً شر هزيمة عسكرية وسياسية وأخلاقية أمام المقاومة اللبنانية الإسلامية الوطنية ، ولم تستطع جرائمهما التي اقترفتاها ضد البشرية وضد العمران في لبنان أن تغطيا على هزيمتهما العسكرية الواضحة ، وبالتالي الهزيمة السياسية لمشاريعهما في لبنان والمنطقة العربية عموماً ولن ينتج عن عدوانهما الشرق الأوسط الجديد الذي تبشر به السيدة كونداليزا !!!! بل إن هذه الهزيمة تفتح الطريق أمام ولادة شرق أوسط أكثر مقاومة للسياسات الإسرائيلية الأمريكية ، وقد باتت إسرائيل ومعها أمريكا اليوم أمام حروب وجرائم وهزائم عسكرية وسياسية في الشرق الأوسط ، وقد ولى عهد الانتصارات للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بلا حروب والى غير رجعة ، وقد تعلم العرب في العراق وفي لبنان وفي فلسطين وفي كل مكان تستهدفه إسرائيل أو أمريكا لاحقا فنون القتال مثل الفتناميين ومثل جميع الشعوب الحرة التي قاتلت وناضلت وبمختلف الوسائل المتاحة لديها ضد المستعمر والمحتل أي كان نوع احتلاله وأيا كانت وسائله وأسلحته الفتاكة ، فالإرادة الحرة لدى الشعوب وإيمانها الصادق بعدالة قضاياها في الحرية والاستقلال والعيش بعزة وكرامة في أوطانها أقوى من آلة الحرب الفاشية الأمريكية والإسرائيلية !!!! إن هذه الانتصارات لإرادة المقاومة لدى الشعوب العربية وتطوراتها المستقبلية تضع إشارة استفهام كبرى أمام استمرار السياسات الأمريكية المتجاهلة للحقوق العربية المشروعة ولتطلعات الشعوب العربية في أوطانها في العيش بحرية وعزة وكرامة ، كما تضع إشارة استفهام كبرى أمام استمرار احتلال إسرائيل للأراضي العربية في لبنان وسوريا وفلسطين ، وأمام مستقبل استمرار المشروع الفاشي الإحتلالي العنصري التوسعي الإسرائيلي الصهيوني بمجمله في المنطقة العربية !!! * مدير عام مكاتب اللجنة الشعبية الفلسطينية - مفتاح 17/8/2006 -

http://www.miftah.org