الموظف والاضراب وخيارات الحكومة والرئاسة
بقلم: انور حمام
2006/9/4

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5928


مع اتساع دائرة الجدل حول الاضراب الذي سيخوضه موظفي القطاع العام الحكومي بعد اشهر طويلة من عدم صرف الرواتب باستثناء سلف شهرية لم تحل الأزمة بل الكل يعتقد انها في طور التنامي ككرة الثلج، خصوصا وان الاجتياجات والمتطلبات الحياتية اليومية الاساسية للانسان على قدر من الاهمية بحيث لا تحتمل التأجيل، ومع التداخل المعقد لاطراف هذه الموضوع الشائك اجد نفسي مضطرا للكتابة كموظف وكوطني فلسطيني وكمعني بما يحدث كسائر ابناء شعبي.

مسئولية عدم صرف الرواتب

ليس هناك طفل ساذج يصدق ان الحكومة كحكومة غير معنية بصرف الرواتب، بل على العكس ندرك تماما المحاولات الحثيثة التي بذلتها الحكومة لحل ازمة الرواتب، الامر الذي دفع بعض الوزراء لتهريب الاموال عبر الحدود لتأمين وصولها لوزارة المالية، ولسنا من السذاجة بمكان لكي لا نعرف السبب الحقيقي لهذه الازمة المالية، من حصار اسرائيلي- امريكي – اقليمي، والهدف منه تركيع الديمقراطية ونتائجها وفرض الاملاءات على شعبنا وحكومتنا ورئاستنا وسلطتنا برمتها.

ولكن اين تكمن مسؤولية الحكومة أو بأكثر دقة مسؤولية حركة حماس كحركة اخذت على عاتقها تشكيل الحكومة وقيادة الحياة الفلسطينية، يجب على حركة حماس أن تقر بأنها لم تقرأ الواقع قراءة متأنية ولم تستطع ان تتنبأ بشكل فعلي بحجم وتعقيدات المشهد الاقليمي والدولي، وايضا لم تتوقع ان الضغط الذي سيمارس عليها سيكون مجنونا لهذه الدرجةـ ولم تدرك تماما بان هذا العالم لا قلب ولا ضمير له-، وان اللغة الوحيدة السائدة في شكل العلاقات الدولية هي لغة المصالح والمكاسب والمنافع ، والامور في السياسة تقاس بنتائجها لا بالنوايا، المهم اننا وصلنا الى ما وصلنا من حصار وعـزلة وقتل وتدمير وتهميش، و كمواطن اعتقد ان على حماس دون غيرها ان تصارح شعبها بما حدث بعيدا عن الخطب والاتهام، وان تجيب على السؤال المركزي، وهو رؤيتها للخروج من هذا النفق المظلم، مسؤولية حماس والحكومة ان تحدث حالة من التوازن السياسي الموضوعي الذي من شأنه ان يقتح افقا سياسيا الذي بدوره يمكن من اعادة بعث الحياة والاستمرارية الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية ….على حماس ان تحدد خياراتها ضمن اللعبة السياسية القائمة في هذا العالم، فاما ان تعترف بقرارات الشرعية الدولية كشرط لقبولها، او ان تخرج من اللعبة محافظة بذلك على مفاهيمها وافكارها وتصوراتها وايديولوجيتها التي بدت لسنوات متينة وعصية على الكسر.

الحكومة الفلسطينية ليست بالتأكيد كأي حكومة اخرى من حيث الشروط الموضوعية لوجودها، فهي حكومة تحت الاحتلال، ويملك هذا الاحتلال اعتقال او اغتيال كافة اركانها، ولكنه بالتأكيد لا يمكن لاي كان ان يعطي شرعية غير تلك الشرعية التي منحها المواطن الفلسطيني لقادته الجدد في المجلس التشريعي.

ولكن الحكومة الفلسطينية كأي حكومة اخرى مطالبه بالقيام بمسؤوليتها، ومطالبتها بذلك ليس كفرا أو زندقة، ولايجوز في كل مرة يتم الحديث عن مطالب بالوفاء بالالتزامات بانه انقلاب على الخيار الديمقراطي الفلسطيني. بل كان الاجدى ان تقود حماس الحركة المطلبية جنبا الى جنب مع باقي الشرائح والكتل والقوى، وان لا تضع نفسها في تعارض مطلق مع حركة الموظفين والمعلمين.

حق الاضراب

هناك من يقول بان الاضراب الذي سيخوضة الموظفين ليس شرعيا ولا اخلاقيا، وهناك من يصف المروجين له بالمتامرين والذين يسعون لاسقاط الحكومة، وتتوالى التهديدات لتصل الى حد اعتبار الاضراب كاداة لشق الوحدة الوطنية ومدعاة للحرب الاهلية، وان القائمين عليه هم مهندسي الفتن وارباب الفرقة، بل وصل بالبعض اعتبار الاضراب في شكله المنوي علية مخلا بالانظمة واسس الوظيفة العامة وسيحاسب غير الملتزمين بالدوام، بل ذهب احد الوزراء للقول ان التمرد على اسس الوظيفة العامة سيضاف الى سجل التقييم الوظيفي للمضربين.

والبعض يذهب الى ان الاضراب حق مكفول قانونا، حق من حقوق الانسان، وهو حركة مطلبية فقط هدفها الضغط على الحكومة للوقوف امام التزاماتها ودفع رواتب الموظفين، ولا يجوز وصف الاضراب كحركة معادية تخدم اجندات سياسية لتنظيمات أخرى غير تنظيم الحكومة، وربما ان هذا الجدل قد حسمه موقف المجلس التشريعي الفلسطيني الذي أعلن بشكل صريح لا يقبل التأويل من ان الحق في الاضراب مكفول قانونا، ان هذا القرار يعكس حكمة متناهية للمجلس التشريعي، وقدرا من الاتزان والمسؤولية، ويقفل الباب امام كل التأويلات المشككة بشرعية الاضراب، ولهذا فالمجلس التشريعي بفتحه وحماسه وشعبيته وديمقراطيته وحزبه ومبادرته وطريقه الثالث ومستقليه، يستحق التقدير.

الخيارات المطروحة للخروج من المأزق ( ما بعد الاضراب)

الاضراب بشكله الحالي لن يشكل خروجا من المأزق الفلسطيني الذي يجد في الرواتب احدى تعبيراته المباشرة والاكثر قسوة، ولكنه سيلعب دورا محوريا في تسريع وقوف حماس والرئاسة امام المرآة ودراسة الخيارات وقياس السيناريوهات المحتملة.

1- خيارات حماس: ليس امام حماس الا مجموعة ضيقة من الخيارات للخروج من حالة التجاذب الحالية، فخيارها الاول ان تدعي انه ليس بالامكان افضل مما كان، باعتبارها تمثل النموذج الاسلامي، والادعاء ان كسر هذا النموذج سيكون كسرا للاسلام، وان على الجميع ان يحترم الخيار الديمقراطي للناس، والتمترس وراء مجموعة من المقولات الحديدية، ووضع الحكومة في موضع المقدس الذي ليس من المسموح المساس بها قولا او فعلا او تلميحا، وهذا الخيار سيغض الطرف عن معاناة شعبنا، بل دعوتهم للصبر والصبر حتى ياتي الله بامره، وهذا الخيار في حال استمراره سيقود الى مزيد من حالات الفقر والبؤس والجوع وسيمهد الطريق امام انفجارات على المستوى المجتمعي، لا احد يستطيع التبؤ بتداعياتها ومداها. اما الخيار الثاني فهو الذهاب لحكومة وحدة وطنية على الطريقة الحمساوية – وفقا لشروطها او محدداتها- وهو خيار وبكل صراحة ترجمة حرفية للخيار الاول، وهو اعادة انتاج للحكومة الحالية وبرنامجها تحت شعار حكومة وحدة وطنية، مع اضافات سطحية على مستوى اسماء الوزراء. في حين ان الخيار الثالث - ويبدو مستبعدا – ان تقر حماس بضرورة تشكيل حكومة تكنوقراط، عبر تقاهمات جدية ما بين حماس والرئاسة، والاتفاق على معايير اختيار رئيس الحكومة والوزراء والبرنامج وخطة الهجوم السياسي الفلسطيني للخروج من المأزق. وبالتأكيد هذا الخيار يفترض العثور على شخصية وطنية مستقلة تحظى باحترام حقيقي من قبل كل الاطراف الفاعلة على الساحة الفلطسينية. اما الخيار الرابع والأخير والذي يبدو بعيد المنال حاليا وهو ان تذهب حماس للاعتراف بالمبادرة العربية وقرارات الشرعية الدولية بخصوص فلسطين، والاقرار بالاتفاقيات مع اسرائيل، وهذا الخيار يعتبر بنظر حماس تراجعا عن مواقفها التقليدية، وتخليا عن خيار المقاومة، ولكنه سيفتح لحماس منافذ دولية ستمكنها من اضفاء قوة على قوتها التي حازتها عبر صناديق الاقتراع، وسيجعل منها اللاعب الوحيد والمؤثر داخليا وخارجيا، ولكن يبدو ان حماس بنظام تعبئتها الفكرية الحالية لا يبدو انها مقبلة على تحولات دراماتيكية من هذا النوع.

2- خيارات الرئاسة: تماما كما الحكومة تبدو الرئاسة محددة بعدد قليل من الخيارات الصعبة والمحرجة والمحرقة، فالخيار الاول الذي قد يلجأ اليه الرئيس هو حل الحكومة مستخدما صلاحياته الدستورية، تمهيدا لبدء مشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية على الطريقة –العباسية- والتي هي مختلفة شكلا ومضمونا عن حكومة الوحدة الوطنية الحمساوية، ومثل هذا الخيار سيكون مسكونا بالمستحيل اذا لم يكن هناك توافقا ما مع حماس، باختصار حماس لديها الفيتو الذي يمكنها من عدم تمرير اي حكومة والابقاء على الحكومة الحالية كمسيرة أعمال في حال حلها طوال المدة المتبقية من ولاية التشريعي. والخيار الثاني امام الرئاسة سيكون اعلان حالة الطوارئ وتشكيل حكومة طوارئ وهذا ممكن نطريا ولكنه محدد زمنيا ويستدعي الامر من الرئيس العودة للمجلس التشريعي بعد انقضاء المدة القانونية التي يمنحها له النظام الاساسي. وهذا الخيار هو خيار ينبئ بالفواجع والكثيرين يقولون بانه سيكون مقدمة حتمية لحرب اهلية فلسطينية. اما الخيار الثالث فهو الذهاب لانتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة وهذا الخيار سيبدو للوهلة الاولى جذابا لكلا الحركتين ( فتح وحماس)، فحماس قد تتمكن من الفوز مجددا بالمجلس التشريعي، مع امكانية لان يقتنص اسماعيل هنية منصب الرئاسة امام ما تعيشه فتح من حالة ضياع وعدم استقرار، وهذا الاحتمال سيخلق حكومة ورئاسة من لون واحد وانسجام فكري وعقائدي، في المقابل فقد ترى فتح في الانتخابات المبكرة بانها فرصة لاعادة التوازن للنظام السياسي، حيث ستحصل فتح على حجمها الطبيعي وكذلك حماس، ولن يذهب الناس لصناديق الاقتراع وفي نيتهم تلقين حركة فتح درسا كما حدث في الانتخابات التشريعية مطلع العام الحالي، والتوقعات ترجح ان يتعاظم نفوذ المستقلين والكتل البرلمانية الاخرى من اعادة الانتخابات كون ان جزءً مهما من جمهور الناخبين قد مل حالة الصراع على السلطة ما بين فتح وحماس. ويعتقد الكثير مما يديرون دفة القرار الفتحاوي ان ابو مازن لا زال يحظى بشعبية معقولة ستمكنه من حسم المعركة الانتخابية المفترضة لصالحه. اما الخيار الرابع فهو سيكون استجابة للدعوة التي أطلقها رئيس الوزراء حول التفكير بامكانية حل السلطة، وهذا الحل يبدو له منظريه ومريديه، وهذا الحل يحتاج الى قرار من منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها هي الطرف الذي وقع على اتفاقيات اوسلو التي بموجبها تم تأسيس اول سلطة وطنية فلسطينية على ارض فلسطين.

تبدو الساحة الفلسطينية كاعصار سيضرب ساحل غزة، وسيحرك تسونامي سياسي فلسطيني نحو الضفة لا احد لديه القدرة على توقع قوته وحسابات الربح والخسارة التي سيحملها هذا الاعصار، ولكن بالتأكيد لا يمكن التفكير بان احداً قادرا على قيادة سفينتا دون التفكير بهذا الافق الذي يطل على رعب الغروب في ساحلنا المتوسطي. - مفتاح 5/9/2006 -

http://www.miftah.org