"الدولة الأمْنِيَّة".. قانون "الرعب المتبادَل"!
بقلم: جواد البشيتي
2006/8/17

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5825


"المشكلة" أكبر وأعظم مِنْ أنْ تُحلَّ بهذا النمط مِنَ "الإصلاح"، فبيْننا وبين الحياة الديمقراطية هُوَّة سحيقة، يستحيل اجتيازها بغير "الوثبة الكبرى"، التي، وحدها، في مقدورها أنْ تجعل قانون "الرعب المتبادَل"، الذي يَحْكُمُنا ويَحْكُمُهُم، أثراً بَعْدَ عين.

"نحن" و"هُمْ" و"الشيطان" ثالثنا.. هؤلاء هُمْ أبطال تراجيديا "الإصلاح السياسي والديمقراطي"، الذي لا أمل، مهما انتفخ بطنه، في أنْ يُنْجِبَ لنا شيئاً مِنْ معانيه. أمَّا العِلَّة فتكمن في "الرعب المتبادَل"، الذي، في فعله وتأثيره، يشغل الحيِّز الأوسع مِنْ حياتنا السياسية.

نحن نخشى ما نريد، وما لنا مصلحة لا تعلوها مصلحة فيه، فبيْننا وبين حقوقنا الديمقراطية برزخ مِنَ الرعب، هو "الدولة الأمنية"، التي تُفْقِدُ "الوطن" أمْنَهُ في سبيل "تأمين" نظام الحُكْم، الذي يخشى أكثر منَّا وَضْعَ هذه الحقوق في أيدي أصحابها الشرعيين، وكأنَّ "الداخل" هو "العدو الأبدي"!

كلَّما توهَّمْنا أنَّ نزراً مِنْ حقوقنا وحرِّياتنا الديمقراطية قد غدا في متناول أيدينا دبَّ الرعب في "الدولة الأمنية"، فقامت بما ينبغي لها القيام به للقضاء على هذا الوهم الذي بثَّتْهُ فينا، فأعادت تصدير الرعب إلينا. وهكذا ظلَّ "تداوُل الرعب" حاضراً، وظلَّ "تداوُل السلطة" غائباً!

"الإصلاح"، في تجربته التي اجتمعت فيها "المهزلة" و"المأساة"، إنَّما يُعَلِّمنا أنَّ "العطَّار" لن يُصْلِح ما أفسده الدهر، وأنَّ "البناء" يبدأ، ويجب أنْ يبدأ، بـ "الهدم"، فـ "الدولة الأمنية" تُهدَم أوَّلاً، ثمَّ تُبْنى "الديمقراطية"، التي ثَبُتَ وتأكَّد أنَّها لا تُبنى إلاَّ مِنْ "حجارة" جاء بها هَدْمُ "الدولة الأمنية".

"الطارئ" على مجتمعاتنا وشعوبنا العربية إنَّما هو الذي لا يَحْكُم، ولا يستطيع الاستمرار في الحُكْم، إلاَّ بـ "قانون الطوارئ"، الذي لا يتمخَّض، دائماً، إلاَّ عن نتيجته الحتمية، وهي هَدْم "الأمن القومي"، والإمعان في هدمه، في سبيل "تأمين" نظام الحُكْم "الطارئ".

منذ 40 سنة وهُمْ يحكمون بـ "قانون الطوارئ" بدعوى أنَّ لدينا في "الداخل" ما يستحق أنْ ندفع عنه شرَّ "الخارج"، فإذا بـ "الداخل" يصبح في "الخارج"، وإذا بـ "الخارج" يصبح في "الداخل". وهذا "الخارج الذي أصبح في الداخل"، هو "ثالثنا". هو "الشيطان" وقد برز في ثياب "المصلحين"، يخوض ويقود "الثورة الديمقراطية العالمية"!

الآن، والآن فحسب، غدا في "حُكْم الضرورة" جَعْل "الديمقراطية"، المتأتية مِنْ هَدْم "الدولة الأمنية"، "قانون الطوارئ الجديد"، الذي يُنْهي، إلى الأبد، تلك الحياة السياسية المحكومة بقانون "الرعب المتبادَل"، فحيث يعلو "منسوب الخوف" يهبط "منسوب الديمقراطية"، وحيث يخشى الشعب حاكمه، ويخشى الحاكم شعبه، لا تقوم قائمة للحياة الديمقراطية.

دعاء "التداوُل السلمي للسلطة" يظلُّ "كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إلا دُعَاءً ونِدَاءً" ما ظلَّت "الدولة الأمنية" قائمة، فأوَّلاً، تعود السلطة إلى أيدي أصحابها الشرعيين، بَعْدَ وعَبْرَ القضاء على "الدولة الأمنية"، ثمَّ تتداوَل "الأحزاب السياسية" السلطة سلماً، فلا حزب يحق له أنْ يُنَزِّه نفسه عن هذا "التداول"، بدعوى أنَّ "إرادة عليا" غير "إرادة صندوق الاقتراع" عَقَدَت له قيادة الدولة والمجتمع إلى الأبد. ولا حزب يحق له أنْ يُصْدِر قانوناً للأحزاب يمنحه الحق في أنْ يَخْلِق أحزاباً على مثاله، بدعوى مَنْع "العرقية" و"الطائفية".. مِنْ دخول الحياة الحزبية، فـ "الدولة الأمنية" هي التي فيها، وبها، تنمو بذور كل عصبية، وكل انقسام، مِنْ هذا القبيل. تنمو وتنمو، ثمَّ يجيء "المُصْلِح العالمي الأكبر" ليجعلها "دُوَلاً" بما يجيء به مِنْ "ديمقراطية" و"فدرالية"!

لقد حان لـ "الدولة الأمنية" أنْ ترحل، فما الحياة الدنيا إلاَّ متاع الغرور، ولم يبقَ لديها مِنْ مكان غير "السماء"، فبرحيلها يحلُّ "السلام" و"التطبيع" في العلاقة بين "الدولة" و"المجتمع"، بين "الحكومة" و"الشعب"، فيجتمعان مِنْ دون أنْ يكون "الشيطان" ثالثهما! - مفتاح 17/8/2006 -

http://www.miftah.org